تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

بلد واحد… ساحل واحد… موسمان مختلفان

الخط

يفصل بين طرطوس واللاذقية أقل من مئة كيلومتر، لكن موسم السياحة هذا الصيف يكشف واقعين مختلفين على الساحل السوري. ففي طرطوس، تبدو عودة السياحة جزءًا من مشهد أوسع لاستعادة الاستقرار والحياة الاقتصادية، مدعومة بحضور حكومي واضح وإطلاق رسمي للموسم. امتلأت المقاصف، ونشطت الرحلات القادمة من محافظات مختلفة، وظهرت أنماط جديدة من السياحة الجبلية والمغامرات، مثل الـ«زيب لاين»، الذي يستقطب آلاف الزوار ويوفر فرص عمل لأبناء المنطقة. في المقابل، لا تزال اللاذقية تعيش موسمًا أكثر حذرًا. صحيح أن الشواطئ تستقبل زوارًا من خارج المحافظة، لكن آثار التوترات الأمنية والهواجس الاجتماعية التي أعقبت سقوط النظام ما تزال حاضرة في حياة السكان وفي صورة المدينة. بالنسبة إلى ثراء، وهي شابة من جبلة، لم يعد البحر المساحة المفتوحة التي اعتادت أن تلجأ إليها مع صديقاتها حتى ساعات الليل؛ تغيرت طريقة خروجها ولباسها وشعورها بالأمان. وتكشف عودة السياحة أيضًا تناقضًا آخر: ازدهار الحركة لا يعني بالضرورة تحسن ظروف العاملين. رشا تعمل ثماني ساعات يوميًا مقابل نحو مليون ليرة شهريًا، بينما يعمل حسن اثنتي عشرة ساعة في أحد المقاصف من دون أجر ثابت، معتمدًا على البقشيش. وفي المقابل، يقول أصحاب منشآت إن الموسم الحالي يوفر دخلًا لقطاعات صغيرة، من المقاصف والتنانير إلى مشاريع المغامرات. حتى الأماكن التي تشهد حركة متزايدة تعاني طرقًا متهالكة ونقصًا في الخدمات والنفايات، فيما يبقى جزء من السكان خارج الموسم أصلًا، ومن بينهم أشخاص ذوو إعاقة لا يجدون شواطئ ومرافق مهيأة لهم. لذلك لا تبدو المقارنة بين طرطوس واللاذقية مجرد مقارنة بين موسمين سياحيين، بل بين مسارين مختلفين للتعافي. **ساحل واحد، ومدينتان متقاربتان، لكن السياسة والأمن والثقة والخدمات تجعل تجربة السياحة فيهما مختلفة جذريًا.

منصة إرادة- مياس سلمان

يفصل بين طرطوس واللاذقية أقل من مئة كيلومتر، لكنهما هذا الصيف تبدوان وكأنهما تنتميان إلى بلدين مختلفين.

في الأولى، أعلنت وزارة السياحة انطلاق موسم تراهن عليه بوصفه رسالة لعودة الحياة إلى الساحل. المقاصف على الأنهار تعج بالزوار، والطرق المؤدية إلى المناطق الجبلية تشهد ازدحامًا كل نهاية أسبوع، فيما تحولت مشاريع صغيرة مثل الـ”زيب لاين” إلى مقصد لآلاف الشبان القادمين من مختلف المحافظات.

أما في الثانية، فالبحر مزدحم أيضًا، لكن الموسم لا يُقرأ بالطريقة نفسها. فما تزال المدينة تحمل ثقل الأشهر التي أعقبت سقوط النظام، ولا تزال أحداث الساحل، والهواجس الأمنية، وصورة المدينة في المخيال السوري، حاضرة في أحاديث سكانها، حتى وهم يشاهدون الشواطئ تمتلئ بالزوار.

طرطوس... حين تتحول السياحة إلى رسالة سياسية

لم يكن افتتاح الموسم السياحي في طرطوس حدثًا اقتصاديًا فقط.

فحضور الرئيس أحمد الشرع، وإطلاق الموسم من المحافظة، حملا رسالة سياسية واضحة: الدولة تريد أن تقدم طرطوس بوصفها نموذجًا لعودة الاستقرار، وإعادة تشغيل الاقتصاد المحلي، وتشجيع الاستثمار في الساحل. المحافظة حظيت باهتمام حكومي مباشر، ترافق مع تحسين بعض الخدمات والبنية التحتية، الأمر الذي ساعد في تعزيز ثقة المستثمرين والزوار.

