الإرادة

ماما سهير… قلبٌ اتّسع لعشرات الأطفال في دمشق

إعداد:ماريا قيومجيان

الخط

تناول المقال قصة جمعية بيت العيلة في دمشق – المزرعة، التي تحولت منذ أكثر من أربعين عامًا إلى مساحة تعليم ورعاية واحتواء لأطفال متلازمة داون، بفضل جهود ماما سعاد وإيمانها بأن هؤلاء الأطفال يمتلكون قدرات قابلة للتطوير إذا مُنحوا الفرصة المناسبة. يعرض المقال منهجية الجمعية في التدخل المبكر عبر تقييم قدرات كل طفل ووضع برنامج فردي يساعده على تطوير مهاراته في التفكير، القراءة، الكتابة، والحساب، إلى جانب الاهتمام بالرياضة وبناء الثقة بالنفس من خلال أنشطة مثل الإيكيدو والجيدو. كما يسلط الضوء على دور المعلمات في مرافقة الأطفال بصبر ومحبة، وعلى أهمية مشاركة الأهل في دعم تطور أبنائهم داخل البيت. وفي النهاية، يقدم “بيت العيلة” كنموذج إنساني يؤكد أن الحب، حين يقترن بالعلم والإيمان بالقدرات، يمكن أن يغيّر حياة الأطفال ويفتح أمامهم فرصًا جديدة للاندماج والنجاح.

“بيت العيلة” يفتح أبوابه كل صباح ليمنح أطفال متلازمة داون فرصة جديدة للحياة

في دمشق، وتحديداً في منطقة المزرعة، يقف مكان يحمل اسماً يشبه روحه: بيت العيلة.

هنا، لا يُنظر إلى أطفال متلازمة داون بوصفهم حالات تحتاج إلى رعاية فقط، بل كأبناء في عائلة كبيرة، لكل واحد منهم مكانته، وخصوصيته، وحقه في التعلم، والفرح، والاندماج.

داخل هذا البيت، تتحول التفاصيل اليومية الصغيرة إلى إنجازات كبيرة؛ خطوة أولى، كلمة جديدة، مهارة مكتسبة، أو ابتسامة تؤكد أن الفرصة حين تُمنح بصدق، قادرة على تغيير حياة طفل بأكملها.

امرأة آمنت بأن القدرات أكبر من التوقعات

وراء هذا المكان تقف ماما سهير، امرأة حملت الإيمان بأطفال متلازمة داون قبل أن تحمله في مشروع أو مؤسسة. كانت ترى في كل طفل قدرة كامنة، وفي كل تأخر فرصة للعمل لا سبباً للاستسلام.

لطالما ردّدت عبارتها التي تحولت إلى فلسفة عمل داخل الجمعية:

“أطفال متلازمة داون تربة خصبة قابلة للتطوير… فقط امنحوهم الفرصة.”

لم تكن هذه الجملة شعاراً عابراً، بل رؤية تربوية وإنسانية بُني عليها “بيت العيلة” منذ أكثر من أربعين عاماً.

من تجربة شخصية إلى رسالة إنسانية

نشأت ماما سعاد في أسرة تضم أخوين من ذوي الإعاقة، فكان القرب من هذا العالم بداية وعي مبكر باحتياجاته وتحدياته. اختارت دراسة التربية الخاصة، لا لتفهم فقط، بل لتكون جزءاً من الحل.

ومع السنوات، تحوّل الفهم إلى رسالة، والرسالة إلى بيت مفتوح، والبيت إلى عائلة واسعة تضم عشرات الأطفال الذين وجدوا في “بيت العيلة” ما هو أبعد من التعليم:
وجدوا الأمان، والانتماء، ومن يؤمن بقدرتهم على التقدم.

التدخل المبكر… حين يصبح العلم جسراً نحو المستقبل

تعتمد جمعية بيت العيلة على منهجية تربوية دقيقة تبدأ بتقييم العمر العقلي لكل طفل، ثم إعداد برنامج فردي يناسب قدراته واحتياجاته، بعيدًا عن القوالب الجاهزة أو المقارنات غير العادلة.

ويقوم البرنامج التعليمي على مراحل متدرجة تشمل:

تقييم العمر العقلي وفهم مستوى الطفل بدقة.
تنمية المحاكمة العقلية وتعزيز التفكير والتحليل.
التهجئة وتأسيس مهارات القراءة.
توصيل الكلمات وبناء المعنى.
التحليل والتركيب كمرحلة أساسية قبل الكتابة.
الكتابة والانتقال من الفهم إلى التعبير والإنتاج.
الحساب الذهني بما يدعم الاستقلالية والسرعة الذهنية.

هذه الخطوات لا تُقدَّم كدروس فقط، بل كرحلة طويلة من الصبر والمتابعة، هدفها أن يكتسب الطفل أدوات تساعده على فهم محيطه والتفاعل معه بثقة أكبر.

من دمشق إلى العالم… إرادة تتجاوز الحدود

لا تقف رسالة الجمعية عند التعليم الأكاديمي، بل تمتد إلى بناء الثقة بالنفس، وتنمية المهارات الجسدية والاجتماعية. لذلك يشارك الأطفال في تدريبات رياضية مثل الإيكيدو والجيدو، حيث يتعلمون الانضباط، والتوازن، والسيطرة على الجسد، والعمل بروح الفريق.

ومع التدريب والإصرار، شارك عدد من أطفال الجمعية في بطولات دولية وعالمية، وحققوا نتائج مشرّفة، حاملين معهم صورة مختلفة عن أطفال متلازمة داون: صورة القدرة حين تجد من يراها، والإنجاز حين يجد من يدعمه.

المعلمات… القلب النابض لبيت العيلة

وراء كل تقدم يحققه طفل، تقف معلمة تعمل بصبر واحترافية ومحبة. فالتعامل مع أطفال متلازمة داون يحتاج إلى معرفة متخصصة، ومتابعة دقيقة، وجهد نفسي وعاطفي كبير.

لكن هذا العمل الإنساني يواجه تحديًا دائمًا، يتمثل في الحاجة إلى تحسين أجور المعلمات، بما يتناسب مع طبيعة الجهد المبذول والمسؤولية اليومية التي يحملنها.

فالعمل داخل “بيت العيلة” لا يقوم على التعليم وحده، بل على علاقة طويلة من الثقة والرعاية، تجعل المعلمة أقرب إلى أم ثانية ترافق الطفل خطوة بخطوة.

الأهل… شركاء 

تؤمن الجمعية بأن نجاح الطفل لا يكتمل داخل المركز فقط، بل يحتاج إلى بيئة منزلية داعمة ومتفهمة. لذلك تعمل “بيت العيلة” على تنظيم جلسات توعية مستمرة للأهالي، بهدف تعزيز المتابعة المنزلية، وتشجيع التعزيز الإيجابي، ودعم المهارات التي يكتسبها الطفل داخل الجمعية.

فالعائلة، في رؤية الجمعية، ليست متلقية للخدمة فقط، بل شريك أساسي في رحلة الطفل نحو الاستقلال والثقة والاندماج.

بيت العيلة… حيث تُصنع الحياة من جديد

بعد أكثر من أربعين عامًا من العطاء، أصبحت جمعية بيت العيلة في دمشق – المزرعة نموذجاً إنسانياً في رعاية وتعليم أطفال متلازمة داون.

أما ماما سهير، التي اختارت أن تجعل من قلبها بيتاً، فقد أصبحت أمًا لعشرات الأطفال الذين وجدوا فيها حضنًا آمنًا، وفي الجمعية عائلة تمنحهم القوة، وتفتح لهم أبواب الحياة بثقة وكرامة.

إنها قصة تقول إن الإنسانية ليست شعوراً عابراً، بل قرار يومي.
وإن الحب، حين يقترن بالعلم والصبر، قادر على أن يغيّر المصير.

صفحة الجمعية على الفيس بوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *