شهدت الحالات المسجلة بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) في سوريا ارتفاعاً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، من 30 إصابة عام 2020 إلى 214 إصابة عام 2025، فيما سُجلت 103 إصابات خلال النصف الأول من عام 2026. وبينما أثارت هذه الأرقام مخاوف من اتساع انتشار الفيروس، يعزو البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز الزيادة إلى تحسن آليات الترصد، واتساع مصادر اكتشاف الحالات، وعودة سوريين سبق تشخيصهم خارج البلاد وتسجيل أنفسهم للحصول على العلاج. وتظهر بيانات البرنامج تسجيل 1538 حالة تراكمية بين عامي 1987 و2025، بينها 1166 سورياً و372 غير سوري. ومن بين الحالات السورية، توفي 425 شخصاً، بينما يوجد 237 خارج البلاد، في حين يتابع البرنامج 504 أشخاص. لكن الأرقام لا تختزل تجربة المتعايشين مع الفيروس. فمنذر، طالب الهندسة البالغ 27 عاماً، يروي كيف فقد شغفه بالحياة بعد التشخيص، وخشي إخبار أسرته، قبل أن يبدأ العلاج المجاني عبر مديرية الصحة. ويشير إلى عدم تمكنه، منذ إصابته، من إجراء تحليلي الحمل الفيروسي وCD4، الضروريين لمتابعة فعالية العلاج ووضع جهاز المناعة. أما ليلون، وهو شاب مثلي الجنس، فيروي خوفه من أن يؤدي الإفصاح عن ميوله وإصابته إلى سجنه، قبل أن يجد في مركز الفحص معاملة تحفظ السرية والاحترام، ويحصل على العلاج والتوجيه لإبلاغ شريكه وإجراء الفحص. ويروي ميار، وهو ممرض متعايش مع الفيروس منذ نحو خمسة أعوام، إصابته التي يقول إنها حدثت أثناء عمله في القطاع الصحي، مطالباً بحماية أكبر للعاملين الصحيين وتوفير العلاج الوقائي بعد التعرض المهني. ويؤكد مختصون أن HIV ليس مرادفاً للإيدز؛ فالعلاج المنتظم يمكن أن يخفض الحمل الفيروسي إلى مستويات غير قابلة للكشف، ما يتيح للمتعايش حياة طبيعية ويمنع انتقال الفيروس جنسياً. وبين الأرقام الرسمية وتجارب المتعايشين، يطرح التحقيق أسئلة حول حقيقة ارتفاع الإصابات، وكفاية الرعاية والمتابعة، ومدى قدرة النظام الصحي على مواجهة الوصمة إلى جانب الفيروس.
استمع للمقال
منصة إرادة- شيماء شريف
في عام 2024، سجّل البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز في سوريا 71 إصابة بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV). وفي العام التالي ارتفع العدد إلى 214 إصابة، بينما سُجلت 103 إصابات خلال النصف الأول من عام 2026.
الأرقام أثارت خلال الأشهر الماضية حديثاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي عن “انتشار الإيدز” في سوريا وتلوث بنوك الدم، وسط مخاوف من ارتفاع الإصابات. لكن البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز يقدم تفسيراً آخر للزيادة المسجلة، ويربطها بتحسن آليات الرصد، واتساع مصادر اكتشاف الحالات، إضافة إلى عودة سوريين كانوا قد شُخّصوا بالإصابة خارج البلاد، وسجلوا أنفسهم لدى البرنامج للحصول على العلاج.
وتشير بيانات البرنامج إلى تسجيل 1538 حالة تراكمية في سوريا بين عامي 1987 و2025، بينها 1166 سورياً و372 غير سوري. ومن بين الحالات السورية، توفي 425 شخصاً، فيما يوجد 237 خارج البلاد، بينما يتابع البرنامج 504 أشخاص بينهم 18 طفل.
ولا تكفي هذه الأرقام وحدها للإجابة عن سؤال أساسي: هل تعكس الزيادة في الحالات المسجلة ارتفاعاً فعلياً في انتقال الفيروس، أم أنها تعكس تحسناً في اكتشاف الحالات التي كانت موجودة أصلاً؟
خلف هذا السؤال الإحصائي، يعيش أشخاص متعايشون مع الفيروس تجارب يومية لا تظهر في الجداول: الخوف من لحظة التشخيص، والوصمة الاجتماعية، ومحاولة حماية أفراد العائلة، والوصول إلى العلاج، ثم الاستمرار في متابعة الصحة بعد بدء العلاج.
لحظة التشخيص
منذر، 27 عاماً، اسم مستعار من مدينة حمص وطالب في إحدى كليات الهندسة، اكتشف إصابته بفيروس نقص المناعة البشرية قبل عام.
يقول لمنصة إرادة إن لحظة اكتشاف الإصابة غيّرت حياته جذرياً. “حاولت في البداية الاحتفاظ بمرضي سراً، لكي أحمي قلب أمي الضعيف من الصدمة، ولكنني خفت على العائلة من العدوى، وقررت إخبارهم بإصابتي.”
يصف منذر الأسابيع الأولى بعد التشخيص. “كانت الأيام تمر طويلة، قاسية، فقدت فيها الشغف في الحياة. وكنت أخاف من النظر في وجه أمي وأخواتي.”
بعد ذلك، بدأت بالنسبة إليه مرحلة أخرى: “ثم بدأت بعد ذلك مرحلة التعايش مع الفيروس ومحاولة التغلب عليه. بعد تسجيلي من قبل مديرية الصحة، بدأت أحصل على علاجي بشكل شهري، وتم تزويدي بمعلومات عامة عن المرض، مثل طرق انتقاله وطرق الوقاية منه.”
ويقول إن ما تلقاه من معلومات ركز على العلاج وطرق انتقال الفيروس، لكنه لم يحصل، بحسب روايته، على متابعة طبية شاملة. “لم يتم إخباري بضرورة متابعة صحتي العامة، ومراقبة الأعراض الجانبية للأدوية المضادة للفيروسات القهقرية، فضلاً عن التحاليل الروتينية التي يجب أن يخضع لها أي متعايش مع المرض.”
ويشير تحديداً إلى تحليل الحمل الفيروسي (Viral Load) لقياس نسبة الفيروس في الدم نتيجة تناول الدواء، وتحليل CD4 لمتابعة مناعة الجسم. مضيفاً “إلا أنني ومنذ إصابتي قبل أكثر من عام لم أتمكن من الحصول على هذين التحليلين، مع أنه يفترض أن يكونا جزءاً أساسياً من بروتوكول العلاج.”
ويقيس تحليل الحمل الفيروسي كمية الفيروس وفعالية العلاج، بينما يقيس CD4 حالة الجهاز المناعي. وتوصي منظمة الصحة العالمية بفحص CD4 عند التشخيص أو قريباً من بدء العلاج لتقييم الحالة المناعية.
من 30 إصابة إلى 214
تُظهر بيانات البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز ارتفاعاً تدريجياً في عدد الإصابات المسجلة خلال السنوات الأخيرة، مع قفزة لافتة في عام 2025.
فقد سُجلت 30 إصابة عام 2020، و39 عام 2021، و60 عام 2022، و95 عام 2023، ثم 71 عام 2024، قبل أن يقفز العدد إلى 214 إصابة في 2025. وخلال النصف الأول من عام 2026، سُجلت 103 إصابات.
وبحسب البرنامج، فإن منظومة الترصد تعتمد على أكثر من مصدر لاكتشاف الحالات، بينها المشافي العامة والخاصة، وبنوك الدم، ومراكز معالجة السل، والمختبرات، إضافة إلى الإبلاغ من المحافظات.
ويقول عمر أبو النعاج، مدير البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز في سوريا، إن البرنامج يعمل على بناء الثقة مع المواطنين وتشجيعهم على إجراء الفحص، وحث المصابين على الحصول على العلاج المتوفر مجاناً، ضمن بيئة تحافظ على السرية والخصوصية.
ويربط أبو النعاج ارتفاع الحالات المسجلة بعد سقوط النظام بتحسن آليات الرصد، إضافة إلى عودة اللاجئين السوريين من دول مختلفة، وبينهم أشخاص كانوا يعرفون بإصابتهم بالفيروس وسجلوا أنفسهم طوعاً لدى البرنامج للحصول على العلاج.
HIV ليس الإيدز
يقول الدكتور جورج أديب، المتخصص في الأمراض السارية والمعدية، إن الخلط بين فيروس نقص المناعة البشرية والإيدز ما يزال واسعاً، رغم اختلافهما طبياً.
ويشرح أن فيروس HIV يهاجم جهاز المناعة، من خلال استهداف نوع من خلايا الدم البيضاء، لكن الالتزام بالعلاج يمكن أن يحد من قدرة الفيروس على إلحاق الضرر بالمناعة، ويؤدي إلى خفض الحمل الفيروسي إلى مستويات غير قابلة للكشف.
أما الإيدز، أو متلازمة نقص المناعة المكتسب، فهو المرحلة المتقدمة من الإصابة بفيروس HIV، وقد يصل إليها الشخص المصاب إذا لم يحصل على العلاج أو لم يلتزم به. لذلك، ليس كل شخص يحمل فيروس HIV مصاباً بالإيدز.
ويشير متعايشون مع الفيروس إلى أن الدراما السورية، قبل نحو عشرين عاماً، ساهمت في نشر صور نمطية ومعلومات مغلوطة أو مبالغ فيها حول HIV والإيدز، وخلطت بين الإصابة بالفيروس والوصول إلى مرحلة الإيدز، وقدمت المرض في بعض الأعمال بوصفه وجهاً آخر للموت.
ماذا يعني أن يصبح الفيروس غير قابل للكشف؟
لم يعد تشخيص فيروس نقص المناعة البشرية يعني حكماً بالإصابة بالإيدز أو بالموت. فمع الالتزام بالعلاج المضاد للفيروسات القهقرية، يمكن خفض كمية الفيروس في الدم إلى مستويات منخفضة جداً، بما يسمح للمتعايشين مع HIV بالحفاظ على صحتهم والعيش حياة طبيعية إلى حد كبير. كما أن كبت الحمل الفيروسي يقلل انتقال الفيروس إلى الآخرين، بما في ذلك الانتقال الجنسي وانتقاله من الأم إلى طفلها.
وتستخدم منظمة الصحة العالمية ثلاثة مستويات رئيسية لوصف الحمل الفيروسي: غير مكبوت عندما يتجاوز 1000 نسخة من الفيروس في المليلتر، ومكبوت عندما يكون قابلاً للكشف لكنه لا يتجاوز 1000 نسخة/مل، وغير قابل للكشف عندما لا يستطيع الاختبار المستخدم اكتشاف الفيروس.
والوصول إلى حمل فيروسي غير قابل للكشف والاستمرار في تناول العلاج كما هو موصوف يعني أن الشخص لا ينقل فيروس HIV إلى شريكه جنسياً. أما عندما يكون الحمل الفيروسي مكبوتاً لكنه لا يزال قابلاً للكشف، مع الالتزام بالعلاج، فإن خطر الانتقال الجنسي يكون شبه معدوم أو ضئيلاً جداً.
لذلك لا يقتصر دور فحص الحمل الفيروسي على معرفة مدى نجاح العلاج، وإنما يساعد أيضاً في دعم الالتزام به والوصول إلى الهدف النهائي: كبت الفيروس إلى مستوى غير قابل للكشف والحفاظ عليه كذلك. وتوصي منظمة الصحة العالمية بتعزيز الإرشاد حول الالتزام بالعلاج منذ بدء العلاج المضاد للفيروسات القهقرية وخلال فترة المتابعة.
"كنت أعتقد أنني سأُحال إلى السجن"
لا تتعلق تجربة ليلون، وهو اسم مستعار لشاب مثلي الجنس، بالخوف من المرض وحده، وإنما بما قد يترتب على الكشف عن إصابته وميوله الجنسية. راجع ليلون أحد مختبرات الفحص في سوريا، ليكتشف أنه يحمل الفيروس. ويقول إنه دخل إلى المركز وهو يتوقع الأسوأ. “كنت أعتقد بأنه سيتم تحويلي فوراً إلى السجن، بسبب ميولي الجنسية، خصوصاً أنني ملأت الاستمارة بصراحة وصدق.”
لكن تجربته داخل المركز جاءت مختلفة عما توقع. “على العكس تماماً، حصلت على العلاج باحترام وسرية، دون أن أتعرض للمضايقة من أي نوع كانت.”
ويقول إن المسؤول عن علاجه طلب منه إبلاغ شريكه حتى يخضع للفحص ويحصل على العلاج الوقائي، أو يسجل للحصول على العلاج إذا كان مصاباً بالفعل. “طلب مني المسؤول عن علاجي إخبار شريكي فوراً، لكي يفحص نفسه ويحصل على العلاج الوقائي، والتسجيل للحصول على العلاج إذا كان مصاباً فعلاً.”
وتكشف شهادة ليلون جانباً آخر من العلاقة بين الوصمة والخدمات الصحية؛ فالخوف من التمييز قد يكون في حد ذاته عائقاً أمام إجراء الفحص أو طلب العلاج، خاصة أن البرنامج الوطني لا يوفّر استشارات أو متابعة نفسية، كما أن لا يوجد أي جمعية أو تجمع خاص بهم سوى صفحة خاصة على فيسبوك.
عدوى مرتبطة بالعمل الصحي
أما ميار، 29 عاماً، وهو اسم مستعار، فيعيش مع الفيروس منذ نحو خمسة أعوام ويعمل ممرضاً في أحد المشافي الخاصة.
يقول ميار إنه أصيب بالفيروس بسبب عمله في القطاع الطبي، في بداية ممارسته للمهنة. ويرى أن حماية العاملين الصحيين يجب أن تكون جزءاً أساسياً من الاستجابة للفيروس، خصوصاً في ظل هشاشة النظام الصحي.
ويقول إن العاملين الذين يمكن أن يتعرضوا لاحتكاك مباشر مع المرضى يحتاجون إلى وسائل وقاية واضحة وإلى الوصول إلى العلاج الوقائي عند التعرض.
ويضيف أن حادثاً داخل مستشفى يمكن، في ظل الظروف الحالية، أن يتحول سريعاً إلى حالة من الفوضى، ما يزيد مخاطر تعرض العاملين الصحيين للعدوى.
ما الذي توفره الرعاية؟
يقول البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز إن هدفه لا يقتصر على اكتشاف الحالات، وإنما يشمل ضمان وصول المصابين إلى العلاج، وبناء الثقة لتشجيع مزيد من الأشخاص على إجراء الفحص.
وتتضمن آلية العمل، بحسب العرض الذي قدمه البرنامج، الرصد من خلال عدة قنوات صحية، والإرشاد النفسي والاجتماعي، والحفاظ على السرية، والتعاون مع منظمات المجتمع المدني.
وتتوافق هذه الجهود مع الاستراتيجيات العالمية لمكافحة فيروس HIV، بما فيها جهود منظمة الصحة العالمية والصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا وبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس HIV، والتي تستهدف إنهاء وباء الإيدز بوصفه تهديداً للصحة العامة بحلول عام 2030، ضمن الغاية 3.3 من أهداف التنمية المستدامة.
لكن تجربة منذر تطرح سؤالاً مختلفاً عن مجرد الوصول إلى الدواء: ماذا يحدث بعد الحصول عليه؟
يمكن للعلاج المضاد للفيروسات القهقرية أن يخفض كمية الفيروس في الدم إلى مستويات غير قابلة للكشف، ويتيح للمتعايشين حياة طبيعية إلى حد كبير. كما أن الوصول إلى حمل فيروسي غير قابل للكشف، مع الاستمرار في تناول العلاج كما هو موصوف، يعني عدم انتقال الفيروس إلى الشريك الجنسي.
ولهذا، لا تتوقف فعالية العلاج عند صرف الدواء؛ إذ تتطلب المتابعة مراقبة الحمل الفيروسي وعدد خلايا CD4، إلى جانب تقييم الصحة العامة والآثار الجانبية والالتزام بالعلاج.
وهنا تظهر الفجوة التي يتحدث عنها منذر: العلاج الشهري متاح بالنسبة إليه، لكن بعض الفحوص التي يفترض أن تساعده والطبيب على معرفة مدى فعالية العلاج ليست متاحة له.
بين الرقم والحياة التي خلفه
لا تقول الزيادة من 71 إصابة في 2024 إلى 214 في 2025، ثم 103 خلال النصف الأول من 2026، وحدها إن فيروس HIV انتشر في سوريا بالقدر الذي توحي به بعض المنشورات المتداولة. كما لا تسمح هذه الأرقام وحدها بإثبات أن الزيادة سببها تحسن الرصد أو عودة أشخاص شُخصوا في الخارج.
لكنها تكشف، في المقابل، عن حاجة إلى بيانات أكثر تفصيلاً تميز بين الحالات المشخصة حديثاً والحالات التي كانت معروفة سابقاً، وتوضح أماكن اكتشافها ومتابعتها، وتتيح قياس الاتجاه الحقيقي للعدوى.
وخلف كل رقم من الأرقام المسجلة، هناك أشخاص، لم تعد المسألة، بالنسبة إليهم، مجرد فيروس في الدم. إنها أيضاً رحلة طويلة للتعامل مع الخوف، والوصمة، ونقص المعلومات، والحصول على الرعاية التي لا تنتهي عند تسليم الدواء.
