يروي المقال قصة ثلاثة إخوة من قرية أم الزيتون في ريف السويداء الشمالي: وسام وأنس وفرح، الذين واجهوا الإعاقة البصرية بالموسيقا والإرادة. وسام، الكفيف كليًا، برع في العزف على الأورغ وبرمجته، وشارك في تمثيل سوريا موسيقيًا في أرمينيا. أما أنس، الذي يمتلك قدرة بصرية محدودة، فتميّز في العزف على الدربكة وحقق تفوقًا دراسيًا في الشهادة الثانوية. وتستخدم فرح صوتها للتعبير عن الأمل والفرح، إلى جانب استمرارها في دراستها. شكّل الإخوة معًا فرقة موسيقية عائلية جمعت بين الإيقاع واللحن والغناء، بدعم مستمر من والديهم اللذين عملا على توفير الآلات ومساندتهم في حياتهم اليومية. ويؤكد المقال أن قصتهم ليست عن فقدان البصر، بل عن اكتشاف طرق أخرى للرؤية، وتحويل التحديات إلى موهبة وإبداع وحضور في الحياة.
إعداد: ضياء الصفدي
في قرية أم الزيتون بريف السويداء الشمالي، لا تبدأ الحكاية من فقدان البصر، بل من اكتشاف طريق آخر للرؤية، طريق تصنعه الأنامل حين تلامس الآلات الموسيقية، وتفتحه القلوب حين يغمرها اللحن.
بين جدران منزل بسيط يحتضن الأحلام، يعيش ثلاثة إخوة: وسام وأنس وفرح. يجمعهم تحدٍّ مشترك فرضته الإعاقة البصرية، لكنهم رفضوا أن يجعلوا منه نهاية للطريق، وحوّلوه إلى دافع لاكتشاف مواهبهم وصناعة عالمهم الخاص عبر الموسيقا.
لم تكن الموسيقا بالنسبة إليهم مجرد هواية، بل أصبحت لغتهم المشتركة ونافذتهم نحو الحياة. بالعزف والغناء، وجدوا مساحة تعبّر عنهم، وتمنحهم القدرة على تجاوز الصعوبات التي واجهوها، ليؤكدوا أن الإنسان يُقاس بما يستطيع أن يبدعه ويمنحه للآخرين.
وسام… يرى الموسيقا بقلبه
وسام، الأخ الأوسط، كفيف كلياً، لكنه استطاع أن يرى بأذنه وقلبه ما قد لا يراه كثيرون بأعينهم. اختار آلة الأورغ رفيقة له، وتجاوز حدود العزف التقليدي، فتعلّم برمجتها وتحميل النغمات والبرامج الموسيقية الجديدة وتخزينها، ليحوّل آلته إلى مساحة واسعة للتجريب والإبداع.
ولم تبقَ موهبة وسام داخل حدود المنزل، إذ شارك في تمثيل سوريا موسيقيًا في أرمينيا، حاملًا معه موهبته وقصة تحدّيه إلى خارج البلاد.
ورغم شغفه بالموسيقا، بقي التعليم حلمًا يسعى إلى استكماله. فقد تقدّم إلى امتحانات الشهادة الثانوية بعد الأحداث التي شهدتها محافظة السويداء، إلا أنه لم يتمكن من متابعة دراسته بسبب عدم الاعتراف بشهادته، فتوقفت مسيرته التعليمية مؤقتًا، من دون أن يتخلى عن رغبته في الاستمرار.
أنس… إيقاع الموسيقا والتفوّق الدراسي
أما أنس، الذي يمتلك قدرة بصرية محدودة لا تتجاوز واحدًا من عشرة، فقد وجد نفسه خلف آلة الدربكة. بإحساسه بالإيقاع، أصبح قادرًا على ضبط نبض الألحان ومنح العروض الموسيقية روحها وحيويتها.
ولم يقتصر تميّز أنس على الموسيقا، إذ حقق تفوقاً دراسياً لافتاً، كان من أبرز محطاته نجاحه المتميز في شهادة الثانوية العامة، مثبتًا أن الطموح يستطيع أن يشق طريقه رغم قسوة الظروف.
فرح… صوت يحمل الأمل
فرح، أصغر أفراد الفرقة العائلية، تمتلك بدورها قدرة بصرية محدودة، لكنها اختارت أن تجعل من صوتها نافذة واسعة على العالم. غنّت للحب والأمل، وشاركت في عدد من الفعاليات في المركز الثقافي، مقدمةً صوتاً دافئاً يحمل رسالة فرح وثقة بالحياة.
ولا تزال فرح تتابع دراستها في الصف السابع، وتحلم بأن تجمع في مستقبلها بين العلم والغناء، وأن تطوّر موهبتها لتصل إلى جمهور أوسع.
فرقة موسيقية عائلية
اجتمع الإخوة الثلاثة في فرقة موسيقية عائلية جمعت بين إيقاع الدربكة، وألحان الأورغ، وصوت فرح. ومن خلال هذا الانسجام، نسجوا لحن حكايتهم؛ حكاية موهبة وإرادة وعائلة آمنت بأن الأحلام يمكن أن تُسمع كما تُرى.
لم تكن الفرقة مجرد مشروع فني، بل مساحة تجمع الإخوة وتمنحهم القدرة على التعبير عن أنفسهم، وتقديم صورة مختلفة عن الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، بعيدًا عن نظرة الشفقة أو العجز.
عائلة صنعت مساحة للحلم
خلف تجربة الإخوة الثلاثة يقف أبوان جعلا من الدعم اليومي رسالة حياة.
يعمل الأب في توزيع البضائع على المحال التجارية في البلدة والقرى المحيطة، ويبذل جهده لتأمين احتياجات أبنائه. وكان من أبرز الداعمين لمواهبهم، إذ ساهم في توفير الآلات الموسيقية التي أتاحت لهم التدريب وتطوير قدراتهم.
أما الأم، فترافق أبناءها في تفاصيل حياتهم اليومية، وتسهر على راحتهم، وتشاركهم التعب والفرح والخطوات الصغيرة التي تقودهم نحو النجاح.
وبدعم هذه العائلة، تحوّل المنزل الهادئ إلى مساحة تمتلئ بالموسيقا، وأصبحت الجدران التي شهدت البدايات تحفظ أصواتاً وألحاناً تتجاوز حدودها إلى العالم.
قصة وسام وأنس وفرح ليست حكاية عن فقدان البصر، بل عن القدرة على اكتشاف طرق أخرى للرؤية. فقد أثبت الإخوة الثلاثة أن الظلام لا يمنع الإنسان من صناعة النور، وأن الموسيقا قد تصبح بوصلة تقود إلى الحياة، حين تجتمع الموهبة بالإرادة، ويجد الحلم من يؤمن به.
