يروي محمد إبراهيم، الطالب الكفيف منذ الولادة، حكايته مع التعليم والنجاح في الشهادة الثانوية السورية، بعدما حصل على 2081 علامة من أصل 2200، بمعدل 94.6% في الفرع الأدبي. لكن الرقم الذي احتفى به كثيرون لا يختصر الطريق الذي قطعه محمد للوصول إليه، ولا الجهد الإضافي الذي تطلبته الدراسة في ظل نقص الوسائل التعليمية المهيأة للطلاب المكفوفين. في قلب حكايته تقف والدته، التي رافقته منذ طفولته، وساعدته خلال سنوات الدراسة الثانوية على تحويل الكتب والدروس إلى مواد صوتية يمكنه الوصول إليها. كانت تسجل له الدروس، وتراجع معه، وتتابع حفظه، لتصبح شريكًا أساسيًا في رحلة تعليمه. كما يتحدث محمد عن الصعوبات التي واجهها في مواد مثل الجغرافيا، حيث اضطر إلى إيجاد طرق بديلة لفهم الاتجاهات والخرائط والمعلومات التي تعتمد في العادة على الوسائل البصرية. يدرس محمد في مدرسة بسمة أمل الخاصة بالمكفوفين وضعاف البصر، حيث وجد بيئة تضم طلابًا عاشوا تجارب مختلفة مع فقدان البصر، بينهم من فقدوا بصرهم خلال سنوات الحرب في سورية. كما كان للمعلمين المكفوفين الذين درسوا له دور مهم في تشكيل نظرته إلى المستقبل، من خلال تجربتهم الشخصية وقدرتهم على الدراسة والعمل والاستقلال. بعد إعلان النتائج وانتشار صورته خلال التكريم، واجه محمد تعليقات ساخرة وتأويلات مرتبطة بطريقة وقوفه أمام الكاميرا، إضافة إلى التشكيك في تفوقه. لكنه اختار عدم الانشغال بها، مفضلًا التركيز على المرحلة المقبلة. تكشف قصة محمد أن نجاح الطالب الكفيف لا يتعلق بقدرته الفردية وحدها، وإنما أيضًا بالدعم الذي توفره الأسرة والمدرسة والمعلمون والتكنولوجيا. ويستخدم محمد قارئات الشاشة والحاسب والذكاء الاصطناعي في دراسته، ويحلم بدراسة البرمجة وعلوم الحاسوب. وفي الوقت نفسه، يفكر في الطلاب المكفوفين الذين لم يحصلوا على الفرصة نفسها، داعيًا إلى توفير تعليم ومواد دراسية قابلة للوصول باعتبارها حقًا أساسيًا، لا مساعدة استثنائية.
استمع للمقال
منصة إرادة- وسيم كناكرية
حين انتشرت صورة محمد إبراهيم بعد حصوله على 2081 علامة من أصل 2200 في الشهادة الثانوية، رأى كثيرون فيها قصة نجاح تستحق الاحتفاء. بعضهم رأى طالبًا كفيفًا تحدى ظروفه وتفوق، وآخرون توقفوا عند تفاصيل في الصورة نفسها، وراحوا يفسرونها ويسخرون منها من دون أن يعرفوا صاحبها.
لكن الصورة، مثلها مثل كثير من القصص التي نراها على الشاشات، لا تقول كل شيء. خلف تلك العلامة رحلة طويلة من الدراسة والاعتماد على الأسرة، ومحاولات مستمرة للوصول إلى مواد تعليمية لم تكن دائمًا متاحة بالشكل الذي يحتاجه الطالب الكفيف. وخلف النجاح أيضًا مدرسة ومعلمون وأصدقاء، وتجارب مختلفة مع فقدان البصر، وتفاصيل يومية لا تظهر في صورة التكريم.
الأهم أن محمد نفسه لا يريد أن تُختصر حكايته في كونه «طالبًا كفيفًا نجح». لديه أسئلة أخرى، وطموحات أخرى، وخطة للمستقبل تبدأ من الجامعة والبرمجة وعلوم الحاسوب.
لذلك، بدل أن نحكي قصة محمد نيابة عنه، نترك له المساحة ليرويها كما عاشها، من طفولته إلى يوم نجاحه، ومن مقاعد الدراسة إلى أحلامه القادمة.
لنقرأ الآن قصة محمد على لسانه.
لم أرَ صورتي، لكنني سمعت ما قيل عنها
لم أرَ الصورة التي نشرت لي بمناسبة نجاحي، لكنني سمعت الكثير من التعليقات التي صاحبتها. ولدت كفيفًا، في عالم يعتمد معظم ساكنيه على حاسة لا أمتلكها، لكنني لم أشعر يومًا أن فقدان البصر يعني نهاية الطريق. منذ طفولتي، تعلمت أن أجد طريقتي الخاصة في التعامل مع عالم لا أراه، وأن أبحث عن حلول لما يبدو للآخرين أحيانًا صعبًا أو مستحيلًا بالنسبة لي.
رفيقة الدرب.. أمي
في عالم مصمم في معظمه لمن يبصرون، كانت خطواتي الأولى محفوفة بالخوف والمخاطر. الشارع ليس مجرد مساحة يمر فيها المارة، بل عالم من الأصوات والزحام والمنحدرات المفاجئة. وهنا بدأت حكايتي الحقيقية مع أمي.
كانت يدي الصغيرة بين يديها وهي ترافقني في الخروج والعودة، تحميني من عثرات الطريق وتصف لي العالم الخارجي بكلماتها. لم يقتصر دورها على مرافقتي، بل أصبحت شريكة أساسية في تعليمي.
حين بدأت رحلة الشهادة الثانوية، أو البكالوريا في سورية، تحول بيتنا إلى مساحة مخصصة للدراسة. كانت أمي تجلس لساعات طويلة، تسجل الدروس بصوتها صفحة تلو الأخرى، فتحول الكلمات المطبوعة إلى مادة أستطيع الاستماع إليها وحفظها. لم تكن تكتفي بالقراءة، بل كانت تجلس بجانبي وتطلب مني التسميع، لتتأكد من أن كل معلومة استقرت في ذهني.
كانت تشاركني السهر والتعب، كما شاركتني فرحة النتيجة في النهاية.
ما لا تراه العين: ساعات إضافية من الدراسة
الجهد في دراستي لم يكن يقاس دائمًا بعدد الساعات التي أجلسها أمام الكتاب. الدرس الذي قد يحتاج من الطالب المبصر نصف ساعة لفهمه، كان يستنزف مني أحيانًا ساعتين أو ثلاثًا من التركيز والبحث عن طريقة مناسبة لاستيعابه.
واجهت مواد بدت في البداية صعبة جدًا، وكانت الجغرافيا واحدة منها.
كيف يمكنني أن أتصور الاتجاهات الأربعة؟ كيف أفهم الشرق والغرب والشمال والجنوب؟ وكيف أبني في ذهني خريطة لا أستطيع رؤيتها؟
لم تكن الأدوات التعليمية المناسبة متوفرة دائمًا، ولذلك اضطررت إلى البحث عن طرق بديلة، بالاعتماد على الشرح والتكرار والحفظ، وأحيانًا على ابتكار وسائل خاصة تساعدني على فهم المعلومة.
هذه التفاصيل قد لا تظهر في النتيجة النهائية، لكن خلف كل علامة حصلت عليها كانت هناك ساعات طويلة من العمل.
خلف شاشات الهواتف.. حين وصلت النتيجة
عندما صدرت النتائج، حصلت على معدل 94.6%، أي 2081 علامة من أصل 2200، في الفرع الأدبي. غمرت بيتنا فرحة كبيرة، وضجت الهواتف بالمباركات، ثم جاء التكريم وانتشرت صورتي على مواقع التواصل الاجتماعي.
لم أستطع رؤية الصورة، لكنني استطعت معرفة ما كتب عنها من خلال قارئ الشاشة الذي أستخدمه.
لاحظ بعض الأشخاص طريقة رفعي لرأسي في الصورة، وبدأت تعليقات وتأويلات لم أفهم سبب بعضها في البداية. اكتشفت أن كثيرين لم يعرفوا أنني كفيف منذ الولادة، وأن حركة بسيطة وعفوية تحولت بالنسبة إليهم إلى مادة للتعليق والسخرية.
وصلتني أيضًا تعليقات تشكك في تفوقي وفي نزاهة النتيجة، وكأن حصول طالب كفيف على علامة مرتفعة يحتاج إلى تفسير مختلف عن حصول أي طالب آخر عليها.
لم أشعر أنني بحاجة إلى الدخول في هذه النقاشات. لدي مستقبل أفكر فيه، وجامعة أريد أن ألتحق بها، وتخصص أحاول أن أختاره، وأشياء كثيرة أهم من التعليقات التي تظهر على شاشة الهاتف وتختفي.
ربما كان أكثر ما أثار انتباهي في الأمر أن بعض الناس استطاعوا أن يروا صورتي، لكنهم لم يروا الشخص الموجود خلفها.
بسمة أمل.. المكان الذي وجدت فيه من يشبهونني
درست في مدرسة بسمة أمل الخاصة بالمكفوفين وضعاف البصر، وهناك لم أكن وحدي في مواجهة صعوبات الدراسة والحياة اليومية.
تعرفت إلى أصدقاء فقدوا بصرهم في ظروف مختلفة. بعضهم ولد كفيفًا مثلي، وبعضهم عرف معنى البصر ثم فقده لاحقًا، ومن بينهم أشخاص أصيبوا بإعاقات دائمة خلال سنوات الحرب في سورية.
كان الاستماع إلى حكاياتهم تجربة مختلفة بالنسبة لي. أنا لم أعرف يومًا كيف تبدو الحياة بالنسبة إلى شخص مبصر، لذلك كان فقدان البصر بالنسبة إلي حالة ولدت معها وتعلمت التكيف معها منذ طفولتي. أما الذين فقدوا بصرهم بعد أن عاشوا سنوات وهم يرون، فقد كان عليهم أن يتعاملوا مع تغيير مفاجئ في حياتهم.
ورغم اختلاف تجاربنا، وجدنا في المدرسة مساحة مشتركة. كنا نتبادل المساعدة والخبرات، ونتحدث عن الدراسة وعن المستقبل، ونحاول أن نبني لأنفسنا حياة لا تختصرها الإعاقة.
ولم تكن المساندة مقتصرة علينا نحن الطلاب. كان بين معلمينا أشخاص مكفوفون أيضًا، درسوا وتخرجوا في ظروف صعبة، ثم عادوا ليعلمونا.
وجودهم أمامنا كان مهمًا أكثر مما قد يبدو. لم يكونوا يلقنوننا المواد الدراسية فقط، بل كانوا يقدمون لنا مثالًا يوميًا على أن الكفيف يستطيع أن يتعلم، ويعمل، ويصبح مستقلًا، ويكمل طريقه في الحياة.
التكنولوجيا.. طريقتي الخاصة في الدراسة
يظن البعض أن فقدان البصر يعني الابتعاد عن التكنولوجيا أو الاعتماد الكامل على الآخرين، بينما كانت التكنولوجيا بالنسبة إلي واحدة من أهم الأدوات التي ساعدتني على الاستقلال.
تعلمت استخدام الحاسب المحمول وبرامج قارئات الشاشة، وأعدت كتابة بعض الدروس بنفسي على لوحة المفاتيح لتثبيت المعلومات ومراجعتها. كما استعنت بالذكاء الاصطناعي لاختبار معلوماتي ومساعدتي على المراجعة قبل الامتحان.
لم تكن التكنولوجيا بديلًا عن الجهد، لكنها جعلت بعض الأمور التي كانت تحتاج إلى مساعدة الآخرين ممكنة بالنسبة إلي بشكل أكثر استقلالًا.
وهذا أمر أتمنى أن يتاح لكل طالب كفيف، لا باعتباره ميزة إضافية، وإنما باعتباره جزءًا طبيعيًا من حقه في التعلم.
نجاحي في الثانوية لم يكن نهاية القصة.
اليوم أفكر في الجامعة والتخصص الذي سأختاره، وأتطلع إلى دراسة البرمجة وعلوم الحاسوب. أحب التكنولوجيا، وأريد أن أتعلم كيف يمكنني أن أطور نفسي فيها وأن أعمل في مجال أستطيع أن أقدم فيه شيئًا حقيقيًا.
لا أريد أن تكون قصتي مجرد قصة عن طالب كفيف حصل على علامة مرتفعة. أريد أن تكون بداية لحياة أوسع من هذه النتيجة، وألا تبقى الإعاقة هي أول شيء يراه الناس فيّ.
الذين لم تتح لهم الفرصة
وأنا أحتفل بنجاحي، أفكر أيضًا في أشخاص آخرين يشبهونني، لكنهم لم يحصلوا على الفرصة نفسها.
هناك أطفال مكفوفون في سورية لم يدخلوا المدرسة، أو لم يستطيعوا الاستمرار فيها، وهناك أسر ما زالت تخشى إرسال أطفالها إلى المدارس بسبب الخوف أو نظرة المجتمع أو عدم معرفة كيفية التعامل مع الإعاقة.
أتمنى أن يحصل هؤلاء الأطفال على فرصة مختلفة. المدرسة بالنسبة إلى الكفيف ليست مكانًا للتعلم فقط، وإنما مساحة يتعلم فيها الاعتماد على الذات، والتواصل مع الآخرين، واكتشاف قدراته، وبناء مستقبله.
وأتمنى أيضًا أن تتوقف بعض الأسر عن النظر إلى الطفل الكفيف باعتباره شخصًا يجب حمايته طوال الوقت. يحتاج الطفل إلى الحماية عندما يكون صغيرًا، نعم، لكنه يحتاج أيضًا إلى أن يتعلم كيف يتحرك ويقرر ويخطئ ويجرب ويعتمد على نفسه.
أنا مدين بالكثير لأمي ولأسرتي لأنهم لم يمنعوني من التجربة، بل رافقوني خلالها.
نجاحي لا يعني أن الطريق أمام الطلاب المكفوفين أصبح سهلًا.
ما زال هناك الكثير مما يحتاج إلى التغيير، بدءًا من توفير المحتوى العلمي بصيغ قابلة للوصول، والكتب المطبوعة بطريقة بريل، ووسائل الإيضاح المناسبة، وصولًا إلى تجهيز المدارس بالوسائل والتقنيات التي تساعد الطلاب على التعلم باستقلالية.
كثير من الجهد الذي بذلته أنا وأسرتي ومعلموني كان يمكن اختصاره لو كانت المواد التعليمية متاحة منذ البداية بالشكل الذي يستطيع الطالب الكفيف الوصول إليه.
هذه ليست مساعدة إضافية أو منحة خاصة، وإنما جزء من حق الطالب في الحصول على التعليم.
وأتمنى أن يأتي اليوم الذي لا يحتاج فيه الطالب الكفيف إلى أن يبذل جهدًا مضاعفًا فقط كي يحصل على المادة التي يحصل عليها زميله المبصر بسهولة أكبر.
أما أنا، فسأكمل طريقي.
لم أرَ الصورة التي انتشرت يوم نجاحي، وربما لا أحتاج إلى رؤيتها. ما يهمني الآن هو ما سيأتي بعدها: الجامعة، البرمجة، علوم الحاسوب، والعمل الذي أتمنى أن أصل إليه.
هذه هي قصتي حتى الآن.
والـ2081 علامة ليست نهايتها.

One Response
كل تفصيلة صغيرة في حياة الكفيف واهله تخفي خلفها قصص ومعاناة وفرح وحزن كبير
نقلت معاناة محمد وقصة نجاحه وكانه هو من يرويها بارك الله بك استاذنا