تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

بعد عام على مجزرة السويداء… كيف أعاد المجتمع المدني نسج الحياة؟

الخط

في مشغل "علّمني الصيد" بمدينة السويداء، تجلس أم رنا، التي فقدت زوجها ومنزلها خلال مجزرة تموز/يوليو 2025، تحيك قطعة كروشيه لتؤمن قوت أطفالها الخمسة. مشهد يلخص رحلة مدينة كاملة حاولت أن تعيد نسج حياتها بعد واحدة من أكثر محطاتها دموية. لم تكن مجزرة السويداء مجرد حدث خلّف آلاف الضحايا والمهجرين، بل شكلت اختباراً لقدرة المجتمع المحلي على تنظيم نفسه في ظل غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة. وخلال عام، تحولت المبادرات المدنية من فرق إغاثة تؤمن الغذاء والدواء إلى شبكات تعمل على التعليم والدعم النفسي والفن والإعلام وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي. في الأيام الأولى، تكاتف الأهالي لإطلاق مراكز استضافة ومطابخ مجتمعية، مستفيدين من الدعم المالي للمغتربين السوريين. وتصف الناشطة المدنية نجوى الطويل تلك المرحلة بأنها أشبه بـ"خلية نحل"، حيث تحرك الجميع بصورة عفوية لتلبية الاحتياجات الأساسية. ومع تراجع المرحلة الطارئة، بدأت أولويات المجتمع تتغير. وتقول الناشطة رهام بحصاص إن ما جرى كان تعبيراً عملياً عن "رأس المال المجتمعي"، إذ قدم كل فرد ما يستطيع، قبل أن يدرك الجميع أن الإغاثة وحدها لا تكفي، وأن العمل والإنتاج والتعليم تمثل بداية التعافي الحقيقي. برز التعليم كأحد أهم محاور هذه المرحلة، حيث استفاد نحو 700 طفل من برامج تعويض الفاقد التعليمي داخل 56 مركز استضافة، فيما وفرت مبادرات محلية دعماً تعليمياً للأيتام وأبناء العائلات فاقدة المعيل، بهدف حمايتهم من التسرب الدراسي وإعادة إحساسهم بالحياة الطبيعية. وفي موازاة ذلك، توسعت المبادرات لتشمل الفئات الأكثر هشاشة، عبر العلاج الفيزيائي والدعم النفسي للأطفال والنساء ومصابي الحرب والأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب برامج إعادة التأهيل والأنشطة المسرحية والترفيهية التي ساعدت على تخفيف آثار الصدمة. ومع استقرار الأوضاع نسبياً، تحول الفن إلى أداة للتعافي وحفظ الذاكرة. فقد نظم "ملتقى كرتون الفني" مزادات خيرية لدعم النساء المهجرات، بينما أطلقت مبادرات مثل "الفنان الصغير" و"معهد تالا للموسيقى" و"مقام الذاكرة" مشاريع جمعت بين الإبداع والتوثيق والتكافل المجتمعي. كما برز دور الإعلام المحلي من خلال منصة "حبق"، التي ركزت على توثيق الأحداث وإبراز المبادرات المحلية، إلى جانب حملات تطوعية لتنظيف الأحياء وتأهيل المرافق العامة. ورغم هذه الجهود، تؤكد الناشطة المدنية ميرنا أن التجربة كشفت أيضاً حدود العمل الأهلي، قائلة: "استنزفنا أنفسنا"، في إشارة إلى الضغوط التي واجهها المتطوعون، واعتماد معظم المبادرات على التمويل الفردي للمغتربين، في ظل غياب مؤسسات قادرة على تحمل مسؤولياتها. وبعد عام، أثبت المجتمع المدني قدرته على منع الانهيار وحماية التماسك الاجتماعي، لكنه كشف أيضاً أن التعافي المستدام لا يمكن أن يكتمل من دون دولة توفر الأمن والعدالة والخدمات الأساسية. فقد نجحت المبادرات في إعادة وصل خيوط مجتمع كاد يتمزق، ومنحت أبناء السويداء فرصة للتمسك بالأمل، وإعادة تعلم الحياة من جديد.

منصة إرادة- مادلين جليس

في زاوية مشغل “علّمني الصيد” بمدينة السويداء، تمتزج أصوات أدوات الحياكة بحديث خافت لنساء يتقاسمن وجعاً واحداً. بين خيوط الصوف الملونة، تجلس أم رنا (34 عاماً)، التي فقدت زوجها ومنزلها خلال مجزرة تموز 2025، وهي تحاول أن تنسج بداية جديدة لأطفالها الخمسة. لم تعد قطعة الكروشيه التي تعمل عليها مجرد وسيلة لتأمين قوت يومها، بل أصبحت محاولة شخصية لاستعادة إيقاع حياة كاد أن يتوقف.

خلال عام كامل، لم يحاول المجتمع المدني في السويداء ترميم ما خلفته المجزرة من دمار مادي لكنه خاض أيضاً محاولة أكثر تعقيداً: إعادة ترميم ذاكرة مدينة كاملة.

لم تكن مجزرة السويداء في تموز 2025 مجرد حدث دموي خلّف آلاف الضحايا والمهجرين، بل مثلت اختباراً غير مسبوق لقدرة المجتمع المحلي على تنظيم نفسه في ظل غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة. وخلال عام واحد فقط، تحولت المبادرات المدنية من فرق إغاثة تؤمن الغذاء والدواء إلى شبكات مجتمعية تعمل على التعليم والدعم النفسي والفن والإعلام وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي، في تجربة كشفت من جهة قدرة المجتمع على حماية نفسه، ومن جهة أخرى حدود العمل الأهلي عندما يغيب دور الدولة.

عندما أصبحت غريزة البقاء مشروعاً جماعياً

في الأيام الأولى التي أعقبت المجزرة، لم يكن أحد يملك تصوراً لما ينتظر المدينة. كانت الصدمة أكبر من أن تُستوعب، فيما كانت أعداد القتلى والجرحى والمهجرين تتزايد، لتتحول السويداء إلى مدينة تحاول التقاط أنفاسها وسط مشهد إنساني غير مسبوق.

تصف الناشطة المدنية نجوى الطويل تلك المرحلة بقولها: “كانت السويداء أشبه بخلية نحل مصغرة. منذ اللحظات الأولى بدأ المجتمع المدني بالاستجابة للكارثة، واستمر مع المجتمع المحلي في تلبية الاحتياجات، في ظل غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة.”

وتضيف أن الاستجابة لم تكن منظمة وفق خطط مسبقة، بل جاءت بصورة عفوية، مدفوعة بشعور جماعي بأن المجتمع لا يملك سوى الاعتماد على نفسه. “مع الدعم المالي الذي أرسله المغتربون، بدأت الاحتياجات الأساسية تصل إلى المحتاجين بسرعة، خاصة الغذاء والدواء. كان الجميع يحاول أن يفعل شيئاً، مهما كان صغيراً.”

وسرعان ما تحولت البيوت والقاعات العامة والمدارس إلى مراكز استضافة، فيما تكفلت مبادرات محلية بإطلاق المطابخ المجتمعية وتأمين الوجبات اليومية للعائلات المهجرة، لتصبح هذه المبادرات خط الدفاع الأول أمام كارثة إنسانية كانت مرشحة للتفاقم.

وكانت الكلفة البشرية للمجزرة باهظة. فوفق تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا الصادر في آذار/مارس 2026، قُتل أكثر من 1700 شخص، فيما نزح نحو 155 ألفاً من القرى التي تعرضت للحرق والدمار، مخلفين واحدة من أكبر موجات النزوح التي شهدتها المحافظة.

لكن وسط هذا المشهد، بدأت تظهر ملامح قوة مختلفة، ليست عسكرية ولا سياسية، وإنما اجتماعية؛ قوة تقوم على التضامن والتكافل، وتبحث عن وسائل للنجاة قبل التفكير في المستقبل.

من الإغاثة الطارئة إلى التعافي المبكر

بعد أسابيع من الاستجابة الطارئة، بدأت الاحتياجات تتغير. فالغذاء والدواء بقيا ضروريين، لكن المجتمع كان بحاجة أيضاً إلى استعادة قدرته على العيش، وعلى التوازن.

تقول الناشطة المدنية رهام بحصاص إن ما شهدته السويداء خلال تلك الفترة كان تطبيقاً عملياً لما يعرف بـ”رأس المال المجتمعي”، حتى وإن لم يكن معظم المشاركين يعرفون هذا المفهوم.

وتروي: “مدفوعين بغريزة البقاء، عمل كل أهالي السويداء مع بعضهم البعض بحب لم أره مسبقاً على الإطلاق.” وتتابع: “كل شخص كان يقيّم ما لديه ليقدمه للآخر، وفي الوقت نفسه يأخذ منه ما يستطيع تقديمه”.

خلال الأشهر الأولى، بقيت الأولوية لتأمين الغذاء والدواء ومراكز الاستضافة، لكن بحصاص تشير إلى أن استمرار هذا النمط لفترة طويلة خلق شعوراً بالعجز لدى كثيرين.

وتقول: “كان الحل هو العمل. وهذا طبيعي في مرحلة الاستقرار الأولي بعد الحرب، إذ يبدأ الناس بالبحث عن طريقة لاستعادة حياتهم وتأمين قوت أسرهم.”

وتشير بحصاص إلى أن هذه المرحلة شكلت نقطة فاصلة، إذ انتقل المجتمع المدني تدريجياً من إدارة الأزمة إلى التفكير بالتعافي، وهي مرحلة ستنعكس لاحقاً على التعليم، والدعم النفسي، والثقافة، وحتى الإعلام المحلي.

التعليم... أول خطوة لاستعادة المستقبل

كان الأطفال واليافعون من أكثر الفئات تأثراً بالمجزرة. فإلى جانب النزوح وفقدان أفراد من عائلاتهم، وجد كثير منهم أنفسهم بعيدين عن مدارسهم، يقضون أيامهم داخل مراكز الاستضافة، بينما يزداد خطر التسرب الدراسي يوماً بعد آخر.

في تلك اللحظة، بدأ المجتمع المدني ينظر إلى التعليم باعتباره أكثر من حق أساسي؛ وإنما وسيلة لإعادة بناء الإحساس بالحياة الطبيعية، وحماية جيل كامل من آثار العنف الذي شهده.

تقول رهام بحصاص: “بعد أشهر انتقل العمل من الإغاثي إلى شبه التعافي، من خلال العمل على التعليم وتعويض الفاقد التعليمي للطلاب الموجودين في مراكز الاستضافة.”

وتوضح أن عشرات المتطوعين والمعلمين والمختصين انخرطوا في هذه المهمة، مدعومين من أبناء السويداء في الاغتراب الذين لم يتوقفوا عن تمويل العملية التعليمية حتى بعد عودة المدارس للعمل.

وبحسب القائمين على هذه المبادرات، استفاد نحو 700 طفل من برامج تعويض الفاقد التعليمي داخل 56 مركز استضافة موزعة في أنحاء المحافظة.

وكانت جمعية سند من أبرز الجهات التي تولت هذه المهمة، حيث نظم متطوعون واختصاصيون برامج تعليمية داخل مراكز الاستضافة، مزجت بين متابعة المناهج الرسمية والأنشطة التفاعلية التي هدفت إلى إعادة الأطفال إلى بيئة تعليمية آمنة بعد أشهر من الخوف وعدم الاستقرار.

وفي الوقت نفسه، قدمت جمعية جسر المحبة دعماً تعليمياً ومهنياً مجانياً لأبناء العائلات فاقدة المعيل والأيتام، لمساعدتهم على التحضير للامتحانات، والحد من مخاطر التسرب الدراسي التي ازدادت بعد المجزرة.

لم تكن هذه الصفوف مجرد دروس مدرسية. ففي كثير من الأحيان، كانت الحصة الدراسية تتحول إلى مساحة يكتشف فيها الأطفال أن الخوف ليس قدراً دائماً، وأن المدرسة يمكن أن تكون مكاناً لاستعادة الروتين اليومي، لا مجرد مبنى للتعلم.

يقول أحد المتطوعين المشاركين في هذه البرامج إن أكثر اللحظات تأثيراً كانت عندما عاد الأطفال إلى الرسم واللعب بعد أسابيع من الصمت والخوف. فبعد أن كانوا ينكمشون عند سماع أي صوت مرتفع، بدأ كثير منهم يرسم بيوتاً ذات نوافذ مفتوحة، وأشجاراً وحدائق، في مشهد بدا وكأنه إعلان صامت عن بداية التعافي.

الفئات الأكثر هشاشة... حين أصبح التعافي نفسياً أيضاً

مع الانتقال إلى مرحلة التعافي، برزت فئات احتاجت إلى دعم يتجاوز الغذاء والتعليم، تقول نجوى الطويل إن المجتمع المدني أدرك منذ وقت مبكر أن التعافي لا يمكن أن يقتصر على تأمين الاحتياجات الأساسية. “كان لا بد من الالتفات إلى الفئات الهشة، ليس فقط من خلال تأمين الغذاء والدواء، بل أيضاً عبر إجراء العمليات الجراحية، وتأمين العلاج الفيزيائي والدعم النفسي لمصابي الحرب والأشخاص ذوي الإعاقة.”

وتضيف أن المرحلة شهدت تشكيل لجان متخصصة عملت على متابعة هذه الاحتياجات، بالتعاون مع فرق ومنظمات إنسانية، بينها أطباء بلا حدود، إضافة إلى فرق متخصصة بالدعم النفسي بدأت عملها منذ الأيام الأولى للمجزرة. “هذه الفرق لا تزال موجودة حتى اليوم، لكنها تعمل بوتيرة أقل بكثير من السابق، لأن حجم الاحتياجات لم يعد كما كان في الأشهر الأولى.”

وفي هذا الإطار، نفذ فرع الجمعية السورية للمعوقين جسدياً في السويداء حملات لتوزيع الكراسي المتحركة والمستلزمات الحركية والطبية تحت شعار “الحب لا يحتاج لقدمين”، بينما واصل مركز نبض المجتمعي في صلخد تنفيذ برامج لإعادة التأهيل المنزلي للأطفال ذوي الإعاقات الذهنية وطيف التوحد، إلى جانب جلسات علاج النطق والدعم النفسي والاجتماعي.

كما قدمت مبادرات محلية ومنظمات إنسانية خدمات العلاج الفيزيائي والفحوصات الطبية، إلى جانب برامج دعم نفسي استهدفت النساء والأطفال الذين عاشوا تجربة النزوح أو فقدوا أفراداً من عائلاتهم.

لكن اللافت أن الدعم النفسي لم يقتصر على الجلسات العلاجية التقليدية. فقد لجأت بعض المبادرات إلى المسرح، والألعاب الجماعية، والأنشطة الفنية والترفيهية لمساعدة الأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة على استعادة ثقتهم بأنفسهم، وإعادة بناء علاقتهم بالمجتمع.

وتوضح نجوى الطويل أن هذه الأنشطة لم تكن مجرد وسائل ترفيه، بل جزءاً من عملية التعافي نفسها، لأنها منحت كثيرين فرصة للتعبير عن مشاعرهم بطريقة لم تكن الكلمات وحدها قادرة على نقلها.

كورال تالا

عندما أصبح الفن وسيلة للتعافي

لم يعد السؤال المطروح داخل السويداء: كيف نؤمن الطعام والدواء؟ بل أصبح: كيف نعيد للمدينة روحها؟

بالنسبة إلى كثير من الفاعلين المدنيين، كانت الإجابة في استعادة المساحات التي تجمع الناس، وتمنحهم فرصة للتعبير عن الألم، وتساعدهم على إعادة بناء علاقتهم بأنفسهم وبمدينتهم.

تقول نجوى الطويل إن الفن تحول، بعد المجزرة، إلى أحد أشكال المقاومة المدنية. “المعارض التي وثقت الانتهاكات من خلال الصور، ورواية قصص الضحايا، لم تكن مجرد نشاط ثقافي، بل كانت محاولة لحماية الذاكرة.”

ومن بين أبرز هذه المبادرات، برز ملتقى كرتون الفني، الذي تأسس بوصفه منصة فنية حرة ومفتوحة للحوار واللقاء، لكنه سرعان ما تحول إلى مساحة تجمع بين الثقافة والعمل المجتمعي.

وعلى مدار العام الماضي، نظم الملتقى أمسيات موسيقية، وعروضاً مسرحية، وقراءات شعرية، ومعارض فنية، إضافة عدة مزادات خيرية، خُصص ريع أحدها لدعم مشروع “علّمني الصيد”، الذي يعمل مع النساء المهجرات في مراكز الإيواء، وخاصة الأرامل، لتأمين مصدر دخل مستدام من خلال مهنة الحياكة.

كما نظم مزاداً آخر لبيع المنتجات اليدوية التي صنعتها النساء المهجرات، في محاولة لربط التكافل المجتمعي بالإنتاج، وتحويل المتلقين للمساعدات إلى شركاء في إعادة بناء حياتهم.

وتقول نجوى الطويل إن أهمية هذه المبادرات لم تكن في قيمتها المادية فقط، بل في الرسالة التي حملتها. “كنا نحاول أن يشعر الناس بأنهم ليسوا وحدهم، وأن المجتمع كله يشارك في تحمل المسؤولية، لا من خلال التبرعات فقط، بل أيضاً عبر المشاركة في الفعاليات الفنية والثقافية.”

وفي السياق نفسه، أطلقت جمعية محبة ووفا برنامج “الفنان الصغير”، الذي استهدف الأطفال واليافعين، وعمل على تنمية مواهبهم في الرسم، والشعر، والعزف، والغناء، بوصفها أدوات تساعدهم على التعبير عن تجاربهم، وبناء صورة مختلفة عن المستقبل، بعيداً عن مفردات الحرب.

كما نظمت الجمعية مشروع “نبني مدينتنا من جديد”، وهو نشاط تفاعلي طلب من الأطفال تصميم مجسمات لمدينة يتخيلونها بعد الحرب، مدينة تقوم على التعايش، والمساحات الخضراء، والمدارس، والمكتبات، بدلاً من الحواجز والدمار.

ولعل أكثر المبادرات الفنية رمزية كان تأسيس معهد تالا للموسيقى. لم يكن المعهد مجرد مؤسسة لتعليم الموسيقى، بل محاولة لتحويل الفقد إلى مشروع حياة، ورسالة تقول إن أصوات الأطفال يجب أن تبقى مرتبطة بالأغاني، لا بأصوات الرصاص.

ومع اقتراب الذكرى الأولى للمجزرة، أطلق ناشطون مشروع “مقام الذاكرة”، الذي يسعى إلى جمع الصور، واليوميات، والرسائل، والمقتنيات الشخصية، وشهادات الناجين وأهالي الضحايا، في أرشيف مفتوح يحفظ ذاكرة ما جرى، ويمنع تحوله إلى مجرد أرقام في التقارير.

حماية الرواية كما حماية المجتمع

مع محدودية التغطية الإعلامية لأحداث السويداء، شعر عدد من الصحفيين والناشطين بالحاجة إلى منصات تنقل تفاصيل ما يجري من داخل المجتمع نفسه، بعيداً عن الاستقطاب السياسي أو الروايات المتناقضة.

ومن هنا جاءت منصة حبق، التي سعت إلى سد النقص في توثيق أحداث السويداء، مع التركيز على المبادرات المحلية، وقصص المتطوعين، والأنشطة التي تعزز التماسك المجتمعي.

وتوضح رهام بحصاص أن دور المنصة تجاوز العمل الإعلامي التقليدي. “قدمت المنصة محتوى حيادياً، وتمكنت من الانتباه إلى القضايا المرتبطة بالتماسك المجتمعي، وعرضها بطريقة تساعد على التقارب لا الانقسام.”

وتضيف: “كما عملت على نقل المبادرات المحلية، مثل بازارات بيع منتجات المهجرين، بحيث تعرض هذه المنتجات أمام جمهور أوسع، بهدف جمع أكبر دعم ممكن للعائلات، إلى جانب تسليط الضوء على المبادرات التطوعية والفرق المحلية.”

وفي الوقت نفسه، شهدت المدينة عشرات المبادرات التطوعية التي استهدفت استعادة الفضاء العام. تشير نجوى الطويل إلى أن حملات ترميم وتنظيف الأحياء انتشرت في أكثر من منطقة، بينما أطلق متطوعون ولاعبون ورياضيون وموظفون مبادرة لتعشيب وتنظيف المدينة الرياضية في السويداء، في محاولة لإعادة الحياة إلى واحد من أهم المرافق العامة، بعد أن فقد الدعم الحكومي اللازم لصيانته.

وتوضح أن أهمية هذه المبادرات لم تكن مرتبطة بالنظافة فقط، بل بإعادة شعور الناس بأن المدينة لا تزال ملكاً لهم، وأن مسؤولية الاعتناء بها مسؤولية جماعية.

الجانب الآخر للحكاية... حدود القوة المدنية

لكن، بعد عام كامل من العمل، لم يكن ممكناً تجاهل الوجه الآخر لهذه التجربة؛ الوجه الذي يتحدث عن الإرهاق، ونقص الموارد، والحدود التي اصطدمت بها كل هذه المبادرات.

تقول الناشطة المدنية ميرنا إن أهم ما تحقق خلال العام الماضي هو أن المجتمع منع نفسه من الانهيار، لكنه لم يستطع تجاوز جميع آثار الكارثة، وتوضح أن بعض المناطق بقيت خارج نطاق كثير من المبادرات، إما بسبب صعوبة الوصول إليها، أو محدودية الإمكانات، أو حجم الاحتياجات الذي تجاوز قدرة الفرق المحلية. وتضيف أن التحدي الأكبر لم يكن في الأيام الأولى، بل بعد مرور الأشهر.

“استنزفنا أنفسنا. معظم المتطوعين لم يكونوا عاملين في المجال الإنساني أصلاً، بل كانوا أشخاصاً فقدوا أقاربهم أو بيوتهم، ثم وجدوا أنفسهم مسؤولين عن مساعدة الآخرين أيضاً.”

إلى جانب ذلك، بقي التمويل واحداً من أكثر الملفات حساسية. فقد لعب المغتربون السوريون دوراً محورياً في تمويل الاستجابة الإنسانية، واستمر كثير منهم في دعم التعليم والرعاية الصحية والمبادرات المجتمعية، لكن هذا الدعم ظل مرتبطاً بقدرات فردية وظروف متغيرة، ولم يكن بوسعه أن يشكل بديلاً دائماً عن مؤسسات عامة قادرة على تقديم الخدمات بصورة مستدامة.

كما اصطدمت بعض المبادرات بطبيعة الواقع السياسي والأمني، فقد طرحت بعض الأفكار لتحويل هذا الحراك المدني إلى أطر أكثر تنظيماً، مثل مبادرة “التيار الثالث”، بوصفها إطاراً مجتمعياً لمعالجة القضايا الإنسانية والاجتماعية، ووضع تصور يحد من الانزلاق نحو الفوضى، ومنح المجتمع أدوات مدنية لإدارة أزماته مستقبلاً، لكنها واجهت تحديات تتعلق بغياب الإطار القانوني، وتعقيدات المشهد السياسي، واستمرار حالة عدم الاستقرار.

مدينة أعادت اكتشاف نفسها

بعد عام على المجزرة، لا تزال آثارها حاضرة في ذاكرة السويداء وفي حياة كثير من عائلاتها. لكن التجربة أظهرت أيضًا أن المجتمع المدني استطاع، رغم محدودية إمكاناته، أن يمنع الانهيار الكامل، وأن يخلق مساحات للتضامن والتعلم والفن والأمل حين غابت مؤسسات الدولة.

لقد بدأت رحلة التعافي بتوزيع رغيف خبز وعلبة دواء، ثم امتدت إلى فصل دراسي مؤقت، وجلسة دعم نفسي، وعرض مسرحي، ومزاد خيري، وحملة لتنظيف شارع أو ملعب. وبين هذه المحطات، أعاد المجتمع اكتشاف قدرته على تنظيم نفسه وحماية نسيجه الاجتماعي.

ستواصل أم رنا تمرير خيط الصوف بين أصابعها. ربما لا تنسج قطعة كروشيه فحسب، بل تنسج، مثل كثيرين في السويداء، محاولة أخرى لإعادة وصل ما انقطع. فما نسجه المجتمع المدني خلال عام لم يكن مجرد شبكات إغاثة، أو مبادرات تعليمية، أو أنشطة ثقافية، بل خيوطاً دقيقة أعادت ربط مجتمع كاد يتمزق تحت وطأة العنف.

قد لا تكفي هذه الخيوط وحدها لإعادة بناء مدينة، لكنها كانت كافية لمنعها من السقوط، ومنحت آلاف الأشخاص فرصة للتمسك بفكرة بسيطة قاومت كل ما حدث: أن الحياة، مهما كانت هشة، تستحق أن تُعاد حياكتها من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *