تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

على وقع شهادات نساء كسرن الصمت… انتهاك يتجاوز آلام الولادة

الخط

يكشف هذا التحقيق، من خلال شهادات نساء من سوريا، عن أشكال متعددة من العنف الولادي، تبدأ من انتهاك الخصوصية وغياب الموافقة المستنيرة، ولا تنتهي عند الإهانة أو سلب المرأة حقها في اتخاذ القرار بشأن جسدها. ينطلق التحقيق من قضية الطبيبة المصرية أمينة سويدان، التي أثارت شهادتها حول ممارسات وصفتها بغير الأخلاقية داخل قسم الولادة في مستشفى الشاطبي الجامعي بالإسكندرية موجة واسعة من شهادات النساء، قبل أن تواجه الملاحقة بدلاً من فتح تحقيق في الانتهاكات التي كشفتها. وفي سوريا، تنقل ليلى، وهي ممرضة سابقة، تجربتها شاهدةً على ممارسات تقول إنها كانت تتكرر داخل غرف العمليات، قبل أن تتحول هي نفسها إلى ضحية بعدما خضعت لعملية جراحية اكتشفت بعدها أن جسدها كُشف خلافاً لما أُبلغت به، الأمر الذي دفعها إلى ترك عملها في المستشفى. كما يسلط التحقيق الضوء على قصة صبا، التي أُجبرت على الولادة في المنزل رغم رغبتها في التوجه إلى المستشفى، في مثال على العنف الذي قد تمارسه الأسرة حين تُنتزع من المرأة حرية اتخاذ القرار. ويستعرض أيضاً شهادة روان، التي وجدت نفسها تخوض مخاضها في غرفة لا تحترم الحد الأدنى من الخصوصية، بينما روت ليان كيف خضعت لإجراء طبي مختلف عما وافقت عليه، من دون أن تتلقى شرحاً أو تطلب موافقتها من جديد. وتوضح هذه الشهادات أن العنف الولادي لا يقتصر على الاعتداء الجسدي، بل يشمل كل ممارسة تُهدر فيها كرامة المرأة، أو تُنتهك خصوصيتها، أو تُجرى عليها تدخلات طبية من دون موافقة مستنيرة. ويخلص التحقيق إلى أن حماية النساء أثناء الحمل والولادة لا تبدأ داخل غرفة العمليات فقط، بل بالاعتراف بحقوقهن، وتطبيق معايير الرعاية الصحية القائمة على الاحترام، وتوفير آليات مستقلة للمساءلة، بما يضمن ألا تتحول لحظة استقبال الحياة إلى تجربة تترك جروحاً نفسية وإنسانية طويلة الأمد.

منصة إرادة- شيماء شريف

تشجعت عشرات النساء في مصر على مشاركة تجاربهن عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن نشرت الطبيبة المصرية أمينة سويدان شهادة صادمة تحدثت فيها عن ممارسات وصفتها بغير الأخلاقية داخل قسم الولادة في مستشفى الشاطبي الجامعي التابع لجامعة الإسكندرية.

وصفت سويدان، في منشور على حسابها الشخصي، انتهاكات قالت إنها تطال حقوق المريضات داخل القسم، من بينها استخدام العنف الجسدي واللفظي أثناء الولادة، والإهانة، وانتهاك الخصوصية، وصولاً إلى ممارسات ذات طابع جنسي مهين. ولم تمض ساعات حتى بدأت عشرات النساء بنشر شهادات متشابهة عن تجارب عشنها في المستشفى نفسه، الأمر الذي منح رواية الطبيبة مصداقية إضافية، وحولها من شهادة فردية إلى قضية رأي عام.

لكن، وبدلاً من فتح تحقيق مستقل في الانتهاكات المزعومة، وإيقاف المتورطين مؤقتاً إلى حين انتهاء التحقيق، أعلنت السلطات المصرية أن الطبيبة نشرت أخباراً كاذبة، وأوقفتها عن العمل ثم أُلقي القبض عليها. كما انخرطت وسائل إعلام مؤيدة للحكومة في نفي روايتها، بينما تعرضت مواقف نقابة الأطباء لانتقادات من ناشطين اعتبروا أنها انحازت إلى المؤسسة الصحية أكثر من انحيازها إلى حق النساء في التحقيق في ادعاءات خطيرة.

ليست هذه القضية استثناءً. ففي بلدان عديدة، لا تتعلق معاناة النساء أثناء الولادة بالألم الجسدي وحده، بل بما يتعرضن له من انتهاكات لكرامتهن وحقهن في اتخاذ القرار، واحترام خصوصيتهن، والحصول على رعاية صحية قائمة على الموافقة والمعرفة.

وتعرّف منظمة الصحة العالمية العنف الولادي بأنه سوء المعاملة الذي تتعرض له النساء أثناء الحمل أو الولادة أو ما بعدها داخل المؤسسات الصحية، ويشمل الإهانة، والتمييز، والإجراءات الطبية التي تُجرى من دون موافقة مستنيرة، وانتهاك الخصوصية، والإهمال، أو استخدام القوة والإكراه، بما يخلّ بحق المرأة في رعاية صحية آمنة وكريمة. (

أما بالنسبة إلى كثير من النساء، فالعنف الولادي لا يحتاج إلى تعريف قانوني أو طبي. إنه اللحظة التي يفقدن فيها السيطرة على أجسادهن، ويُعاملن بوصفهن حالات طبية لا أشخاصاً، ويُختزل الألم، والخوف، والخصوصية، والكرامة، في إجراءات روتينية لا يُطلب فيها رأيهن، ولا يُشرح لهن ما يحدث.

القرار الذي لم يكن لها

لا يبدأ العنف الولادي دائماً داخل المستشفى، ولا ينتهي عند باب غرفة الولادة. ففي كثير من الأحيان، يصل إلى المرأة محمولاً على نصائح الأقارب، أو خبرات الأمهات والجدات، اللواتي عشن تجارب مشابهة في زمن لم يكن فيه الحديث عن حقوق المريضات أو الموافقة المستنيرة جزءاً من الثقافة الطبية أو المجتمعية.

ومع مرور الوقت، تتحول بعض تلك الممارسات إلى “أمور طبيعية” تتناقلها النساء بين الأجيال، من دون أن تُوصَف باعتبارها عنفاً أو انتهاكاً، بل باعتبارها جزءاً لا مفر منه من تجربة الإنجاب.

صبا (46 عاماً – اسم مستعار) ما تزال تتذكر ولادتها الأولى قبل ثمانية عشر عاماً، وكأنها حدثت بالأمس.

تقول: “كان حملي الأول، وكنت خائفة جداً من الولادة. كنت قد اتفقت مع زوجي على أن ألد في المستشفى، لكن عندما بدأ المخاض طلبت من والدتي أن تأخذني إلى هناك، فرفضت، واستدعت قابلة إلى المنزل. كانت تقول إن الأمر مجرد مغص، وإن الولادة المنزلية أفضل.”

لم يكن القرار قرارها.

تتابع: “خلال ساعة بدأت القابلة بتوليدي. كنت أصرخ، وأبكي، وأرفض أن ألد في المنزل، لكنها لم تستجب. استمرت الولادة نحو ساعتين حتى أنجبت طفلتي.”

لم تكن صبا تعلم أن السبب الحقيقي وراء رفض والدتها نقلها إلى المستشفى لم يكن متعلقاً بصحتها أو بسلامة الجنين.

تقول: “بعد الولادة اتصلت أمي بزوجي، ووضعت الهاتف قرب طفلتي ليسمع صوتها. لم يصدق أنني أنجبت في المنزل. بدل أن يغضب، فرح كثيراً، وشكر والدتي لأنها وفرت عليه تكاليف الولادة في المستشفى.”

 

تكشف شهادة صبا جانباً آخر من العنف الولادي، لا يرتبط مباشرة بالمؤسسات الصحية، بل بحرمان المرأة من حقها في اتخاذ القرار بشأن مكان ولادتها وطريقة رعايتها، وإخضاع ذلك لاعتبارات اقتصادية أو اجتماعية لا تكون هي طرفاً فيها.

إرث الصمت

استمعت إلى شهادة صبا في عيادة طبيبة نسائية كانت تتابع معها علاج بعض الالتهابات التي سببتها الولادة المنزلية غير المراقبة. لم تملك الطبيبة إلا أن تشارك تجربتها الخاصة والتي تمتد في الزمن بطريقة مختلفة. قالت لي “أثناء الاستماع إلى شهادة صبا، وجدت نفسي أفكر في والدتها أكثر مما فكرت فيها. لم أستطع التعامل مع ما فعلته بوصفه قسوة مجردة، بل بوصفه امتداداً لسلسلة طويلة من التجارب التي عاشتها نساء جيلها، من دون أن يمتلكن اللغة التي تمكنهن من وصفها بالعنف.