في صباح يوم جمعة من صيف 2026، يبدأ العمل في أحد المنتزهات الجبلية في ريف الشيخ بدر قبل أن تشرق الشمس. عند الخامسة صباحًا يصل العاملون، وبعد ساعات قليلة تبدأ السيارات بالوصول من دمشق وحلب وإدلب ومحافظات أخرى. بعض الزوار جاء لتجربة الـ”زيب لاين”، وآخرون للمشي على الجسر الخشبي المعلق أو قضاء اليوم بين الجبال.

يقول أبو أحمد، أحد العاملين في “زيب لاين الشاهين”، إن أيام الجمعة أصبحت مختلفة تمامًا: “الأعداد بالألاف”، وقد يتجاوز عدد القادمين إلى المنتزه ثلاثة آلاف شخص في بعض الأيام، فيما يضطر بعض الزوار إلى الانتظار ساعات لخوض التجربة. يقول إن العمل يبدأ عند الخامسة صباحًا ويستمر حتى الثامنة مساءً، وإن المشروع يوفر نحو خمسين فرصة عمل لأبناء المنطقة.

يصعب تخيل هذا المشهد عند مقارنته بصيف العام الماضي. كان الساحل في صيف 2025 يعيش على وقع الخوف الذي سبق الموسم السياحي، ثم أحداث آذار، إلى جانب الجفاف والحرائق التي التهمت مساحات واسعة من الغابات. تراجعت الحركة السياحية إلى مستويات وصفها العاملون في القطاع بأنها من الأضعف منذ عقود، فيما ساهمت صورة الساحل بوصفه منطقة غير آمنة، وما رافقها من خطاب تحريضي على وسائل التواصل الاجتماعي، في إبعاد كثير من السوريين عن زيارة المنطقة.

بعد عام واحد، تبدو الصورة مختلفة.  محمد، صاحب أحد المقاصف الشعبية على نهر الديرون، يقول إن الموسم الحالي “مبشر”، بعدما اضطر العام الماضي إلى إبقاء مقصفه مغلقًا بسبب جفاف النهر. اليوم تعود الحركة من مختلف المحافظات، ويؤكد أنه يعمل بحرية ويقدم الخدمات المعتادة بعد حصوله على التراخيص اللازمة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن الطرق الضيقة والمحفرة، وضعف خدمات البلديات في ترحيل النفايات، ما تزال من أبرز العقبات أمام تطوير السياحة.

أما أم علي، التي تدير تنورًا على الطريق بين طرطوس وحماة، فتقول إن يوم الجمعة أصبح يعادل أسبوعًا كاملًا من العمل. تنتظر ازدحام الطريق منذ ساعات الفجر، وتؤكد أن الحركة السياحية أنعشت أعمالًا صغيرة مثل التنانير وخبز الصاج، حتى مع ازدياد المنافسة.

هذه الشهادات ترسم صورة محافظة تتحول فيها السياحة إلى محرك اقتصادي، حتى وإن بقيت الخدمات العامة أقل من الطموحات.

اللاذقية... حين لا يكفي ازدحام البحر

على بعد أقل من ساعة ونصف بالسيارة، تبدو الصورة مختلفة. الفارق بين طرطوس واللاذقية لا يظهر في البيانات الرسمية ونسب الإشغال وعدد الزوار، وإنما في التفاصيل اليومية.

بالنسبة للسائح، يبدأ اختبار الأمان قبل الوصول إلى الشاطئ: من الطريق، ومن الحواجز، ومن طريقة التعامل مع الزائر، ومن قدرته على التجول دون أن يشعر بأن المكان الذي جاء إليه لقضاء يوم من الراحة ما يزال يعيش حالة استنفار.

قد يوجد بعض الازدحام على الشواطئ، ويمكنك رؤية الوافدين من المحافظات الأخرى، لكن سكان المدينة يتحدثون عن موسم يحمل معاني مختلفة.

تقول ثراء، وهي شابة من جبلة، إن البحر كان في السنوات الماضية مساحة يومية لها ولصديقاتها. كن يجلسن على الكورنيش حتى ساعات متأخرة من الليل، ويرتدين ما يشأن دون التفكير كثيرًا بما حولهن.

اليوم، تقول إن هذا الشعور تبدل. رغم انخفاض حالات الخطف، بحسب وصفها، فإن الإحساس بالأمان لم يعد كما كان. لم تعد تخرج بعد ساعات العصر إلا نادرًا، كما تغيرت طريقة لباسها لتتلاءم مع ما تصفه بـ”الوضع الجديد”.

لا تتحدث ثراء عن البحر، بقدر ما تتحدث عن المدينة. فالسياحة قد تعيد الزوار، لكنها لا تعيد بالضرورة إحساس السكان بأن مدينتهم استعادت حياتها الطبيعية التي ما زال يسيطر عليها الهاجس الأمني.

وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في الساحل السوري. فبينما تراهن الدولة على الساحل بوصفه واجهة للتعافي، يعيش جزء من سكان اللاذقية تجربة مختلفة، ما تزال تتأثر بالتوترات الأمنية والاستقطاب السياسي والطائفي.

حين تعود السياحة ولا يعود التعافي للجميع

رغم الفارق بين المحافظتين، تكشف الشهادات أن عودة الحركة السياحية لا تعني بالضرورة تحسن أوضاع العاملين في القطاع.

في اللاذقية، تعمل رشا ثماني ساعات يوميًا في أحد المقاهي المطلة على البحر مقابل راتب لا يتجاوز مليون ليرة سورية شهريًا، وتقول إن معظم المنشآت تمنح أجورًا متقاربة، وإن العاملين يقبلون بها بسبب غياب البدائل.

وفي ريف الدريكيش، يعمل حسن في أحد المقاصف الشعبية اثنتي عشرة ساعة يوميًا دون أجر ثابت، معتمدًا على ما يحصل عليه من “البقشيش”. يقول إن صاحب المنشأة يترك دخله مرهونًا بما يجود به الزبائن.

هذه الشهادات تكشف أن الموسم السياحي، حتى في المناطق الأكثر نشاطًا، لا ينعكس بالضرورة على ظروف العمل أو مستوى الحماية الاجتماعية للعاملين. فمعظم العاملين، بحسب من تحدث إليهم التحقيق، يعملون من دون عقود مكتوبة أو تأمين ضد إصابات العمل، ويمكن إنهاء عملهم في أي وقت.

وحتى بالنسبة للزوار أنفسهم، لا يصل الموسم إلى الجميع بالطريقة ذاتها. تقول والدة طفل يستخدم كرسيًا متحركًا: “الجميع يتحدث عن عودة السياحة، لكننا لم نذهب إلى البحر هذا الصيف ولو مرة واحدة. لم نجد شاطئًا واحدًا يمكن لابني دخوله، فالطريق إلى البحر نفسه غير مهيأ لكرسيه المتحرك.”

موسم واحد... ورؤيتان

قد يكون الفرق بين طرطوس واللاذقية في نهاية المطاف لا يعني بالضرورة أن إحدى المناطق “آمنة” والأخرى “غير آمنة”. الأصح أنه يكشف أن السياحة تحتاج إلى شعور مستمر بالأمان، لا إلى غياب مؤقت للرصاص فقط.

ففي طرطوس، تبدو السياحة جزءًا من مشروع الدولة لإظهار الاستقرار، ولذلك ترافق الموسم مع حضور رسمي، ورسائل سياسية، ومشاريع جديدة، ومحاولات لتحسين صورة المحافظة.

أما في اللاذقية، فما يزال الموسم يتحرك داخل مدينة تحاول التخلص من الأسلاك الشائكة المزروعة فيها وبين سكانها وأحيائها وحتى علاقتها مع المدن الأخرى، والتي جعلت ملف الأمن يطغى على ملف السياحة.

وحين يصبح ساحل يمتد على 100 كيلو متر قادرًا على إنتاج موسمين مختلفين، فإن الأمر لم يعد يتعلق بالسياحة وحدها. السياحة تكشف من بدأ يشعر بأن التعافي والاستقرار عاد إلى مدينته… ومن لم تعد إليه بعد علاقته الطبيعية بالمكان وبالأرض ومفهوم الأمن. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *