تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

سوريا بالطول الكامل: عندما تتفوق البيروقراطية على الإعاقة نفسها!

الخط

تتناول المادة معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة في سوريا مع البيروقراطية الحكومية، حيث تتحول بطاقة الإعاقة، التي يفترض أن تكون وسيلة لتسهيل الحصول على الحقوق والخدمات، إلى رحلة شاقة من الأوراق والموافقات والإجراءات. وتبدأ المادة بسخرية من «شغف الترخيص» المتجذر في الإدارة السورية، مستحضرة وثيقة تعود إلى عام 1968 من بلدية حمص، لترخيص «طنبر يجره حيوان»، لتربط بين هذا الإرث البيروقراطي وبين الإجراءات المفروضة اليوم على الأشخاص ذوي الإعاقة. وتشير المادة إلى القانون رقم 34 لعام 2004 وما تضمنه من حقوق ومزايا، بينها العلاج المجاني، وتخفيضات النقل، وأولوية التعيين بنسبة 4% في الجهات العامة، وإمكانية استيراد سيارة معفاة من الرسوم الجمركية. لكن الفجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي تظهر بوضوح في المستندات المطلوبة للحصول على الإعانات، ومنها شرط تقديم «صورة بالطول الكامل» لشخص مصاب بفلج دماغي، إلى جانب موافقات وتواقيع وسندات إقامة وفواتير كهرباء وماء. وتنتقد المادة المفارقة بين حجم الإجراءات وقيمة الإعانة التي كانت تبلغ 2100 ليرة سورية، معتبرة أن كلفة الوصول إلى الحق قد تتجاوز قيمة الحق نفسه. كما تتناول استغلال ميزة السيارات المعفاة من الجمارك، وظهور «سماسرة الإعاقة» الذين يشترون حقوق بعض المحتاجين، قبل أن تفرض الجهات المعنية ضوابط للحد من هذه التجاوزات. وتخلص المادة إلى أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب الحقوق من القوانين، بل في ترجمتها الميدانية. فبدل أن تكون بطاقة الإعاقة أداة احترام وتسهيل، قد تتحول إلى مصدر مشقة وإثبات متكرر للاستحقاق. وتدعو المادة إلى تبسيط الإجراءات، وإلغاء الشروط المهينة، وتقديم دعم مالي حقيقي، وتفعيل المزايا المرتبطة بالبطاقة، بحيث يحصل الأشخاص ذوو الإعاقة على حقوقهم بكرامة، لا عبر رحلة جديدة من البيروقراطية.

منصة إرادة- علي صقر

في بلادٍ يُقاس فيها الصبر بالمتر المربع، وتُختبر فيها قدرة المواطن على التحمل يوميًا، يقف الأشخاص ذوو الإعاقة (أو «المعوقون»، كما تُصرّ الأوراق الرسمية على تسميتهم بغلظة لغوية متوارثة) في طابورٍ لا ينتهي. طابور ليس للحصول على الرفاهية، بل لنيل قطعة بلاستيكية صغيرة تُدعى «بطاقة إعاقة»، يُفترض بها أن تكون مفتاحًا لتسهيل الحياة، فإذا بها تنقلب إلى تذكرة لدخول السيرك البيروقراطي الكبير!

من نمرة البسكليت إلى بطاقة الحمار!

ولكي لا نظلم جيل الموظفين الحاليين ونحملهم وحدهم «وزر» هذا الولع بالبطاقات والأوراق، لا بد من العودة قليلًا إلى الأرشيف التاريخي للجمهورية. يبدو أن البيروقراطية لدينا ليست وليدة الساعة، بل هي «جين وراثي» متأصل قبل ثمانينيات القرن الماضي!

في سوريا القديمة، لم تكن هناك زاوية في الحياة تنجو من بطاقة أو «نمرة». الدراجة الهوائية (البسكليت)، تلك الآلة البسيطة التي تدور بدفع الساقين، كان لها نمرة رسمية ورخصة قيادة ورسوم! أما الطامة الكبرى والسخرية المتأصلة، فتتجلى في «طنبر الحمار»!

نعم، نملك وثائق نادرة تُثبت أن البلدية (ومنها بلدية حمص في ستينيات القرن الماضي) كانت تصدر وثيقة رسمية تحت اسم: «شهادة ترخيص طنبر يجره حيوان»! وثيقة رسمية مؤرخة عام 1968، تحمل صورة صاحب الطنبر ورقم اللوح المعدني (النمرة) المخصصة لهذه العربة البدائية، ومختومة بختم رئيس البلدية، لمنح الحمار وعربته الشرعية الدستورية للسير في شوارع المدينة!

فإذا كان الحمار وعربته الخشبية بحاجة إلى نمرة ورخصة ورسم بلدي كي يمارس حقه في الجر والعمل، فكيف نستغرب اليوم أن تطلب الدولة من إنسان مصاب بفلج دماغي قائمة تعجيزية من البطاقات والموافقات؟ إنها السلالة البيروقراطية الممتدة عبر العقود!

البدايات النبيلة.. والحبر على الورق!

بدأت قصتنا المعاصرة بنوايا طيبة، أو هكذا نحب أن نصدق. ففي أواخر التسعينيات ومطلع الألفية، وتحديدًا مع صدور القانون رقم (34) لعام 2004، استبشرنا خيرًا. قلنا إن الدولة قررت أخيرًا أن تضمن حقوق هذه الفئة المهمشة: علاج مجاني، وتخفيضات في وسائل النقل، وأولوية تعيين بنسبة 4% في الجهات العامة، وحق استيراد سيارة خاصة معفاة من الرسوم الجمركية لتعوض أقدامًا تعبت أو أجسادًا أرهقها المرض.

لكن، كما هي العادة في درامانا المحلية، النص شيء والمخرج شيء آخر تمامًا! يتحول النص التشريعي في أروقة مديريات الشؤون الاجتماعية إلى متاهة حقيقية، لا ينجو منها إلا من امتلك أطلسين من الصبر ودرزينة من الموافقات الأمنية.

«صورة بالطول الكامل»

لتدرك حجم الفاجعة، لا تحتاج إلى قراءة المجلدات التشريعية، بل يكفيك النظر إلى ورقة صغيرة صفراء ومجعدة تُسمى: «الأوراق المطلوبة من المعوق (فلج دماغي حصرًا) للحصول على إعانة».

تقرأ البنود، فتجد العجب العجاب! في البند رقم (3) يقفز بوجهك شرطٌ ينم عن عبقرية إدارية فذة: «صورة بالطول الكامل للوضع على استمارة صاحب الطلب»!

تخيل معي هذا المشهد السريالي: شخص مصاب بفلج دماغي، يُطلب منه أن يتصور «بالطول الكامل» أمام الكاميرا، ليس لغرض طبي أو تقييم أو إجراء جراحي، بل فقط ليثبت للسيّد الموظف القابع خلف المكتب أن جسده المنهك «معاق بما فيه الكفاية»!

أي إهانة هذه؟ وكأن التقارير الطبية الصادرة عن اللجان المختصة، والمختومة بأختام تصحيح تزن كيلوغرامًا، لا تكفي لإقناع المؤسسة بحالة المريض، فيصير المطلوب منه تقديم عرض مصور لجسده وجراحه لكي يقتنع ناظر الاستمارة! هل نحن أمام معاملة إدارية لحفظ كرامة المواطن، أم أمام لقطة «فيلتر» لإثبات البؤس؟

ولا تتوقف الحفلة عند هذا البند، فالقائمة تطول: موافقة المختار، وتوقيع رئيس الفرقة الحزبية، واستمارة خدمات يُسأل فيها عن «رأيها» في وضع المعاق الصحي، وسند إقامة، وأحدث فاتورة كهرباء وماء.. وكأن الكهرباء المقطوعة أصلًا ستشهد على أن الدماغ مصاب بفلج!

وكل هذا الضجيج البيروقراطي والركض بين الأقسام والدوائر، من أجل ماذا؟ من أجل «إعانة مالية» قدرها (2100 ليرة سورية)! مبلغ ساحر بكل ما للكلمة من معنى، فهو لا يكفي اليوم لشراء كيلوغرام واحد من البصل، ولا يغطي حتى تكلفة التاكسي التي استقلها المريض ليتصور «صورة بالطول الكامل»! 

حتى هذه الإعانة لا تعط لكل ذوي الإعاقة، فقط المصابون بالشلل الدماغي ولا تعط كل الوقت أيضاً، علماً أنها ارتفعت لخمسون ألف ليرة مع انهيار سعر العملة في سنوات الحرب.

سيارة الإعاقة: التجارة بالوجع و«سماسرة المحن»

إذا انتقلنا إلى الميزة الأبرز، وهي «استيراد سيارة معفاة من الجمارك»، فإن السحر يتحول إلى ألعوبة تجارية.

اشترط القانون أن تكون السيارة مجهزة بتعديلات ميكانيكية أو هيدروليكية لتناسب نوع الإعاقة، بحيث تتحول الدواسات إلى روافع يدوية بجانب المقود. ومع اندلاع الحرب وتزايد أعداد جرحى الجيش والمصابين، وسّعت الدولة هذه الميزة لتشملهم بهذا الدعم، كحق بديهي لمن قدموا أجسادهم في الميدان.

لكن ما الذي حدث على أرض الواقع؟

ظهرت طبقة جديدة من «سماسرة الإعاقة». يذهب الدلال إلى الشخص المصاب أو جريح الحرب الفقير، ليشتري منه «حق البطاقة» أو حق استيراد السيارة مقابل مبلغ مالي مقطوع يرميه له لحاجته وفاقته. ثم يقوم السمسار باستيراد أحدث سيارة مجهزة بأحدث التقنيات، ليقودها شحمه ولحمه وهو بكامل صحته وعافيته، بينما المالك الحقيقي للبطاقة لا يملك حتى أجور الباص!

أن تشاهد سيارة فارهة معفاة من الرسوم يسوقها شاب «رياضي» يضع نظارات شمسية ويستمع إلى أحدث الأغاني، بينما صاحب البطاقة يجلس في بيته يحسب تكلفة دواء الصرع أو الفلج، فتلك هي الذروة في السخرية السوداء.

وقد دفعت هذه التجاوزات الصارخة الجهات المعنية (وزارة المالية والجمارك والنقل) إلى إصدار ضوابط وقرارات حازمة متلاحقة لمنع القيادة بغير صفة، واشتراط حضور المالك أو سائق معتمد من أقربائه من الدرجة الأولى، وفرض قيود على منع التصرف بالسيارة لسنوات، تحت طائلة المصادرة والغرامات الجسيمة. لكن السؤال يبقى: لماذا ننتظر حتى يتحول الحق إلى سلعة في السوق السوداء لنتحرك بالمنع والتقييد، بدلًا من دعم الشخص ذاته بما يغنيه عن بيع حقه؟

بين القوانين الوردية والواقع الميداني

إن المشكلة الحقيقية في سوريا ليست دائمًا في النص القانوني؛ فالقانون رقم 34 لعام 2004 والمراسيم الملحقة به تحتوي على مفاهيم تقدمية ومحترمة. لكن الكارثة تكمن في «الترجمة الميدانية» لهذه النصوص.

بطاقة الإعاقة التي يُفترض أن تكون وثيقة احترام وتسهيل، أصبحت في أحيان كثيرة وثيقة إدانة ومصدر مشقة. الموظف يعامل صاحب البطاقة وكأنه «متهم يتصنع الإعاقة» حتى يثبت العكس بالصور والشهود وأختام مختار المحلة!

كلمة أخيرة إلى من يهمه الأمر

إن المنظومة الإدارية التي كانت ترخّص «طنبر الحمار» برخصة رسمية، والتي تطالب اليوم إنسانًا مصابًا بفلج دماغي بتقديم «صورة بالطول الكامل» وشهادة من الفرقة الحزبية ليحصل على إعانة لا تشتري ربطة خبز، هي منظومة بحاجة إلى إعادة هيكلة أخلاقية قبل أن تكون إدارية.

ذوو الإعاقة في سوريا لا يحتاجون إلى عطف ولا إلى «صور كاملة للجسد»، هم يحتاجون إلى:

كرامة إدارية: إلغاء الشروط التعجيزية والمهينة من الاستمارات فورًا، والاكتفاء بالتقرير الطبي الصادر عن اللجان المعتمدة.

دعم مالي حقيقي: إعادة النظر في جميع الإعانات الرمزية لتمثل رقمًا يسد رمق المعيشة اليومية، لا أن تكون مجرد حبر على استمارة.

تفعيل المزايا الميدانية: أن تصبح بطاقة الإعاقة حاسمة في المشافي والمؤسسات، لا مجرد ورقة يبتسم لها الموظف بأسى ويقول: «راجعنا الأسبوع القادم»!

أما بالنسبة إلى الصورة «بطول الجسد الكامل».. فنقترح على الوزارة الموقرة أن تكتفي بصورة لـ«ضمير الموظف» الذي وضع هذا الشرط، فلربما نكتشف أن الضمير هو من يحتاج إلى إثبات وجود وتقارير طبية عاجلة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *