الإرادة

العيد بين بهجة الطقوس ووجع الغياب

الخط

تكبيرات العيد تتصاعد من المآذن، وتزدحم الأسواق بالناس لشراء الثياب والحلوى وتحضيرات العيد، بينما تفوح رائحة المعمول والقهوة من البيوت، وتتزين المقابر بالزهور وأكاليل الآس والريحان. لكن خلف هذه الطقوس المبهجة، تعيش آلاف العائلات السورية عيداً مختلفاً؛ عيداً بلا قبور تزورها، ولا شواهد تحمل أسماء أحبّتها المفقودين. “أقسى أنواع الفقد أن تبحث عن قبر لتبكي عنده فلا تجد”، تقول لينا. ك التي فقدت والدها بعد اعتقاله، كما فقدت شقيقها خلال الحرب من دون أن تتمكن العائلة من معرفة مكان دفنهما. تضيف: “في الأعياد أتحسس قلبي وأقول: هما هنا”. أما حسام. خ، فيحاول أن يصنع طقساً بديلاً بعد فقد شقيقه، عبر توزيع الطعام والحلوى على المحتاجين، ثم الوقوف أمام صورته المعلّقة على جدار المنزل قائلاً: “كل شيء كما تحب… أنت بيننا دائماً”. في بعض المناطق السورية ظهرت مبادرات رمزية مثل “حدائق التين” في دير مار موسى وداريا وإدلب، حيث زُرعت أشجار تحمل أسماء مفقودين ومعتقلين، محاولةً منح العائلات مكاناً رمزياً للحزن والذكرى. تحوّل الإخفاء القسري خلال سنوات النزاع إلى واحدة من أقسى المآسي في سوريا؛ فالمفقودون بقوا معلّقين بين الحياة والموت، بينما بقيت عائلاتهم محرومة حتى من حق الحداد. لذلك تبدو الحاجة اليوم ملحّة إلى سجل وطني للمفقودين ونُصب تذكارية تحفظ أسماءهم وذاكرتهم، لأن الذين لا قبور لهم يحتاجون أيضاً إلى مكان يحميهم من النسيان.

منصة إرادة، إيمان ليلا:

تكبيرات العيد تتصاعد من المآذن…
وتزدحم الشوارع بمتسابقين إلى الأسواق لشراء حاجات العيد؛ ثياب جديدة، هدايا، وحلوى.
تفوح رائحة المعمول والقهوة من البيوت، وينتظر الأطفال صباح العيد لارتداء الجديد والفوز بالعيدية. تتزين الشوارع لاستقبال الحجاج، وحتى المقابر تتزين بالزهور وأكاليل الآس والريحان.

ورغم كل هذه الطقوس وملامح الفرح، تبقى هناك مشاعر مرتبكة ممزوجة بغصّة عند أولئك الذين فقدوا أحبة. سيضع كثيرون الزهور على القبور، ويرسلون السلام والدعاء لمن رحلوا، لكن هناك من لا يملكون حتى هذه الطقوس؛ أولئك الذين فقدوا ذويهم خلال سنوات الأزمة، من دون قبر، أو شاهد، أو مكان واضح للحزن.

“أقسى أنواع الفقد أن تبحث عن قبر لتبكي عنده فلا تجد”، هكذا تبدأ لينا. ك حديثها عن والدها وشقيقها اللذين فقدتهما خلال الحرب.

تقول إن والدها اختفى بعد اعتقاله، ولم تتلقَّ العائلة أي خبر عنه أو عن مكان دفنه، بينما قُتل شقيقها من دون أن تتمكن العائلة من استعادة جثمانه.

“في الأعياد لا نلجأ إلى القبور، بل أتحسس قلبي وأقول: هو هنا”، تشير إلى صدرها وتتابع: “كذلك أخي، لا مكان دفن له ولا قبر. تدمع عيناي بذكراهما، أقرأ القرآن وأدعو لهما دائماً. لا أنساهما أبداً”.

أما حسام. خ، فيحاول أن يصنع طقساً بديلاً لمواساة نفسه بعد فقد شقيقه. يقول إن صورة أخيه المعلّقة على جدار المنزل أصبحت بمثابة المكان الذي يعود إليه الجميع في العيد.

“في كل عيد نتذكر كم كان محباً للجميع، وكم كان يحب تحضيرات العيد”، يقول حسام. “أعيد بعض الطقوس التي كان يحبها، أوزع الطعام والحلوى على المحتاجين، ثم أعود لأنظر إلى صورته التي تتصدر البيت، وأقول: كل شيء كما تحب… رحمة الله عليك. أنت بيننا دائماً، لا نحتاج لقبر لنزورك”.

في بعض المناطق السورية، حاول الأهالي خلق بدائل رمزية لهذا الغياب المستحيل. ظهرت مبادرات صغيرة حملت معنى يتجاوز البعد التذكاري، مثل “حدائق التين” التي أُنشئت في دير مار موسى وداريا وإدلب، حيث زُرعت أشجار تحمل أسماء معتقلين ومفقودين قضوا تحت التعذيب أو اختفوا خلال سنوات الحرب. بالنسبة لكثير من العائلات، لم تكن تلك الأشجار مجرد نصب رمزية، بل محاولة لخلق مكان يمكن الوقوف أمامه ومخاطبة الغائبين من خلاله.

وفي المقابل، هناك أمهات توجهن في صباح عيد الأضحى إلى مناطق يُعتقد أنها تضم مقابر جماعية مثل منطقة نجها ومقبرة جسر بغداد اللتين تقول رابطة مفقودي صيدنايا أن معظم معتقلي صيدنايا دفنوا فيها إضافة إلى موقع مجزرة التضامن، ومقابر الشهداء في برزة والقابون وداريا والتي تضم عدد من القبور لمجهولي الهوية. 

بالأمس كثير من العائلات وضعن الريحان فوق تراب مجهول، من دون يقين بأن أبناءهن هناك فعلاً. فقط حدس الأمهات، وذاكرة الخوف، ورغبة أخيرة في العثور على أثر. 

في سوريا، تحوّل الإخفاء القسري خلال سنوات النزاع إلى واحدة من أكثر المآسي قسوة وتعقيداً، ليس فقط بسبب أعداد الضحايا الهائلة، بل لأن المفقودين ظلّوا معلّقين خارج الزمن؛ لا هم أحياء يمكن انتظارهم، ولا موتى يمكن دفنهم والبكاء عليهم. ومع كل عيد، يعود هذا الفراغ ليفتح الجرح من جديد.

في الثقافة السورية، للقبر وظيفة تتجاوز الدفن. هو مكان للصلة والاستمرار، مساحة صغيرة تحفظ اسم الإنسان من الاختفاء الكامل. لذلك يبدو حرمان عائلات المفقودين من معرفة مصير أحبّائهم نوعاً آخر من العنف؛ عنف يطاول الذاكرة نفسها. فالحداد يحتاج إلى يقين، والتذكر يحتاج إلى مكان.

في تجارب العدالة الانتقالية حول العالم، أدركت مجتمعات كثيرة أن إعادة بناء الحياة بعد الحروب لا تبدأ فقط بالمحاكم أو الاتفاقات السياسية، بل أيضاً بإعادة الاعتبار للضحايا وخلق ذاكرة عامة لهم. في الأرجنتين، تحوّل ملف “المختفين قسرياً” إلى جزء أساسي من الهوية الوطنية بعد سقوط الديكتاتورية، عبر الأرشفة والنصب التذكارية ومسيرات الأمهات اللواتي رفضن الصمت. وفي جنوب أفريقيا، لم يكن الاعتراف العلني بآلام الضحايا تفصيلاً رمزياً، بل خطوة ضرورية نحو أي مصالحة ممكنة.

أما في سوريا، فما يزال ملف المفقودين مؤجلاً ومفتوحاً على النسيان. لا توجد حتى الآن آلية وطنية شفافة تكشف مصائر الغائبين أو تحفظ أسماءهم، حتى ان معظم العائلات لم تستطع حتى الآن استخراج وثيقة وفاة. ولا تعرف في أي سنة قتل ابنها وكيف وأين دفن؟. وكأن آلاف المغيبين مهددون بالمحو مرتين: مرة حين اختفوا، ومرة حين يُترك ذووهم وحدهم في الرحلات المضنية لمعرفة مصير أحبتهم ومحاولة الوصول إلى خاتمة تضمد جراحهم وقصصهم المفتوحة.

ربما لهذا تبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى ما هو أبعد من التقارير الحقوقية. إلى سجل وطني للمفقودين، وأماكن عامة تحمل أسماءهم، ونُصب تذكارية تتيح للعائلات أن تجد مكاناً للحزن والزيارة. لأن الذين لا قبور لهم، يحتاجون أيضاً إلى ذاكرة تحميهم من الاختفاء النهائي.

وفي عيد اعتاد السوريون فيه أن يزرعوا الآس والريحان فوق قبور أحبّائهم، تبقى المأساة الأكبر لعشرات آلاف العائلات أنها لا تعرف أين تزرع هذا الريحان أصلاً…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *