قبل أقل من شهر على بدء امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية في سوريا، يعيش آلاف الطلاب في محافظة السويداء حالة من القلق وعدم اليقين، بعد قرار وزارة التربية والتعليم في الحكومة السورية الانتقالية نقل المراكز الامتحانية الخاصة بالمحافظة إلى دمشق وريف دمشق حصراً. القرار، الصادر في 14 أيار/مايو 2026 بتوجيه من الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، جاء عقب فشل مفاوضات استمرت أكثر من شهرين بين وزارة التربية في دمشق ومديرية التربية والتعليم في السويداء، التي تعيش قطيعة إدارية ومالية مع الحكومة المركزية منذ أيلول 2025. وتقول الحكومة إن نقل الامتحانات يهدف إلى ضمان نزاهة العملية الامتحانية والحفاظ على الاعتراف الرسمي والدولي بالشهادة السورية، معتبرة أن الإشراف المباشر على الامتحانات مسألة سيادية، خاصة بعد أزمة العام الماضي حين أُجريت امتحانات محلية داخل السويداء وأثارت إشكالات تتعلق بالاعتراف بالشهادات والقبول الجامعي. في المقابل، ترى فعاليات مدنية وأهالٍ في السويداء أن القرار يضع الطلاب أمام أعباء مالية وأمنية تفوق قدرتهم، في ظل الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه المحافظة منذ منتصف 2025، وانقطاع الرواتب وتوقف المصارف وصعوبة التنقل. كما فشلت مقترحات محلية لإجراء الامتحانات داخل السويداء تحت إشراف جهات محايدة، بينها دائرة العلاقات المسكونية ومجلس الكنائس العالمي، بسبب الخلاف حول مرافقة عناصر من الأمن العام لوفود الامتحانات وصناديق الأسئلة. الأزمة انعكست بشكل خاص على الطلاب الفقراء وذوي الإعاقة، الذين لا تتوافر لهم حلول واضحة تتعلق بالنقل أو الإقامة أو تهيئة المراكز الامتحانية المناسبة. ورغم الاحتجاجات والمطالبات بتحييد التعليم عن الصراع السياسي، ما تزال الأزمة مفتوحة، بينما يجد آلاف الطلاب أنفسهم عالقين بين اعتبارات السيادة والخلافات المحلية، وخطر خسارة مستقبلهم الدراسي.
استمع للمقال
منصة إرادة، مادلين جليس:
قبل أقل من شهر على بدء امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية في سوريا، يعيش آلاف الطلاب في محافظة السويداء حالة من القلق والخوف، بعد أن تحولت الامتحانات هذا العام إلى ملف سياسي وأمني مفتوح، يهدد مستقبلهم الدراسي ويضعهم أمام خيارات قاسية لا يملكون التحكم بها.
فبينما يستعد الطلاب في بقية المحافظات للتوجه إلى مراكزهم الامتحانية القريبة منهم، يواجه طلاب السويداء واقعاً مختلفاً بالكامل: عليهم مغادرة محافظتهم نحو دمشق وريفها لتقديم الامتحانات، أو المجازفة بخسارة عام دراسي جديد. بالنسبة لهم، ليست هذه المسألة مجرد امتحان نهائي، وإنما تجربة ثقيلة مليئة بالخوف والكلفة والضياع.
المسافة بين دمشق والسويداء أصبحت معركة تعليمية لكسر عظم السياسي، لكنها معركة في الحقل التعليمي، مساحة لطالما قيل أنها يجب أن تكون معزولة عن أي خلاف سياسي أو أمني، منطقة منزوعة السلاح، تصبح مزروعة بالألغام.
قرار من دمشق... ومبررات الحكومة
في 14 أيار 2026، أصدرت وزارة التربية والتعليم في الحكومة السورية الانتقالية قرارها الرسمي القاضي بنقل امتحانات شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة، بجميع فروعها، لطلاب السويداء حصراً إلى مراكز امتحانية بديلة في دمشق وريف دمشق.
القرار، الذي صدر بتوجيه رسمي مصدّق من الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ، جاء بعد انهيار مفاوضات استمرت أكثر من شهرين بين وزارة التربية في دمشق (برئاسة الوزير محمد عبد الرحمن تركو) ومديرية التربية والتعليم في السويداء ، التي كانت قد أعلنت منذ أيلول 2025 قطيعتها الإدارية والمالية مع الوزارة المركزية.
وتؤكد وزارة التربية أن القرار لا يستهدف طلاب السويداء أو حقهم بالتعليم، بل يهدف إلى ضمان نزاهة العملية الامتحانية ووحدة الشهادة السورية والاعتراف الرسمي والدولي بها.
وبحسب مسؤولين في الوزارة، فإن الحكومة الانتقالية تعتبر الامتحانات العامة “ملفاً سيادياً” لا يمكن إدارته خارج إشراف الدولة المباشر، خاصة بعد أزمة العام الدراسي الماضي، حين أُجريت امتحانات محلية داخل السويداء بصورة منفصلة ، مما تسبب لاحقاً بإشكالات تتعلق بالاعتراف بالشهادات والقبول الجامعي قبل أن تتدخل وزارة التعليم العالي استثنائياً لتسوية أوضاع طلاب السويداء بجامعة دمشق.
كما ترى الوزارة أن وجود فرقها الإدارية والأمنية المرافقة لصناديق الأسئلة والعملية الامتحانية يعد جزءاً من مسؤوليتها القانونية في حماية الامتحانات ومنع أي خروقات قد تمس بمصداقية الشهادة السورية. في المقابل، تعتبر فعاليات محلية ومدنية في السويداء أن نقل الامتحانات يمثل ضغطاً على الطلاب وعائلاتهم، ويمس بحقهم في تقديم الامتحانات داخل محافظتهم أسوة ببقية المحافظات السورية، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية والأمنية المعقدة.
"إما الطريق... أو خسارة السنة"
وبين تمسك الحكومة بقرارها وتمسك سلطات السويداء في رفضها، تضيع أحلام الطلاب بين الأرجل، خاصة أن أعداداً كبيرة منهم ليس لديهم القدرة المادية الكافية لتطبيق القرار والتنقل بين دمشق والسويداء، أو حتى السكن في دمشق أو ريفها طيلة فترة الامتحانات. وبسبب ذلك، استسلمت أعداد كبيرة من الطلاب للأمر الواقع إلى حين تصبح الأمور أوضح بشأنهم، كما فعلت (مريم ، د) التي رأت أن عدم التقدم لامتحانات ٢٠٢٦ هو الأنسب لظروف أهلها المادية، خاصة أنها تقدمت في العام الفائت، وحصلت على معدل ٩٥٪، لكنها لن تستطع مغادرة محافظتها هذا العام، فلا مال ولا سكن يدعمها في هذه الخطوة. بالنسبة لعائلتها، تبدو رحلة الامتحانات إلى دمشق رفاهية مستحيلة. لا قدرة على استئجار منزل، ولا أقارب يمكن الإقامة عندهم، ولا حتى ضمانات واضحة بشأن الأمان والتنقل. تنتظر مريم أن تحدث معجزة تعوّض خسارتها عامين دراسيين، وتنقذ مستقبلها.
مثل مريم، بدأ كثير من الطلاب بالتفكير جدياً بتأجيل امتحاناتهم، خاصة بعد تجربة العام الدراسي الماضي، حين دخل طلاب السويداء في أزمة اعتراف بشهاداتهم بعد تنظيم امتحانات محلية داخل المحافظة. على الطرف الآخر، اختارت سيدرا خوض الرحلة رغم كل شيء. منذ أسابيع، تبحث مع عائلتها عن غرفة صغيرة أو منزل متواضع في منطقة جرمانا بريف دمشق، التي تعتبرها عائلتها “أكثر أماناً” مقارنة بمناطق أخرى.
لكن حتى هذا الحل يبدو مرهقاً ومكلفاً. وتضيف: “كل يوم نسمع رقماً جديداً للإيجارات والنقل… أشعر أحياناً أن الامتحان الحقيقي ليس في المدرسة”.
اقتصاد منهار يزيد العبء
لا يمكن فصل أزمة الامتحانات عن الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه السويداء منذ أحداث تموز 2025، حين توقفت المصارف الحكومية عملياً عن العمل داخل المحافظة، وتراجعت عمليات تحويل الرواتب والسيولة النقدية.
ويشكو آلاف الموظفين والمعلمين من انقطاع رواتبهم لأشهر طويلة أو تأخرها بشكل متكرر، في وقت تعاني فيه العائلات من نقص السيولة وارتفاع تكاليف المعيشة والتنقل.
ويشكو آلاف الموظفين والمعلمين من انقطاع رواتبهم لأشهر طويلة أو تأخرها بشكل متكرر، في وقت تعاني فيه العائلات من نقص السيولة وارتفاع تكاليف المعيشة والتنقل.
وتقول سيدرا إن والدتها، وهي معلمة، لم تتقاضَ سوى دفعات محدودة ومتقطعة خلال الأشهر الماضية، بينما تواجه العائلة صعوبات إضافية في تحصيل راتب والدها التقاعدي بعد حصر عمليات الصرف في دمشق وفرض إجراءات مصرفية معقدة.
ولا تقتصر الأزمة على قطاع التربية، إذ تفاقمت معاناة موظفي القطاع العام والمتقاعدين بعد حصر عمليات قبض الرواتب في دمشق، مع رفض عدد من المصارف قبول الوكالات القانونية العامة، ما أجبر كثيراً من العائلات على السفر شخصياً واضطرهم لدفع عمولات لوسطاء وسماسرة مقابل سحب مستحقاتهم المالية من العاصمة.
ذوو الإعاقة... الأكثر تهميشاً
وسط كل هذا الجدل السياسي والأمني، يبدو طلاب ذوو الإعاقة الحلقة الأكثر غياباً عن النقاش العام. فحتى الآن، لا توجد ترتيبات واضحة تتعلق بآلية نقلهم أو إقامتهم أو تهيئة المراكز الامتحانية المناسبة لهم في دمشق وريفها، رغم أن كثيراً منهم يعتمدون على دعم يومي من عائلاتهم في التنقل والرعاية.
بالنسبة للطلاب ذوي الإعاقات الحركية، تبدو فكرة الانتقال بين المحافظات والإقامة المؤقتة في أماكن غير مجهزة شبه مستحيلة، خاصة مع ارتفاع تكاليف النقل الطبي وصعوبة الوصول إلى وسائل مواصلات مناسبة.
أما الطلاب الذين يحتاجون إلى مرافق دائم أو ظروف امتحانية خاصة، فلا توجد حتى الآن أي ضمانات معلنة بشأن كيفية التعامل مع أوضاعهم.
وتقول والدة طالب من ذوي الإعاقة الحركية: “الجميع يتحدث عن السيادة والسياسة… لكن لا أحد سأل كيف سيصل ابني إلى قاعة الامتحان”.
بين السيادة وحق التعليم
تعيد الأزمة الحالية إلى أذهان كثير من السوريين تجربة عام 2013، حين رفضت الحكومة السورية آنذاك الاعتراف بشهادات طلاب المناطق الخارجة عن سيطرتها، ما تسبب بحرمان آلاف الطلاب من التسجيل الجامعي والمعاملات الرسمية.
واليوم، تقول الحكومة الانتقالية إنها تسعى لمنع تكرار هذا السيناريو، وترى أن توحيد الامتحانات والإشراف المباشر عليها جزء من معركة السيادة وإعادة الاعتراف بالدولة.
لكن في المقابل، تقول القوى المحلية في السويداء أن أي حل لا يراعي ظروفهم الاقتصادية والأمنية يبقى ناقصاً، مهما كانت مبرراته القانونية أو السيادية.
داخل هذا الجدل، يتحول الطلاب مجدداً إلى ضحايا لصراع النفوذ والإدارة، ويدفعون ثمن الانقسام السياسي القائم.
وفي بلد أنهكته الحرب والانقسامات، تبدو المعضلة الحقيقية أبعد من مكان الامتحان نفسه: كيف يمكن حماية حق التعليم من التحول إلى أداة ضغط في الصراعات السياسية والأمنية؟
