تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

جرح حمص الذي لم يلتئم: قراءة في فيلم «في داخلي شرخ»

الخط

### ملخص يتناول النص فيلم «في داخلي شرخ» للمخرج د. عمار عزوز، وهو ابن مدينة حمص المقيم في إنكلترا، والذي عاد إلى مدينته عام 2025 بعد أربعة عشر عاماً من الاغتراب، حاملاً كاميرته للمرة الأولى بهدف توثيق ما أصاب حمص من خراب، واستعادة شيء من ذاكرتها الإنسانية والعمرانية. ينطلق الفيلم من صور الدمار في عدد من أحياء حمص، بينها القرابيص وجورة الشياح، ومن مخيم العائدين الفلسطينيين ومركز صبحي شعيب وسوق كرم الشامي. ولا يكتفي المخرج بتصوير الأبنية المدمرة، بل يلتقي سكاناً ومثقفين وفنانين يستعيدون ذاكرتهم عن المدينة، ويتحدثون عن خسارة البيوت والأراضي، وعن صعوبة العودة إلى أماكن دمرتها الحرب. ويبرز حي القرابيص بوصفه نموذجاً للصراع بين ذاكرة المكان ومشاريع إعادة تشكيله. فالسكان الذين خسروا بيوتهم وأراضيهم في الحرب يواجهون اليوم مخاوف جديدة مرتبطة بمشروعات استملاك البساتين وإنشاء البوليفارد، الأمر الذي يحول فرحة الانتصار إلى قلق على المستقبل والحق في المكان. كما يتوقف الفيلم عند مركز صبحي شعيب، المبنى التراثي المرتبط بذاكرة الفنانين والمثقفين في حمص، والذي تدهور وضعه بعد أن وضعت وزارة الثقافة يدها عليه من دون أن تعيده إلى نقابة الفنانين التشكيليين أو تبادر إلى صيانته. ومن هذا المكان تأتي عبارة الفنانة سميرة مدور «في داخلي شرخ»، التي تحولت إلى عنوان للفيلم. ويرى الكاتب أن الفيلم يقترب من الريبورتاج الصحفي أكثر من انتمائه إلى السينما بمعناها التقليدي، لكنه ينجح في توثيق علاقة الإنسان بالمدينة، مستفيداً من التصوير والكادرات وانتقاء اللقطات. أما النقاش الذي أعقب العرض، فتحول إلى مساحة لاستعادة الذاكرة الجماعية ونقد بعض سياسات السلطة الجديدة في السكن والعمران وحماية الأمكنة التراثية. ويكشف عزوز عن رغبته في مواصلة مشروعه التوثيقي بفيلم جديد يتناول الموت والمقابر في حمص، بما فيها المقابر الجماعية والمقابر التي أقيمت خلال سنوات الحصار والقصف.

منصة إرادة- عبد الكريم عمرين

دعت سينما الدار إلى مشاهدة فيلم «في داخلي شرخ» في ملتقى هارموني بحمص، بحضور كثيف من الجمهور. يبدأ الفيلم بصوت أحدهم وهو يرفع الأذان من دون أن يظهر على الشاشة، ثم تبدأ صور الخراب الذي لحق ببيوت حمص، مصحوبة بسرد صوتي لمخرج الفيلم د. عمار عزوز، ابن حمص المقيم في إنكلترا، والذي يعمل مدرساً في إحدى جامعاتها.

يرافق صوت المخرج الصور المعروضة تباعاً. يقول إنه، في زيارته لشوارع حمص، استل كاميرته وهو في غاية الشجن والدهشة المؤسية. لكن الحنين الذي انحبس في صدره وقلبه طوال سنوات الاغتراب انمحى قليلاً، ليغمره شعور بالوحشة والعزلة والتفكر في حمص، مدينته التي نشأ وترعرع وتعلم فيها.

كاميرا المغترب تعود إلى مدينة مهدمة

استل كاميرته ووثّق بعضاً من خراب حمص، فتوقف في حي القرابيص، وجورة الشياح، ومخيم العائدين الفلسطينيين، ومركز صبحي شعيب، وسوق كرم الشامي. وفي فيض الحزن والذكريات، داهمه بعض من بقي في حمص بأسئلة ملحّة وقاسية. لقد غابت عنهم فرحة النصر، وحل محلها حزن مقيم.

فكيف لأبناء حي القرابيص، الذي تهدّم جزء كبير منه، أن يعودوا إلى بيوتهم؟ وكيف لمالكي بساتين الحي، الذين أحرقت الحرب وقذائف النظام الأسدي أراضيهم فأصبحت أثراً بعد عين، أن تستمر فرحتهم بالنصر، فيما تنتوي الحكومة الجديدة استملاكها بقصد تنفيذ مشروع البوليفارد الفخم، وفق المخططات المطروحة؟

يسجل المخرج أحاديث بعضهم التي تعبّر عن سخطهم. إنهم يرفعون أكف الشكر لله على نعمة انتصار الثورة، ويرفعونها أيضاً للدعاء على من يريد الاستيلاء على بيوتهم وأراضيهم. إنهم لا يريدون الانسلاخ عنها ولا تركها، رغم ما أصابها من خراب.

يعرّج المخرج على مأساة المثقفين في حمص، الذين كانوا يلتقون في نقابة الفنانين التشكيليين، في مركز صبحي شعيب، وهو مبنى تراثي تفوح منه رائحة الثقافة، وتختزن جدرانه حروب المثقفين الفكرية والجمالية، وذكريات ملتقاهم اليومي، وفخرهم باستضافة زوار المدينة.

هذا المبنى الذي آل إلى بعض الخراب وضعت وزارة الثقافة يدها عليه، فلا هي أعادته إلى الفنانين ونقابتهم لممارسة نشاطهم وإقامة المعارض التشكيلية، ولا هي قامت بصيانته. وكثرت الشائعات والأقاويل عن احتمال تحويل المبنى إلى مطعم أو فندق أو مول تجاري.

ومن بين الفنانين التشكيليين الذين يحاورهم المخرج، التشكيلية سميرة مدور، التي تأخذه إلى بيت أسرتها في حي جورة الشياح المدمر. وهناك، تبكي بحرقة على أطلاله، وتقول للمخرج والمصور، بعدما رأت الخراب الذي حل به: «في داخلي شرخ». ومن هنا جاءت تسمية الفيلم، إذ استعار المخرج قول الفنانة مدور عنواناً لعمله.

وبالمصادفة البحتة، وبينما كان المخرج يصور بالقرب من جامعة حمص، اقترب منه رجل وسأله عما يفعل. أجابه عمار: «أصور مبنى الجامعة». فقال له الرجل: «تفضل، صوّر عندنا في المخيم الفلسطيني، مخيم العائدين». يسأله المخرج: «هل في حمص مخيم للفلسطينيين؟».

يصطحبه الرجل، الذي يدعى أحمد سالم، وهو أديب فلسطيني وعضو في اتحاد الكتاب الفلسطينيين، فيلتقي المخرج مجموعة من الأدباء والمؤرخين الفلسطينيين، الذين يستذكرون فلسطين المغتصبة وألم الرحيل.

ثم يصور المخرج سوق كرم الشامي. وكرم الشامي حي من أحياء حمص، وقد أصبح، بفعل الخراب والحصار والنزوح الداخلي، مركزاً تجارياً للمدينة، بديلاً عن الأسواق المدمرة والمنهوبة في مركزها. وقد سبقه في ذلك حي الوعر، الذي حُوصر ومنع الناس من دخوله والخروج منه، ومنع عنه الغذاء والدواء، وكان النظام يهدي سكانه كل يوم قذائف ثقيلة من عيارات مختلفة، عدا عن الشيلكا والقناصين الذين تمركزوا في برج الموت، أو الكاردينيا، وفي أبراج حديثة لم يكتمل بناؤها بالقرب من قرية المزرعة.

ذاكرة الخراب ومخاوف ما بعد الحرب

فيلم «في داخلي شرخ» لا ينتمي، في تقديري، إلى السينما بقدر ما يقترب من الريبورتاج الصحفي؛ فهو مشغول بحب ابن البلد المغترب لمدينته، وبكاميرا وكادرات جميلة، وانتقاء موفق ومدروس للقطات.

