يتناول المقال مسرحية **"حديقة الحيوانات"** للأخوين أحمد ومحمد ملص، مقدماً قراءة تقارنها بالمسرحية الشهيرة **"قصة حديقة الحيوان"** للكاتب الأميركي إدوارد ألبي، التي تُعد من أبرز أعمال مسرح العبث في القرن العشرين. يوضح المقال أن الأخوين ملص لا يقدمان اقتباساً مباشراً للنص الأصلي، بل يعيدان توظيف بنيته الدرامية وشخصيتيه في سياق سوري معاصر، بحيث يتحول المقعد في الحديقة إلى مساحة لمواجهة أسئلة المجتمع السوري بعد سقوط النظام. ويقارن الكاتب بين شخصيتي "بيتر" و"جيري" عند ألبي، اللتين تجسدان صراعاً وجودياً بين الاستقرار والزيف من جهة، والهامش والحقيقة المؤلمة من جهة أخرى، وبين شخصيتي "يسار" و"عبد الناصر" في العرض السوري. فـ"يسار" يمثل المثقف الهادئ الذي يحمل إرثاً فكرياً وسياسياً، بينما يجسد "عبد الناصر" السوري العائد من المنفى، المثقل بخيبات الحرب والتحولات التي شهدتها البلاد، ليصبح الحوار بينهما منصة لطرح قضايا العنف والطائفية والحرية ومستقبل سوريا. ويرى المقال أن المسرحية لا تعتمد على حبكة درامية متصاعدة بقدر اعتمادها على الحوار وإطلاق الأحكام والمواقف السياسية، وهو ما يجعلها أقرب إلى **الكباريه السياسي** منه إلى البناء المسرحي التقليدي. ومع ذلك، يثني الكاتب على قدرة الأخوين ملص على توظيف السخرية السوداء والتراجيكوميديا في تقديم نقد اجتماعي وسياسي بعيد عن الابتذال أو الاستجداء المباشر لضحك الجمهور. ويختتم المقال بالدفاع عن هذا النوع من المسرح، معتبراً أن المرحلة السورية الراهنة تحتاج إلى أعمال تواجه الواقع بلا مواربة، وتفتح المجال لنقاش علني حول أسباب الأزمة ومآلاتها. وبرأي الكاتب، قد تبدو نبرة العرض صادمة أو قاسية، لكنها تعكس المزاج السوري المثقل بالأسئلة والخيبات، وتسعى إلى تحويل المسرح إلى فضاء للمصارحة والتفكير، لا مجرد وسيلة للترفيه.
استمع للمقال
منصة إرادة- عبد الكريم عمرين
على مسرح مركز هارموني في حي الحميدية بحمص، قدّم الفنانان أحمد ومحمد ملص مسرحيتهما “حديقة الحيوانات”، وهي من تأليف وتمثيل وإخراج الأخوين ملص.
يتكئ الأخوان ملص على مسرحية “قصة حديقة الحيوان”، وهي المسرحية الأولى التي كتبها إدوارد ألبي سنة 1958، وكانت من فصل واحد. وبعد ثلاثين عاماً، أعاد الكاتب كتابتها في فصلين؛ الأول بعنوان “في البيت”، والثاني “في حديقة الحيوان”، معتقداً أن إظهار زوجة جيري وعائلته أمر جوهري كان قد أغفله. وتعد “قصة حديقة الحيوان” العمل الذي أطلق شرارة “مسرح العبث” في الولايات المتحدة، وصُنّف بنتيجته ألبي واحداً من أهم كتّاب الدراما في القرن العشرين.
عبد الناصر ويسار... حوار سوري على مقعد ألبي
في حديقة ألبي تبدأ الأحداث بمشهد يبدو طبيعياً في “سنترال بارك” بنيويورك، حيث يجلس “بيتر”، وهو رجل من الطبقة الوسطى، على مقعده الأثير ليقرأ في كتابه، فيدخل جيري ويقاطعه. وجيري شاب غريب الأطوار، يعيش في عزلة وفقر. ومن خلال حوار طويل ومتوتر، يحاول جيري إجبار بيتر على “المشاركة” في تجاربه الإنسانية، لتتحول الدراما من مجرد إزعاج عابر إلى مواجهة وجودية عبثية.
شخصيتان على نقيضين؛ “بيتر” يمثل الزائف والمحافظ، بينما يمثل “جيري” الحقيقة العارية والمؤلمة للمهمشين والوحيدين. جيري مهتاج، يعتمد على قصص طويلة وعبارات قاسية ولاذعة لاستدراج “بيتر”، وليكشف عالمه الداخلي، ويسعى إلى إدانته وتفكيك عالمه الرتيب الهادئ والمبرمج. والحبكة الدرامية كلها قائمة على مقعد في حديقة، المقعد الذي يرمز إلى وحدتي الزمان والمكان، وهذا يخلق التوتر المتصاعد والمتأزم.
في حديقة الأخوين ملص، يجلس يسار على مقعد في حديقة، يطالع جريدة الثورة السورية، الثورة التي انتصرت وتسلمت زمام السلطة حديثاً جداً في سوريا. يدخل عبد الناصر، ويسأل عن الطريق إلى حديقة الحيوانات، وحين لا يرد يسار سهواً، يصرخ عبد الناصر في وجه يسار، المثقف الديمقراطي، المهذب، والمهتم، والمؤمن بتاريخ سوريا والعرب، فتنقطع خلوته وسكينته. إذ سرعان ما يسيطر عبد الناصر على يسار؛ فعبد الناصر قادم من غربة قسرية في فرنسا، وقد فقد حبيبته، وعاد بعد التحرير، لكنه فوجئ بأن الحياة في سوريا باتت أصعب من ذي قبل، وأن ثمة مظاهر متخلفة، عدا عن أخبار القتل وخطف النساء، وما جرى من قتل وتقييد للحريات في الساحل والسويداء، وصار لقسد ما يشبه الاستقلال الذاتي. واختلط الحابل بالنابل، فاستيقظت الطائفية والإثنيات والقوميات، فانفجر كل ذلك داخل عبد الناصر، خصوصاً أنه عاد إلى البلد محبطاً لوفاة حبيبته، وتشكل لديه الإحساس العميق بأن البلد يتخبط، وبدأ ينمو هذا الإحساس بشكل سوداوي، وكأن الثورة أخرجت كل ما في السوريين من قسوة وانتهازية أو استعلاء وسيطرة، دون هدف ولا خبرة.
في حوار عبد الناصر ويسار سخرية مرة؛ فيسخر عبد الناصر، بأسى، من أن شعار: “الشعب السوري واحد”، الذي رفعه السوريون، أنتج هذه البلاوي من العنف والتمرد في الساحل والسويداء، فكيف لو كان الشعب السوري أكثر من واحد؟
من العبث الوجودي إلى الكباريه السياسي
في عرض الأخوين ملص ليس ثمة حدث ينمو، وليس ثمة دراما تتفاقم بسبب مواقف الشخصيات المسرحية وتناقضاتها، بل ثمة شخصيتان نكتشفهما سريعاً، تقومان بإطلاق الأحكام على كل شيء، خصوصاً شخصية عبد الناصر، الذي يحقد على المثقف السوري ويعتبره السبب الرئيسي لما وصلنا إليه. وربما قصد الأخوان ملص المثقف اليساري السوري، لذا أطلقا اسم يسار على الشخصية المثقفة المستكينة، المتخمة بالأحكام النهائية، والحِكم الجبانة، والفلسفة الفارغة، والمستكينة لسلطة البعث وأجهزة الاستخبارات المتغولة أمنياً.
على أن الزيف الاجتماعي والسياسي والأخلاقي في عرض “حديقة الحيوانات”، الذي يفضح الواقع والشخصيات ومثل وقيم العرب عموماً، لا يُطرح كمادة جافة وخطب لطيفة، أو توصيف قاسٍ، بل من خلال ما يسمى بالكباريه السياسي، دون إسفاف أو ابتذال أو استجداء للضحك من الجمهور، بل من خلال أقصى ما يمكن أن يقدمه الفنان بأسلوب التراجيكوميدي، وأقصى ما يبدعه الممثل من أداء مسرحي احترافي.
ظهرت أصوات معترضة على هذا النوع المسرحي الذي قدمه ويقدمه الأخوان ملص، بحجة أن المسرح أكثر تمايزاً وجلالاً ودرامية، لكني أميل إلى هذا النوع من المسرح كما يقدمه الأخوان ملص، بل نحن أحوج ما نكون اليوم إلى تقديم هكذا مسرح، تُسمّى فيه الأشياء بمسمياتها، ويشير إلى الجرح السوري، وإمكانية شفائه، ومسببات تحوله إلى دُمّلة مقيحة ستؤدي إلى كوارث أكبر، لا سمح الله. اليوم يجب أن نفكر بصوت مرتفع، وأن نقف أمام المرايا لا خلفها. قد تكون نبرة الأخوين ملص عالية، كما يرى البعض، وتبدو مؤلمة ومثبطة للبعض الآخر، لكنها نبرة تسكن أتون الحوارات السورية اليوم، في فيء ديمقراطي سوري، المرجو منه أن يتعمق ويصبح سلوكاً وممارسة ثابتة للسلطة الجديدة وللسوريين.
مقعد في الحديقة... ووطن على حافة الانفجار
في مقطع من مسرحية الأخوين ملص، يتجلى الهدف الأعلى لما تريد أن تطرحه المسرحية عبر شخصيتي عبد الناصر ويسار؛ عبد الناصر المأزوم، المطحون من كل شيء، عالمياً ومحلياً، ويسار المثقف اليساري المدان، الذي يحاول الالتفاف على عبد الناصر وضمه إليه، ويكاد يطالبه بإصدار بيان استنكار أو الانضمام إلى تشكيل سياسي، كما فعل ويفعل السوريون منذ اندلاع الثورة وحتى اللحظة.
عبد الناصر: أنت شو بدك مني؟ الحكومة شو بدها مني؟ غلاء الأسعار شو بدو مني؟ ترامب شو بدو مني؟ فايروس كورونا شو بدو مني؟ المسلسلات التركية شو بدها مني؟ اتركوني عيش بسلام، شو بدكم مني؟
يسار: أنت مبين عليك إنسان مثقف. نحن المثقفين لازم نتكاتف مع بعض مشان نطلع من هالخندق المستنقع الزفت اللي عايشين فيه.
