إعداد: عبد الكريم عمرين
مبادرة “حدائق التين” هي مشروع سوري يجمع بين البعد البيئي والإنساني لتخليد ذكرى الضحايا المدنيين والمغيبين قسرًا، عبر زراعة شجرة مثمرة باسم كل منهم. انطلقت المبادرة من إدلب وريف دمشق، ووصلت اليوم إلى داريا كأول حديقة في الغوطة الغربية. تقوم الفكرة على تحويل الشجرة إلى رمز حي للذاكرة، خاصة في ظل غياب القبور أو أماكن الوداع، حيث تصبح بمثابة “قبر حي” وشاهد صامت يستذكر من فقدوا. اختيار شجرة التين يحمل دلالة على الصمود والقدرة على النمو رغم القسوة. ولا يقتصر المشروع على الرمزية، بل يُعد فعلًا علاجيًا يساعد العائلات والمجتمع على التعبير عن الحزن واستعادة حقهم في الحداد، مع التأكيد على تخليد المدنيين الذين قُتلوا أو اختفوا ظلماً.
هكذا جاء أحد صباحات حمص من عام 2014, حيث حمص المدينة مدمرة, وفوق تلال من الركام, كانت الغربان تلملم صغارها معلنة الرحيل, فثمة رجال ونساء قادمون, يملكون إرادة قوية وتصميم وعزم لا يلين, لإعادة الحياة لحمص المدمرة, التي عاثت فيها عصابات الاستبداد الأسدي قتلاً وتدميراً.. هكذا إذن جاء رجال ونساء ليعيدوا الحياة إلى أرض موات, فانتظموا في كيان إنساني اسمه مؤسسة بيتي.
ومؤسسة بيتي تأسست عام 2017, تعمل بمجلس أمناءها, في حمص القديمة, وتغطي بنشاطها سوريا كافة, بهدف تمكين العائلة من الأطفال والنساء وكبار السن. وأن تهتم بعائلة, يعني أنك معني ببناء مجتمع سوري جديد, خصوصاً وأن الحرب, لم تبق شيئاً من هذا المجتمع, أو تكاد. أن تكون المرأة آمنة, والطفل بأمان, هذا لعمري انجاز لا يضاهيه إنجاز. أن تسعى لبناء إنسان سوري محطم, حطمته الآلة العسكرية الأسدية ببارودها وبراميلها وسجونها, بالخطف والتنكيل والتهجير الممنهج, أن تعيد أو أن تساهم بمعنى أدق باستعادة الثقافة السورية, بالتراث المادي واللامادي, أن تتلمس خطوط هوية سورية جديدة وتساهم في صنعها, هو أمر نبيل, هو عمل فوق تعبير الوطنية, بل أسمى وأنبل, لأنك كما المرأة التي ينمو الجنين في أحشائها, فتنتظر ولادته بحب وشغف الأمومة.
ما أروع أن تستقبل أطفال حمص الذين انتشروا في أرض ضاقت بما رحبت, فناموا في خيام شتى فوق المعمورة, وأكلوا من أديم الأرض, وانتظروا لقيمات في سلة غذائية, جاءت من منظمات إنسانية ومن أهل الخير, ثم حرموا من التعليم, فلجأ الآباء والأمهات لتعليم أبنائهم شفاهة, أبجدية الثقافة السريانية, حدثوهم عن قيامة المسيح, وعن النبي محمد الذي خاطبه ربه: إنك على خلق عظيم, وعن الخير الإنساني في الأديان, وعن أوباش التاريخ, من مجرمين وجلادين كهولاكو وهتلر وآل الأسد. ما أروع أن يجلس أطفال عادوا من أراض وبلدان غريبة ومن الأرض اليباب, يجلسون في صف واحد على مقاعد من خشب سنديان حمص, يدرسهم العربية, أستاذ كان مهجراً أيضاً, فيمنحهم قلبه الدافيء ولسان عربي مبين, يضيء لهم 28 شمعة منيرة, تبدأ بحرف الألف وتنتهي بحرف الياء, ويكبوا أحياناً هؤلاء الفرسان الصغار, فيعبرون تارة بالتركية, وتارة بالانكليزية أو الفرنسية أو الألمانية, يكزون على شفاههم, يطرقون رؤوسهم خجلاُ, لأنهم لم يجيدوا لغتهم العربية بعد, فيحنو عليهم الأستاذ, الذي كان في تركيا, يصطنع أنه أخطأ فيرطن أو ينطق بكلمة كوزال, ثم يعتذر, يكز على شفتيه ويبتسم, يقول: نعم هكذا كنت أخطئء يا أبنائي, لكني اليوم أجيد لغة الآباء والأجداد, وأنتم ستجيدونها خيراً مني, فيندفع الأطفال ليكتبوا على السبورة: بابا.. ماما.. سوريا. مؤسسة بيتي.
في المساءات وفي صحن مقر مؤسسة بيتي, تجتمع نساء جميلات, هن كورال مؤسسة بيتي, وتصدح الموسيقى معلنة بداية البروفة الغنائية, وتصدح الأصوات الجميلة, بأننا سعداء رغم فقرنا ونستقبل صباحاتنا, وأن كل واحدة منهن هي الحلوة في حمص, التي استيقظت باكراً, ويتردد صدى: الحلوة دي قامت تعجن في البدريَّة والديك بِيِنده«كوكو كوكو» بالفجريَّة يلَّا بنا على باب الله يا صنايعيَّة يجعل صباحك؛ صباح الخير يا اسطى عطيَّة صبح الصباح فتَّح يا عليم والجيب ما فيهشِ ولا ملِّيم بس المزاج رايق وسليم باب الأمل بابك يا رحيم
