تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

«طريق الموت» يحصد العشرات… وفاجعة دير الزور تكشف كلفة الإهمال

دير الزور: شيماء شريف

الخط

يتناول المقال الحادث المأساوي الذي وقع على طريق دير الزور–دمشق وأدى إلى وفاة عشرات الأشخاص وإصابة آخرين، مسلطًا الضوء على معاناة العائلات التي وجدت نفسها تبحث عن أبنائها بين المشافي والجثامين المجهولة، ومن بينها عائلة حاكمة عبد الله الوكاع التي لا تزال تجهل مصيرها. ويربط المقال بين هذه المأساة الفردية والواقع الأوسع للطريق الذي بات يُعرف بـ«طريق الموت»، بسبب تردّي البنية التحتية، وضعف صيانة الحافلات، وغياب التغطية الخليوية وخدمات الإسعاف والرقابة المرورية. كما يعرض مطالب الأهالي والناشطين بتحسين الطريق، وتشديد معايير السلامة، وتطوير منظومة الإسعاف، وتعويض عائلات الضحايا، وفتح تحقيق نزيه يحدد المسؤوليات. ويشير المقال أيضًا إلى الاحتجاجات التي شهدتها دير الزور والميادين، حيث طالب الأهالي بتحسين الخدمات والبنية التحتية ومحاسبة المسؤولين، مؤكدًا أن الحادث ليس واقعة عابرة، بل نتيجة سنوات من الإهمال الذي يهدد حياة سكان المنطقة الشرقية.

منذ وقوع الحادث، يتنقّل هاني عبد الله الوكاع بين الأخبار المتضاربة، وقوائم المصابين، وصور الضحايا المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، باحثًا عن أي معلومة تقوده إلى شقيقته حاكمة، البالغة من العمر 48 عامًا.

غادرت حاكمة دمشق برفقة شقيقتها مالكة، متجهتين إلى دير الزور لزيارة إحدى قريباتهما، لكن الرحلة لم تكتمل. توقّف أثر حاكمة قرب منطقة السخنة، حيث وقع حادث اصطدام الحافلتين، ولم تصل إلى وجهتها، كما لم تعد إلى عائلتها.

بين مستشفيات حمص ودير الزور ودمشق، وبين جثامين يصعب التعرّف إلى أصحابها ومصابين موزّعين على أقسام الطوارئ، لا تزال العائلة تبحث عن حاكمة بجهود شخصية، من دون أن تتلقى معلومات رسمية واضحة عن مصيرها.

يقول هاني: «نحن راضون بقضاء الله وقدره، لكن ما نريده هو معرفة مصير شقيقتي. سنتوجه اليوم إلى مستشفى الشرطة في حمص للتعرّف إلى أربع جثث متفحّمة موجودة هناك».

ويضيف: «أرجو ألا تكون شقيقتي إحدى تلك الجثث، وأن تكون ما تزال على قيد الحياة. منذ وقوع الحادث، نبحث عنها بجهودنا الشخصية ومن دون أي مساعدة رسمية. نريد مساعدة حقيقية في الوصول إليها، بدلًا من أن نبحث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تكون المنشورات، في كثير من الأحيان، متضاربة أو غير صحيحة».

قصة حاكمة ليست مجرد حكاية امرأة فُقدت في حادث مروري، بل تختصر معاناة عشرات العائلات التي وجدت نفسها، خلال ساعات قليلة، أمام موت مفاجئ وبحث قاسٍ عن أبنائها بين المستشفيات والجثامين المجهولة.

وكانت وزارة الصحة السورية قد أعلنت، يوم السبت، وفاة 35 شخصًا وإصابة 30 آخرين، إثر اصطدام حافلتين على طريق دير الزور–دمشق، من دون نشر معلومات تفصيلية كافية عن أسماء الضحايا أو أماكن وجود المصابين والجثامين، ما ترك عائلات كثيرة وحدها في مواجهة الخوف والانتظار.

وعلى الطريق الذي بات أهالي المنطقة الشرقية يطلقون عليه اسم «طريق الموت»، لا تبدو مأساة حاكمة حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الحوادث التي أودت بحياة مئات المسافرين.

طريق غير مؤهّل، وحافلات تفتقر إلى الصيانة، وغياب التغطية الخليوية وخدمات الإسعاف والرقابة المرورية؛ عوامل تتكرر مع كل كارثة، بينما يبقى المسافرون وعائلاتهم هم من يدفعون الثمن.

وبينما ينتظر هاني خبرًا يعيد إليه شقيقته، أو ينهي على الأقل عذاب المجهول، يتجدد السؤال الذي يطرحه أهالي دير الزور منذ سنوات: كم عائلة أخرى يجب أن تفقد أبناءها قبل أن تتحول الوعود الحكومية إلى إجراءات تحمي أرواح المسافرين على هذا الطريق؟

مئتا شخص فقدوا حياتهم على «طريق الموت» منذ سقوط النظام

لم يكن حادث اصطدام الحافلتين الأول من نوعه؛ فعلى الطريق الذي بات يُعرف باسم «طريق الموت»، أصبح المسافرون على موعد متكرر مع الحوادث المأساوية. وإن لم تكن الرحلة الأخيرة هي الضحية، فقد تكون الرحلة القادمة.

ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، يطالب أهالي محافظة دير الزور والمنطقة الشرقية عموماً بتوسعة الطريق الواصل بين دير الزور ودمشق وصيانته، وتوفير التغطية الخليوية على امتداده، لتمكين المسافرين من التواصل وطلب النجدة عند الضرورة.

كما يطالب الأهالي بفرض معايير أكثر صرامة للسلامة على مركبات النقل، تشمل إجراء الصيانة الدورية، ومراقبة الطريق، والتأكد من التزام السائقين بقواعد السير، والتدقيق في رخص القيادة، ومحاسبة المخالفين، قبل أن يدفع المسافرون حياتهم ثمنًا للإهمال وغياب المتابعة من الجهات المسؤولة عن قطاع النقل في المنطقة الشرقية.

وأطلق ناشطون من محافظة دير الزور حملة مناصرة واسعة، مطالبين الحكومة بالالتفات إلى أوضاع المنطقة الشرقية، واتخاذ إجراءات عاجلة للحد من تكرار هذه الكوارث.

فالطرق غير الصالحة، والحافلات غير الجاهزة فنيًا للنقل، وغياب الصيانة الدورية، والسرعة والرعونة من بعض السائقين، جميعها حلقات يربطها خيط واحد: الإهمال الرسمي وغياب المتابعة الجدية لملف الحوادث المرورية، الذي بات كابوسًا يلاحق المسافرين بين المنطقة الشرقية وبقية المناطق السورية.

الحادث اختبار حقيقي للحكومة الانتقالية

يرى ناشطون أن الحادث المروري يشكّل اختبارًا حقيقيًا للحكومة الانتقالية، وأن الاستجابة للكارثة يجب ألا تقتصر على إصدار بيانات تتضمن أعداد الضحايا والمصابين، بل ينبغي أن تشمل تضافر الجهود الرسمية لتقديم الخدمات الطبية المتكاملة للمصابين، وتأمين الدعم النفسي لعائلات الضحايا، وتعويضها ماديًا، ولا سيما العائلات التي فقدت معيلها.

كما تتطلب الاستجابة تطوير منظومة الإسعاف وتجهيز أقسام الطوارئ، ودعم المستشفيات العامة بوحدات العناية المركزة وأطقم الجراحة المؤهلة للتعامل مع الإصابات الجسدية الحرجة.

ويطالب الناشطون كذلك بتوفير الدعم القانوني وآليات واضحة للتعويض، من خلال تحديث تشريعات التأمين، وفرض تأمين إلزامي على المركبات يضمن تغطية نفقات علاج المصابين وتعويض عائلات المتوفين.

ومن الضروري أيضًا إنشاء صناديق حكومية خاصة لتعويض ضحايا الحوادث التي تتسبب بها مركبات مجهولة أو غير مؤمّنة، إلى جانب إجراء تحقيق فني نزيه، وإعداد تقارير مرورية دقيقة من الجهات المختصة لتحديد المسؤوليات، بما يسهّل حصول الضحايا وعائلاتهم على حقوقهم القانونية والقضائية.

وبحسب الدكتورة إيمان عبد العليان، رئيسة مجلس إدارة منظمة «نساء الغد»، فإن الحادث المروري المأساوي على طريق دير الزور–دمشق ليس مجرد حادث عابر، بل مؤشر يستوجب تحركًا عاجلًا لمعالجة واقع الطرق، وتعزيز معايير السلامة، وضمان الصيانة الدورية لوسائل النقل، وتشديد الرقابة على الالتزام بقواعد السير.

وتضيف: «نؤكد أن حماية أرواح المواطنين مسؤولية وطنية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل، وعلى الجهات الحكومية اتخاذ إجراءات عملية تمنع تكرار هذه المآسي، وتجعل سلامة الإنسان أولوية في السياسات والخدمات العامة».

سياسة التجاهل تدفع الأهالي إلى الاحتجاج في دير الزور والميادين

دفعت سياسة التجاهل المستمرة لمعاناة الأهالي عددًا منهم إلى تنظيم وقفات احتجاجية في مدينتي دير الزور والميادين.

ففي يوم الأحد، 26 تموز/يوليو 2026، خرج متظاهرون إلى دوار الدلة في مدينة دير الزور، بالتزامن مع احتجاجات شهدتها مدينة الميادين في ريف المحافظة.

ورفع المحتجون مطالب خدمية، كان في مقدمتها تحسين البنية التحتية، وتأهيل الجسور والطرقات، إضافة إلى المطالبة بإقالة عدد من المسؤولين ورؤساء الدوائر في المنطقة الشرقية، بعد استمرار تدهور الخدمات وغياب الحلول العملية.

محافظة دير الزور من منظور إنساني

شاركت محافظة دير الزور في الثورة السورية منذ عام 2011، ودخل الموت إلى كل عائلة فيها تقريبًا. وشهدت المحافظة واحدة من أبشع المجازر، وهي مجزرة الجورة والقصور، كما تعاقبت على السيطرة عليها قوى وفصائل متعددة تصارعت على السلطة والنفوذ في سوريا.

وحاصر تنظيم «داعش» أجزاء من المدينة مدة أربع سنوات، في حين مارس نظام بشار الأسد مختلف أشكال التضييق والقمع والاستبداد بحق سكانها.

ومنذ سقوط النظام وحتى اليوم، لم تشهد البنية التحتية في المحافظة تحسنًا ملموسًا، كما لم تُطرح خطة واضحة وشفافة للنهوض بالمدينة التي دمّرت الحرب أجزاء واسعة منها.

ولا يزال التسويف عنوانًا للمرحلة في قطاعات الأمن والصحة والتعليم والخدمات. وفي دير الزور، حيث نجا بعض الأهالي من القصف والحصار والحرب، بات الموت يلاحقهم بأشكال أخرى: على الطرقات، أو غرقًا في نهر الفرات، أو بسبب غياب الخدمات الأساسية.

مأساة حاكمة عبد الله الوكاع ليست سوى وجه واحد من وجوه هذه المعاناة. فبين عائلة تبحث عن ابنتها، ومصاب ينتظر العلاج، وأهالٍ يطالبون بطريق آمن، يبقى السؤال قائمًا: متى تصبح حياة أبناء المنطقة الشرقية أولوية حقيقية، لا مجرد أرقام تُعلَن بعد وقوع الكارثة؟