تذكرت والدتي وهي تجلس مع خالاتي، يسترجعن ذكريات الولادة قبل أكثر من أربعين عاماً.

إحدى خالاتي تحدثت عن طبيب النساء الذي راجعته بعد زواجها مباشرة. عندما ترددت في فتح ساقيها أثناء الفحص، صرخ في وجهها قائلاً:

“ليش خجلانة؟ خايفة أشوف هالشحاطة؟” كان يقصد أعضاءها التناسلية.

ضحكت النساء حولها، ثم استذكرت خالتي الأخرى كيف صفعها الطبيب نفسه أثناء الولادة لأنها لم تكن تتعاون معه كما أراد. ضحكن مجدداً.  كنت الوحيدة التي لم تستطع الضحك.

ذلك المشهد جعلني أدرك أن كثيراً من النساء لا يتذكرن الإهانة باعتبارها جريمة، بل باعتبارها جزءاً عادياً من تجربة الولادة. وعندما تصبح الإساءة مألوفة إلى هذا الحد، يسهل أن تنتقل من جيل إلى آخر من دون مقاومة”.

خصوصية معلقة بستارة مفتوحة

اختارت روان (22 عاماً – اسم مستعار) أن تضع مولودها في العيادة الخاصة لطبيبتها النسائية، معتقدة أن ذلك سيمنحها رعاية أكثر خصوصية من المستشفى.

لكن ما عاشته كان العكس تماماً.

تصف روان المكان قائلة إن غرفة الولادة لم تكن منفصلة عن غرفة الفحص، بل ضمت سريرين يفصل بينهما ستار ظل مفتوحاً طوال الوقت.

تقول: “كنت مستلقية على كرسي الولادة، وقدماي مثبتتان على الحاملين المعدنيين، بينما كانت المراجعات يدخلن ويخرجن إلى السرير المجاور كل بضع دقائق.”

كانت الطبيبة تتنقل بسرعة بين المراجعات والولادة، من دون أن تشرح لروان ما يجري، أو تطلب موافقتها على الفحوص المتكررة.

وتضيف: “كل بضع دقائق كانت ترفع الغطاء، وتجري فحصاً مهبلياً، ثم تعود إلى المراجعات. خلال ساعات المخاض شاهدت ما لا يقل عن عشر نساء منطقتي الحساسة.”

لا تصف روان الألم الجسدي بوصفه أكثر ما بقي في ذاكرتها، بل الشعور بأن خصوصيتها لم تكن تعني أحداً.

كورال تالا

حين يصبح الجسد خارج إرادة صاحبته

كانت ليان (30 عاماً – اسم مستعار) تعتقد أنها تعرف ما الذي سيحدث.

بعد أن فشلت الأدوية في إنهاء حمل غير مكتمل، راجعت طبيبها طالبـةً إجراء عملية شفط، وهي تقنية تُستخدم لإنهاء بعض حالات الإجهاض. سألته عن تفاصيل الإجراء، فأخبرها بأنه بسيط، ويُجرى تحت التخدير الموضعي، وطلب منها فقط الامتناع عن الطعام لمدة اثنتي عشرة ساعة.

لكن ما حدث لاحقاً لم يكن ما وافقت عليه.

تقول ليان: “عندما وصلت إلى العيادة، طلب مني الطبيب التوجه إلى مستشفى آخر. انتظرت هناك نحو أربع ساعات في غرفة باردة، ثم طلبوا من ابنة عمي، التي كانت ترافقني، توقيع ورقة تفيد بأنني أدخل غرفة العمليات بسبب نزيف مستمر، مع أنها لم تكن تلك حالتي.”

وتتابع: “وقّعت ابنة عمي على تعهد بتحمل مسؤولية أي مضاعفات، ثم دخلت غرفة العمليات. عندما استيقظت، اكتشفت أنني خضعت لعملية تجريف رحم تحت التخدير العام، ولم يكن أحد قد أخبرني بذلك مسبقاً.”

لم تكن صدمة ليان مرتبطة بالإجراء الطبي نفسه، بل بكونه اتُّخذ نيابة عنها.

تقول: “حتى اليوم، لا أعرف لماذا تغيرت الخطة العلاجية، ولماذا لم يشرح لي أحد ما سيحدث، أو يطلب موافقتي.”