وفي النقاش الذي أعقب العرض، بحضور المخرج وبعض الشخصيات التي حاورها في الفيلم، انقلب النقاش إلى استعادة ذكريات أليمة للحماصنة. علا صوت البكاء وأوار نشيج الصدور، وكان لكل من حضر شريط ذكرياته الجميلة عن حمص قبل المقتلة السورية.

ثم انقلب النقاش إلى نقد السلطة الجديدة في مجال السكن والأمكنة، ولا سيما بساتين وبيوت حي القرابيص، وإغلاق مركز صبحي شعيب، ذلك البناء الأثري الذي يمثل ذاكرة المثقفين في حمص.

وبعد ذلك، تحول الكلام إلى نضال مطلبي، إذ طالب الحاضرون الحكومة الجديدة بإعادة النظر في قراراتها، وأن تكون إلى جانب الناس الذين بقوا في حمص، والذين خسروا أولادهم وأملاكهم في سبيل البقاء. وجرى انتقاد مشروع البوليفارد والمشاريع المشابهة، لما يمكن أن تتركه من آثار على ذاكرة المدينة وحقوق سكانها.

وفي لقاء المخرج د. عمار عزوز مع منصة إرادة، يقول: «لم أقرر مسبقاً أن يكون لدي فيلم، فأنا عادة أكتب عن حمص، عن تاريخها وذاكرتها وتراثها. وهذه أول مرة أحمل فيها الكاميرا وأصور. وتولد لدي إحساس بأنه بعد 14 عاماً من الهجرة يجب أن أعمل شيئاً لمدينتي، وذلك في عام 2025، عام عودتي».

ويضيف: «سألت نفسي: هل يمكن للصورة والتوثيق، كفيلم، أن يعطيا نظرة أخرى إلى الأشياء التي هي موضع اهتمامي معمارياً وعمرانياً في المدينة؟».

وعن عدم تصوير أماكن شديدة التدمير، مثل كرم الزيتون والبياضة ومنطقة الحولة، يقول: «أتمنى من فيلمي هذا أن يكون بداية للاهتمام بأحياء أخرى. أذكر كيف هدم البعث حي الأربعين بحمص، وهو يتألف من أربعين بيتاً بُنيت من الطين وحجر البازلت، بشوارع ضيقة لا يزيد عرض كل منها على مترين، وأقام مكان الحي كتلًا إسمنتية باردة وكراجاً للسيارات. فكيف يفعل معماري اليوم ما فعله معماري النظام البائد من ظلم للأهالي؟».

ويتابع: «أردت أن أضيء على أحياء هؤلاء الناس، وأن ألتقي الذين ظُلموا في بيوتهم وأراضيهم، لأستمع إليهم وإلى مطالبهم. وكان على صاحب القرار في حمص أن يستمع إليهم وينفذ مطالبهم».

وعن سؤال منصة إرادة، يجيب المخرج د. عمار عزوز: «السوري دائماً، وخاصة في بلاد الاغتراب، دائم التفكير في وطنه، فيعبر عن شوقه واهتمامه بمدينته بالكتابة أو الرسم أو الفنون. وأنا سوري أعشق مدينتي حمص».

وعندما يُسأل عن فيلمه القادم، يجيب: «نعم، سأعمل فيلماً جديداً عن حمص، سأرصد فيه الموت في حمص والمقابر، وعلاقة المدينة بمساحات المقابر، سواء المقابر النظامية المعروفة، أو المقابر التي أقيمت على عجل في البيوت والحدائق بسبب الحصار وقصف النظام وقنصه، أو المقابر التي انكشفت، كمقبرة جامع الأوزاعي، أو المقابر الجماعية التي كُشف عنها، وتلك التي لم تُعرف بعد».

هكذا ينتهي «في داخلي شرخ» من حيث يبدأ: من مدينة يحاول ابنها العائد من الاغتراب أن يرى ما تبقى منها بعين الكاميرا، فيكتشف أن الخراب لم يصب حجارتها وحدها، بل ترك شروخاً عميقة في ذاكرة أهلها أيضاً. وبين ذاكرة الحرب وأسئلة ما بعد الحرب، يصبح تصوير المكان محاولة لاستعادة حق الناس في مدينتهم، وفي رواية قصتها قبل أن تكتبها مشاريع الإسمنت والسياسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *