### ملخص تتناول المقالة المسرحية السورية «أوتاد هرئة»، بوصفها واحدة من الأعمال المسرحية القليلة التي اقتربت من موضوع القمع الأمني والتغول الذي مارسه نظام الأسد في سوريا خلال الثمانينيات. ويتوقف الكاتب عند نص موفق قرة حسن وإخراج عمر العواني، مشيراً إلى تجربتهما السابقة في مسرحية «تفاصيل حدثت» التي تناولت بدايات الثورة السورية، وإلى محاولتهما تقديم مسرح يتجاوز الاحتفال المباشر نحو بناء شخصيات درامية أكثر تعقيداً. تستعيد «أوتاد هرئة» حدثاً من عام 1981، حين تعرضت نساء في دمشق لنزع حجابهن بالقوة، وتبني عليه حكاية تتقاطع فيها السياسة مع العلاقات الشخصية والانقسامات الأيديولوجية. تتمحور الأحداث حول مها ووائل، المختلفين في نظرتهما إلى الحياة والمجتمع، وحول شقيق مها ذي التوجه السلفي، الذي يلتقي بوائل في السجن رغم اختلافهما الفكري. ومن خلال هذا اللقاء، تطرح المسرحية فكرة التقارب الإنساني بين خصوم سياسيين وأيديولوجيين في مواجهة القمع. يشيد الكاتب بحل إخراجي يتمثل في إسناد دور الراوي إلى الجوقة التي تضم شخصيات المسرحية، ويرى في المشهد الأخير تكثيفاً جمالياً ناجحاً لفكرة استمرار القمع وتحول الشخصيات إلى ذكريات دامية. لكنه ينتقد في المقابل ضعف أداء بعض الممثلين، ولا سيما الممثل الذي أدى شخصية الضابط، معتبراً أن ذلك أضعف إيقاع العرض وأفقد بعض مشاهده تأثيرها. كما ينتقد اختيار المخرج تقديم مشهد نزع حجاب مها بواسطة شبحين ملثمين، معتبراً أن هذه التورية غير ضرورية ولا تنسجم مع معطيات النص. وفي ختام المقالة، يرى الكاتب أن العرض كان يمكن أن يكون أفضل لو أتيح للفريق وقت كافٍ للتحضير، منتقداً ضيق المهلة التي فرضتها عملية انتقاء العروض للمهرجان المسرحي المركزي. ويختتم بالتعريف بفرقة نادي دوحة الميماس في حمص، التي قدمت العرض، وبإرث النادي الفني الممتد منذ تأسيسه عام 1933.
استمع للمقال
منصة إرادة- عبد الكريم عمرين
لعل مسرحية «أوتاد هرئة» هي من القلة القليلة من الأعمال المسرحية التي تحدثت عن التغول الأمني والقمع المتوحش الذي مارسه نظام الاستبداد الأسدي في سوريا في الثمانينيات، إن لم تكن المسرحية الوحيدة، في ظني ومبلغ علمي. على صعيد الرواية، أبدع الروائي السوري فواز حداد في روايته «السوريون الأعداء»، التي رصدت روائياً ودرامياً ما حدث في مدينة حماة من مجازر عام 1982، والتي راح ضحيتها أكثر من ستين ألفاً من سكان المدينة، هذا غير الكثير من المعتقلين الذين توفوا في سجون النظام جراء التعذيب الممنهج، الذي تعجز عنه الوحوش، ولم تشبه ممارساته سلوك الأنظمة القذرة المتوحشة عبر التاريخ.
من زنزانة الثمانينيات إلى خشبة المسرح
كتب نص «أوتاد هرئة» كاتب شاب يسير بخطى وئيدة نحو التمكن في الكتابة المسرحية، إنه موفق قرة حسن، وأخرجه شاب مسرحي طامح، وهو من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية، إنه عمر العواني. شابان طموحان يعملان بجدية، ويشكلان ديو مسرحياً جميلاً، في الواقع السوري بحمص، في زمن الخواء الفكري والتسطيح الجمالي، في زمن طغيان الريلز والتريند والسفاهة والتفاهة والرخص في وسائل التواصل الاجتماعي، إن صحت كلمة «تواصل».
في العام الماضي، قدم الثنائي المسرحي موفق وعمر عملاً مسرحياً يحكي قصة الثورة السورية، وعند بداياتها تحديداً، والعمل بعنوان «تفاصيل حدثت»، وهو عمل مضيء في سيل المسرحيات التي رصدت ثورة 2011، والتي غلب عليها الطابع الاحتفالي بالانتصار، ورصدت في مجملها بدايات القمع والمظاهرات والاعتقالات واستشهاد الشباب، ومن ثم الانتصار. أقول: كان عملاً مسرحياً مضيئاً ومميزاً، لأنه قدم شخصيات درامية غير دعائية أو وصفية، رغم أن العرض حينها كان يشكو من الاستعجال في التنفيذ فوق الركح، ربما بسبب الاندفاع الوطني المخلص للاحتفال مسرحياً بالثورة وانتصارها.
في «أوتاد هرئة»، يعود النص بنا إلى الحياة السياسية في الثمانينيات من القرن الماضي، إلى البداية القاسية لرحلة قمع السوريين التي مارسها النظام حينذاك. تحكي «أوتاد هرئة» عن حدث هام في سوريا عام 1981، إذ قامت وحدة المظليات النسائية التابعة لسرايا الدفاع، بقيادة رفعت الأسد، بنزع حجابات النساء بالقوة في شوارع دمشق، مثل شارع أبو رمانة والحمراء وسوق الحميدية، وذلك يوم 29 أيلول من ذاك العام. وهذا الفعل الاستفزازي عكس غضباً واسعاً في سوريا، وبسببه نشط تيار سلفي جديد، أشد عزيمة وشكيمة في معارضة النظام، ما عجّل في انتفاضة حماة بتيارها السلفي، وردّ النظام عليها بمجزرة بشعة عام 1982.
حكاية القمع حين يجمع المختلفين
في المسرحية، تم نزع حجاب مها، التي كانت عائدة من لقاء حبيبها وائل في حديقة عامة. وفي هذا اللقاء لوم وعتاب متبادل من قبل الحبيبين؛ فمها تريد أن ترتبط بوائل، وتطلب منه أن يطلب يدها من أبيها، ولكي يكون طلبه مجاباً، تطلب منه أن يعتني بمظهره ولباسه، وأن يظهر في المسجد يصلي بعض الأوقات المفروضة، وأن يتحدث بلطف ومودة، دون صراخ أو عصبية، وأن يبتعد عن الألفاظ النابية والبذيئة. لكن وائل يصر على أن يبقى كما هو، ويعلن أنه سيخطفها لتكون حبيبته وزوجته، فترفض مها؛ فهي لا تريد أن تظهر بمظهر البنت العاقة لوالديها، ولا تريد أن تدنس سمعة عائلتها بقصة اختطافها وزواجها قسراً. ولمها أخ سلفي، وأقرب إلى التيار الجهادي، وهو يفتخر بأن والده تسلّم المنهج من حسن البنا شخصياً.
وائل شخصية ليبرالية، بل يسارية، وكجيل يساري جديد، يدخل في حوار مع أبي نزهة اليساري الشيوعي المتحالف مع السلطة القمعية الأسدية، ويقدم له قائمة بنودها كثيرة، فحواها إدانة اليسار بقبوله التأميم، وسكوته عن عصر هيمنة المخابرات، الذي بدأ بعصر عبد الحميد السراج. فوائل ضد نظام القمع الأسدي وحكم العسكر، وكذلك شقيق مها هو أيضاً معارض للسلطة، لكن من وجهة نظر سلفية. فهما على نقيضين، لكن حين يلتقيان في السجن بزنزانة واحدة، يتحدان ويتسامحان.
«شقيق مها: يا وائل، قم.. قم، لا تحملني ما لا طاقة لي به. (يصرخ) قم كي أعترف لك.. عندما وضعوني معك في الزنزانة أخبروني أنك كافر، ثم أخبروني أنك على علاقة مع أختي.. لم أستطع أن أكظم غيظي في البداية.. لا أخفيك.. لكنني خفت أن يكذبوا، وخفت ظن السوء.. ولكن والله، إن صدقوا وإن قبلتَ، فلن أجد لأختي أفضل منك.. ووالله، زوجتك إياها إن أنت قبلتَ». (يهزه وبغضب يصرخ) «قم!».
في نص المسرحية ثمة راوٍ يعلق على الأحداث، أو يختزل ما حدث بحكمة بليغة، كشأن الرواة في المسرحيات الدرامية. أما في العرض، فقد لجأ المخرج إلى حل ذكي؛ فقد جعل حوار الراوي يجري على لسان الجوقة، والجوقة هي كل شخصيات المسرحية. وتستطيع ببساطة أن تتلمس تنفيذاً إبداعياً للمخرج في تجسيده نص الكاتب. لكن.. لكن المخرج خذله ممثلوه، فضعف التمثيل عند بعضهم جعل العرض فاتراً في بعض نقاطه، خصوصاً في تشخيص شخصية الضابط، الذي لعبه أحد الممثلين الأسوأ أداءً؛ فقد ظل هذا الضابط، وهو شخصية رئيسية ومحورية، يتحرك مجاناً على خشبة المسرح، ويلقي حواره بسوء بالغ، وبطريقة تمثيل عند أطفال منظمة الطلائع سيئة الذكر. وكان من الأجدر أن يلبس الكاكي، لا أن يلبس لباساً مدنياً غير منسق، وتتدلى من بنطلونه علاقة مفاتيح ظاهرة جداً للعيان ومثيرة للسخرية. وبرز من بين الممثلين الشاب الذي لعب دور وائل، وخصوصاً في مشاهد السجن.
عرضٌ كان يمكن أن يكون أفضل
لا أعرف لماذا صمم المخرج تنفيذ نزع حجاب مها بواسطة شبحين ملثمين بملابس سوداء فضفاضة. إنها تورية لا لزوم لها، وتتناقض مع ما ورد في حوارات النص في العرض، على أن من قام بنزع الحجابات من رؤوس النساء في دمشق هو رفعت الأسد. وفي النص المكتوب، يُنزع حجاب مها بواسطة فتاتين من سرية المظليات التي أسسها رفعت. بيد أن المشهد الأخير في المسرحية كان ذكياً وجميلاً؛ إنه تكثيف جمالي لواقع القمع، بل واستمراره بسلطة البعث، حين تتحول جميع الشخصيات إلى ذكريات دامية مؤطرة ببراويز، بما فيها شخصية الضابط والسجان.
كان بالإمكان أن يكون عرض «أوتاد هرئة» أفضل، لكن إلحاح مديرية المسارح على انتقاء العروض المسرحية من المحافظات لضم الأجود منها إلى مهرجان مسرحي سوري مركزي يقام في حلب، خلال زمن قصير، ظلم المسرحيين في حمص. فمن خمسة فرق مسرحية، منها من انسحب لضيق الوقت، ومنها من رفضته لجنة المشاهدة، ترك عرض «أوتاد هرئة» وحيداً، ليكون العرض الوحيد الذي سيمثل حمص في المهرجان المركزي.
عرض «أوتاد هرئة» قدمته فرقة نادي دوحة الميماس بحمص، وهو نادٍ فني عريق تأسس عام 1933، ومنذ ذاك العام صنع النادي تاريخه العريق في الموسيقى والغناء والمسرح.