ما هي "الموافقة المستنيرة"؟

لا تعني الموافقة المستنيرة توقيع ورقة قبل دخول غرفة العمليات، بل تعني أن تتلقى المريضة معلومات واضحة ومفهومة عن حالتها الصحية، وخيارات العلاج المتاحة، ومزايا كل خيار ومخاطره، ونوع التخدير المقترح، والمضاعفات المحتملة، وأن تمتلك الحق في طرح الأسئلة وقبول الإجراء أو رفضه بحرية، قبل البدء بأي تدخل طبي، إلا في الحالات الإسعافية التي تهدد الحياة ولا تسمح بالحصول على الموافقة.

وفي رعاية الحمل والولادة، تشمل الموافقة المستنيرة أيضاً شرح خطة الولادة، وأسباب اللجوء إلى أي تدخل طبي، مثل القيصرية، أو شق العجان، أو التحفيز الدوائي، أو التخدير، وعدم إجراء أي منها من دون علم المرأة وموافقتها.

أكثر من تجربة فردية

قد تبدو شهادات النساء مختلفة في تفاصيلها؛ واحدة أُجبرت على الولادة في المنزل، وأخرى انتهكت خصوصيتها داخل غرفة الولادة، وثالثة خضعت لإجراء طبي لم توافق عليه، ورابعة فقدت الثقة بالمستشفى الذي كانت تعمل فيه.

لكن القاسم المشترك بينها جميعاً هو غياب حق المرأة في أن تكون صاحبة القرار بشأن جسدها.

فالعنف الولادي لا يقتصر على الضرب أو الإهانة اللفظية، بل يشمل أيضاً كل ممارسة تُنتزع فيها موافقة المرأة، أو تُنتَهك خصوصيتها، أو تُجرى عليها تدخلات طبية من دون شرح كافٍ، أو تُعامل خلالها باعتبارها موضوعاً للإجراء الطبي، لا إنسانة تتمتع بحقوق كاملة.

أرقام لا تكشف كل الحقيقة

بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، يبلغ معدل وفيات الأمهات في سوريا نحو 20 وفاة لكل 100 ألف ولادة حية، فيما يبلغ في مصر نحو 17 وفاة لكل 100 ألف ولادة حية. إلا أن هذه الأرقام تقيس النتيجة الأكثر قسوة، وهي الوفاة، ولا تعكس بالضرورة حجم الانتهاكات التي تتعرض لها النساء أثناء الحمل والولادة.

كما أن الاعتماد على معدلات الوفيات وحدها لا يسمح بقياس انتشار العنف الولادي، لعدم وجود مؤشرات رسمية ترصد الإهانة، أو انتهاك الخصوصية، أو غياب الموافقة المستنيرة، أو سوء المعاملة داخل المؤسسات الصحية.

ماذا عن الاعتراف بالجريمة؟

العنف الولادي ليس تجربة سيئة تمر بها بعض النساء، ولا نتيجة حتمية للألم المصاحب للولادة، بل انتهاك لحقوق الإنسان يمكن الوقاية منه عندما تُبنى الرعاية الصحية على الاحترام، والشفافية، والمساءلة.

وتبدأ هذه الحماية بالاعتراف بأن للمرأة حقاً غير قابل للتصرف في معرفة ما يحدث لجسدها، والموافقة عليه، ورفضه، وفي الحفاظ على خصوصيتها وكرامتها طوال رحلة الحمل والولادة.

ولا تقع مسؤولية ذلك على العاملين الصحيين وحدهم، بل أيضاً على المؤسسات الصحية، والجهات الرقابية، والنقابات المهنية، وصناع السياسات، الذين تقع على عاتقهم مسؤولية وضع معايير واضحة للرعاية القائمة على الاحترام، وتدريب الكوادر عليها، وتوفير آليات آمنة ومستقلة لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها، وضمان عدم تعرض النساء أو المبلغين عن الانتهاكات لأي شكل من أشكال الانتقام.

في جميع الشهادات التي جمعناها، اختلفت المدن، واختلفت الأعمار، واختلفت الظروف. لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً: كل امرأة خرجت من غرفة الولادة وهي تحمل طفلها، وتحمل معه ذكرى لم تخترها.

فالولادة حدث يؤسس لبداية حياة جديدة، ولا ينبغي أن تتحول ذكراها إلى صدمة ترافق النساء بقية أعمارهن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *