الإرادة

مهرجان حمص المسرحي: هل بدأ المسرح السوري يتنفس الحرية؟

الخط

افتتح مهرجان حمص المسرحي، الذي أقامته مديرية ثقافة حمص بالتعاون مع جمعية إنجي بين 17 و21 أيار، أولى عروضه بمسرحيتي “سيد الخشبة” و”بورتريه”، وهما عرضان اقتربا من موضوعات الحرية والحب والقمع والذاكرة، لكن من زاويتين مختلفتين شكلاً ومضموناً. في العرض الأول، “سيد الخشبة”، قدّم الفنان زيناتي قدسية، كتابة وتمثيلاً وإخراجاً، مونودراما تدور حول شخصية “مرزوق”، الممثل العجوز الذي يتشبث بالمسرح بوصفه مساحة للبوح وكلمة للحق، في مواجهة الاستبداد وخراب الحياة العامة. واستعاد العرض، عبر مونولوجات طويلة، المأساة الفلسطينية بوصفها جزءاً من مأساة عربية أوسع، كما استدعى شخصيات ورموزاً مثل الحلاج، وربط بين المسرح وفكرة التضحية من أجل الحقيقة. اعتمد العرض على حضور زيناتي قدسية وخبرته الطويلة في المسرح المونودرامي، ونجح في خلق تواصل مباشر مع الجمهور عبر الصعود إلى الخشبة من بين الحضور، ومخاطبتهم وكسر الحاجز التقليدي بين الممثل والمتفرج. غير أن النص عانى، في بعض مواضعه، من النقلات الدرامية المفاجئة والمقاطع الخطابية المباشرة، إضافة إلى ضعف الانسجام بين أداء قدسية الحي والأصوات المسجلة التي شاركته الحوار داخل العرض. أما العرض الثاني، “بورتريه”، الذي أعده وأخرجه ومثله محمد الشعراني مع جودي الشعراني، فقد استلهم أسطورة “بجماليون” الإغريقية، عبر حكاية الرسام صلاح، الذي تخرج حبيبته عفاف من اللوحة التي رسمها لها، لتتحول الحكاية تدريجياً إلى قصة سورية معاصرة عن الاعتقال والقمع والغياب. واستند العرض إلى نص الكاتب المصري عصام نبيل، قبل أن يعمل الشعراني على “سورنة” الحكاية وإدخال تفاصيل مرتبطة بالسياق السوري، إذ تتحول عفاف من مجرد امرأة خارجة من لوحة إلى شخصية تحمل آثار الاعتقال وفقدان الأب والعيش تحت القمع. وفي نهاية العرض تعود عفاف إلى إطار اللوحة، بينما يظل صلاح يناديها، معلناً أن “الطاغية هرب”، في محاولة لاستعادتها واستعادة الحياة معها. وبين مونودراما “سيد الخشبة” ذات النفس الخطابي السياسي، و”بورتريه” التي اقتربت من الحكاية الرمزية والشاعرية، بدا العرضان محاولة أولى للاقتراب من أسئلة المسرح السوري بعد التحرير، وأسئلة الإنسان السوري المثقل بالذاكرة والمنفى والخسارات.

منصة إرادة- عبد الكريم عمرين

أقامت مديرية ثقافة حمص، بالتعاون مع جمعية إنجي، مهرجان حمص المسرحي بين 17 و21 أيار، وهو أول مهرجان مسرحي تشهده المدينة بعد سقوط النظام. وتضمن برنامج المهرجان خمسة عروض مسرحية جاءت من مدن وتجارب مختلفة، توزعت بين المونودراما، والاقتباس من نصوص عربية وعالمية، إضافة لنص سوري وحيد. في هذه العروض حضرت موضوعات الحرية، والمنفى، والسجن، والحب، والهجرة، والذاكرة، بوصفها موضوعات تكاد تشكل الوعي السوري الراهن، لكن حضورها على الخشبة اتخذ أشكالاً متفاوتة؛ بعضها اقترب من بناء لغة مسرحية حقيقية، وبعضها بدا أسير المباشرة أو الخطابة أو النهايات المضافة على عجل.

بدت خشبة المسرح، في معظم العروض، كأنها تحاول استعادة علاقتها بالجمهور بعد سنوات طويلة من الخوف والرقابة والتوجيه المباشر، لكن السؤال الذي ظل حاضراً في هذه الأعمال كان أبعد من مجرد العودة إلى المسرح نفسه: هل يكفي سقوط الرقابة كي يولد مسرح جديد؟ وهل يستطيع المسرحي السوري اليوم أن يتحرر فعلاً من آليات التفكير والإخراج والكتابة التي تشكلت خلال عقود طويلة من الاستبداد؟ وأي مسرح يمكن أن يولد في سوريا بعد كل هذا الخراب؟

سنتعرض لهذه العروض تباعاً، منوهين أننا ركزنا على موضوعات العروض وتوجهها نحو مسرح جديد، يعكس جدة الحياة في سوريا الحالية. فالمهمة الأكثر إلحاحاً اليوم ليست الحديث عن التقنيات المسرحية، على أهميتها، وخصوصاً في التمثيل والإخراج والسينوغرافيا، بقدر ما هي محاولة الإجابة عن سؤال: كيف نصنع مسرحاً جديداً حراً لإنسان حر؟ 

العرض الأول: “سيد الخشبة” وسؤال الفنان الحر

العرض الأول في مهرجان حمص المسرحي كان لفرقة قناديل المسرحية، من تأليف يوسف الحمدان وزيناتي قدسية، ومن إخراج وتمثيل زيناتي قدسية.

بدأ قدسية مشواره في مدينة إربد شمالي الأردن عام 1971، وهو من مواليد قرية إجزم في حيفا الفلسطينية، وقدم عشرات المسرحيات في دمشق، وعدداً من الأعمال التي تناولت المأساة الفلسطينية، قبل أن يستقر في مدينة حمص، حيث قدم عمله الأخير في افتتاح مهرجانها المسرحي الأخير بعنوان “سيد الخشبة”.

وسيد الخشبة عرض مسرحي يغوص في الهم والمأساة الفلسطينية، لا بل قل المأساة العربية. وكعادة زيناتي قدسية في معظم عروضه المونودرامية، يصعد خشبة المسرح من الصالة، فيمر بالجمهور مغنياً أو مرحباً وملقياً سلامه، ثم يصعد الخشبة ويخاطب الجمهور: «جئتكم باسطاً نفسي كصفحة الكف، عارياً كشجر الخريف، شفيفاً كأرواحكم». ثم يعرف عن نفسه: «أنا مرزوق يا إخوتي.. منذ أن تحررت من سجن الورق وخرجت إلى الحياة، سمعتهم ينادونني مرزوق».

ويلوم شريكه في تأليف النص، يوسف الحمدان، على تسمية الشخصية التي يلعبها باسم مرزوق، فيصدر صوت عميق يقول: «أسميتك مرزوق، وحيداً جعلتك أنت والخشبة التي تعشق، ثم جعلتك تقول كلمة الحق ولو على قطع رأسك». هنا تثور ثائرة مرزوق عند جملة «قطع رأسك»، وفيها المدخل الدرامي للنص والعرض معاً، فكلمة الحق تعني خازوقاً، ويخاطب الجمهور: إن الذين نادوا بالحق «قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، ثم جزت أعناقهم وصُلبوا»، في إشارة إلى المصير المأساوي للحلاج. لكن الصوت العميق يطمئنه ويطلب منه تأمل خشبة المسرح التي يعشقها مرزوق، ومفتتح العشق البوح، كما يخاطب مرزوق الجمهور، ويقرر أن العشق هو الولادة الثانية للإنسان.

حكاية تبدأ قبل صعود الخشبة

لكن صوتاً جديداً يملأ فضاء صالة المسرح، يطلب من مرزوق مغادرة المسرح، إنه مدير المسرح الذي ينعت مرزوق بالممثل العجوز الذي لا خير فيه. لكن مرزوق يربض في مكانه ويتشبث بالخشبة، فهي له منذ خمسين عاماً، ثم يفضح مدير المسرح فيخبر الجمهور: «كان أبوه متضمناً لكافتيريا المسرح، يعرف الداخل والخارج وخطه جميل، وكان هذا المدير يعمل في ورشة لفتح البلاليع، ثم عمل كومبارساً في عروضه المسرحية، ثم توظف مستخدماً وصار حزبياً، ثم صدر قرار تعيينه مديراً للمسرح»، وبدأ خراب المسرح على يدي هذا المدير.

ويعود إلى قصص العشق، بعد مغادرة صوت المدير، فيورد بعض قصص العشق العربية المعروفة وبعض الأبيات من أشعار العشاق، ثم يسرد صراعه مع من عشقها، والتي طالبته بترك المسرح شرطاً لارتباطها به، ويعلن أمامها: «اذهبي إلى غير رجعة»، ويهيم بمونولوج صغير يخاطب فيه الخشبة التي أقعى فيها، وينشد بيتين من قصيدة الحلاج، بعد تحوير طفيف فيهما:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا

وفي نقلة “درامية” بدت خارج سياق العشق، يعلن مرزوق أنه جاء إلى الخشبة لا لأجل سرد حكايات العشق والعشاق، ويقول: «بل جئت لأعلن كلمة الحق وأقدم شهادتي بين هذا الجمع الكريم». ويسرد أن المشكلة ليست وجود هكذا مدير، «بل المشكلة هناك، في مصنع الضباع، مصنع الطاغية المستبد». ويلقي خطبة عن آلية الاستبداد وما يفعله بالناس، من نهب أموالهم وفرض الضرائب الباهظة والسجون. المستبد الذي أوجد أمثال هذا المدير، ففي زمنهم صارت المسارح مواخير، ويعدد ممارسات الطاغية وأعوانه، ثم يسأل الجمهور: «سألتكم بالله أيها المحترمون، كيف يمكن لبلاد يحكمها مثل هؤلاء أن تزدهر، وأن تكون لها مكانة بين الأمم؟!».

يشكو مرزوق من العيش تحت حكم الطاغية، وقد طفح به الكيل بعد خمسة عشر عاماً من الظلم، فقرر الانسحاب وبيع كتبه تحت تمثال لقائد عسكري عربي. فيرفع كتب عظماء الأمة العربية ليبيعها ويدلل عليها كما يبيع بائع الخضرة بضاعته، فيعرض كتب شعراء كأبي تمام، وشكسبير، ونزار قباني، ومحمود درويش، وأبي الطيب المتنبي، مقدماً نماذج من شعر هؤلاء الفطاحل. لكن لا أحد يشتري تراثاً مجيداً وشعر عباقرة الأمة ووجدانها.

فيلحظ أن ثمة عجوزاً يجلس جانب التمثال، «يجلس صامتاً وفي حضنه بقجة»، فيقترب منه وقد قرر إهداءه كتابين، ما دام أنه لا أحد يشتري منه كتبه. ويتبين لمرزوق، بعد محادثته، أن العجوز ينتظر الباص الذاهب إلى حيفا في فلسطين، وأنه ينتظر في مكانه منذ عام 1948، وأنه نزح حين قالوا له، بعد قصف بالطائرات والمدافع، إنه سيعود بعد أسبوع. لكن، في منتصف الطريق، يتذكر العجوز أن أمه تركت ببور الكاز مشتعلاً، فطلبت منه أن يعود ويطفئ الببور خوفاً من أن يحرق البيت.

ويعود مرزوق ليبيع كتبه التي لن يشتريها أحد، ويوغل القلق في صدره مخافة الجوع، ويخاطب أولئك الذين يريدون تجويعه: «مهما حاولتم تجويعي فأنا ما زلت حياً، ولأنني حي، فأنا مشروع، أملك قابلية الموت آلاف المرات».

وبعد حوار ساخن مع صوت المدير، يدلي مرزوق بموقفه واضحاً وصريحاً: «أنا المسرح، يعني أنا قضية. حين تقتلون كل صوت إبداعي شريف، فأنا قضية… حين يُدمرون غزة عن بكرة أبيها، ويحولون أطفالها إلى مزق وأشلاء، وعالم قذر صامت يتفرج على موتنا». وفجأة يعلن أنه يعرف مصيره: «يكفيني شرفاً أني عشت حياتي ناصع الجبين، ملتحماً بقضايا أمتي، وناضلت كل هذا العمر كي أكون جديراً بالحياة، بقي الآن أن أكون جديراً بالموت». ونسمع صوت طلقات نارية، فيشهق ميتاً، ثم يستدير إلى الجمهور، ويختم العرض بـ: «كان يا ما كان، كان هناك فنان.. فنان يموت واقفاً» مع موسيقى الختام.

العجوز الفلسطيني المنتظر

وكشأن الفنان زيناتي قدسية، في معظم عروضه المونودرامية، يختار أن يصعد خشبة المسرح من بين الجمهور، فيحادث جمهوره أو يغني، ممهداً، وهو يمر بين الناس، لبنية عرضه العاطفية. وعلى المنصة يرتجل بذكاء، ويحادث الجمهور في فعل مسرحي، فيأخذ رأيه، ونادراً ما يوقظ المتفرج البليد، وخصوصاً إن كان أحد المسؤولين، فينبهه أن الموقف هنا يستدعي الضحك يا أخينا، فتضج الصالة بالضحك. وفعل ذات الشيء في عرضه “سيد الخشبة” في حمص، إذ صعد من الصالة، لا بل كانت الصالة جزءاً من منصة المسرح.

لا شك أن زيناتي قدسية ممثل مبدع، ومن أعماله المسرحية وجهده الإبداعي فيها تبوأ مكاناً مميزاً في المسرح السوري، واستحق أن يُنعت برائد المسرح المونودرامي.

لكن عرض “سيد الخشبة” كان يشكو من ضعف النص في بعض المواضع، وفي النقلات “الدرامية” الفجائية، ما أتعب الفنان قدسية، فقد بذل جهداً مضاعفاً كي يجعل السرد عن الطاغية، مثلاً، ويضفي بأدائه الحياة على سطور جافة إخبارية سردية. كما بدا حواره مع الشخصيات، من خلال أصواتها المسجلة والمبثوثة عبر البافلات، مشتتاً كوحدة أدائية.

وأرى أنه لو أدى زيناتي دور مدير المسرح، ودور حوار يوسف الحمدان، كما فعل بأداء دور العجوز عساف الذي كان ينتظر منذ عام 1948 الباص لينقله إلى حيفا، لكانت تلك المشاهد أكثر روعة، بسبب إبداع قدسية في تجسيد الشخصيات، ولسبب مهم أيضاً، هو عدم وجود فوارق وتناغم بين أداء زيناتي والأداء بالتسجيل الصوتي.

ومن جانب آخر، ثمة تناقض في بنية شخصية مرزوق، فهو يخاف قول الحق في بداية المسرحية، ويعرف أن قول الحق يتبعه خازوق، ثم في موضع آخر من النص ـ العرض يقول: «بل جئت لأعلن كلمة الحق وأقدم شهادتي بين هذا الجمع الكريم». ثم إنه، بعد أن استكان واستسلم وقرر بيع كتبه، ينتفض فجأة ليعلن: «ناضلت كل هذا العمر كي أكون جديراً بالحياة.. بقي الآن أن أكون جديراً بالموت». لكن قوى الشر تطلق عليه النار من مصدر مجهول، فيسقط جثة هامدة.

وهذا التناقض قام قدسية بتلافيه وتغطيته بأداء مبدع، نتمنى له معه عمراً مديداً ليضيف إبداعاً إثر إبداع على خشبات المسارح السورية.

المونودراما بوصفها مسرحاً مستقلاً

يعتقد كثيرون أن المونودراما ليست من المسرح في شيء، بينما يصر آخرون على أنها نوع من المونولوج، ويؤكد البعض أن المونودراما قديمة قدم المسرح الإغريقي، وأن انفصال أول ممثل عن الجوقة المسرحية، وحواره وتعليقه على الأحداث التراجيدية، هو نوع من المونودراما. لكن الحقيقة ليست كما اعتقد هؤلاء وأولئك، فالمونودراما جنس مسرحي مستقل بذاته، له بنيانه أو معماره الخاص كتابة وأداء، ولا يشبه أي شكل أو تفصيل من عروض مسرحية أخرى. والمونودراما ليست المونولوج، فالمونولوج هو حديث الشخصية وحوارها مع ذاتها، فحوار هاملت ليس مونودراما، وكذلك مونولوجات جلجامش أو أوديب أو أنتيجونا. والممثل يجسد كل الشخصيات في حكاية المونودراما، فهو ينفصل عن تجسيد شخصية العمل الرئيسية، ويجسد الشخصيات الأخرى التي يصارعها أو يحبها أو يكرهها، ومن هنا ظهر الالتباس وسوء الفهم عند كثيرين.

يطلق على مسرح الممثل الواحد اسم “المونودراما”، وهي كلمة يونانية مركبة من “مونو” ومعناها الواحد، و“دراما” وتعني الفعل والعمل والحركة. ويسجل تاريخ المسرح العالمي للمسرحي الألماني يوهان براندز فضل نشوء هذا النوع من المسرح في القرن الثالث عشر.

وقد احتفى كثير من المسرحيين العالميين بالمونودراما، فكتب سترندبيرغ مسرحية “بصوت واحد” عام 1881، ثم كتب عام 1886 مونودراما بعنوان “مضار التبغ” ومسرحية “أغنية اليتيم”. وكتب يوجين أونيل مونودراما “قبل الإفطار”، ولصموئيل بيكيت “شريط كراب الأخير”، ولكوكتو مونودراما “الصوت البشري”.

وفي بلادنا العربية، يقال إن الفنانة المصرية فاطمة رشدي كانت أول من قدم المونودراما، كما يؤكد د. سيد علي. وفي العراق قدم يوسف العاني عرضاً مونودرامياً عام 1950، أما في المغرب فيُعد عبد الحق الزروالي رائد المسرح المونودرامي العربي، إذ قدم أول عرض مونودرامي بعنوان “مجدولين” عام 1967، وكتب 27 مسرحية مونودرامية و15 مسرحية جماعية. وفي لبنان برز رفيق علي أحمد، وفي سوريا أسعد فضة وزيناتي قدسية، الذي قدم أول عمل مونودرامي له عام 1985 بمسرحية “حال الدنيا” من تأليف ممدوح عدوان.

العرض الثاني: “بورتريه”... المرأة الخارجة من اللوحة

“بورتريه” نص مسرحي من إعداد وإخراج وتمثيل محمد الشعراني وجودي الشعراني، الآتيين من مدينة السلمية. وبطلا العرض هما صلاح، الفنان التشكيلي، وحبيبته عفاف. وفي مدخل يشبه إلى حد بعيد أسطورة بجماليون الشهيرة، وهي من الأساطير الإغريقية، يبدأ عرض “بورتريه”.

فما هي قصة بجماليون التي كان من أشهر من كتبوا حكايتها مسرحياً برنارد شو، في نص كوميدي، والمصري توفيق الحكيم، في نص جاد؟ ولكي نقترب من فهم الغاية والهدف الأعلى لعرض “بورتريه”، نسرد مقارنة بين ما كتبه كل من شو والحكيم، ونبدأ من حكاية الأسطورة.

تقول الأسطورة إن “بجماليون” كان مثّالاً عظيماً كره النساء بعدما رأى ابتذال نساء مدينته في المواخير، وظن أن جميع النساء رخيصات على هذه الشاكلة، وبأنهن بلا وفاء، ينتقلن من حضن إلى آخر مقابل المال. فصنع تمثالاً من العاج يمثل امرأة جميلة، أفرغ فيه جميع ما في جعبته من فن وحرفة، وأطلق عليها اسم “جالاتيا”.

وحين انتهى من صنع تحفته، وقف يتأملها طويلاً، وكلما تأملها ازداد إعجابه وافتتانه بها، حتى أصيب أخيراً بالداء الذي طالما فر منه وحاول تجنبه: العشق. والمفارقة أنه عشق التمثال الذي صنعته يداه. وقع في حبها، وزيّنها باللباس الغالي واللؤلؤ، ويوم عيد فينوس دعا إلهة الحب أن تحيي التمثال، فاستجابت له وأحيت المرأة المدهشة الجمال. ولما عاد من العيد قبّلها وشعر بإنسانيتها وحرارتها، فعاشت معه وأنجبت له ابنة اسمها “يافوس”، التي أسست مدينة يافوس في قبرص.

تناول كثير من الأدباء والفنانين في العالم أسطورة بجماليون، فأبدعوا في أجناس مختلفة من الأدب والفن. فكتب برنارد شو مسرحية “بجماليون” عام 1912 وعالجها من منظور كوميدي، بينما كان توفيق الحكيم أكثر التزاماً بالأسطورة الإغريقية في مسرحيته “بجماليون”. كما كتب الكاتب المسرحي المصري عصام نبيل مسرحية قصيرة بعنوان “بجماليون”، وهي المسرحية نفسها التي أعدها محمد الشعراني وأخرجها ومثلها مع ابنته جودي الشعراني.

عفاف الخارجة من اللوحة

حاول الشعراني مقاربة النص ليلائم البيئة السورية، فأضاف بضع صفحات جعلت النص سورياً بامتياز. فماذا عن نص وعرض “بورتريه” الذي استوحى فكرته الرئيسية من “بيجماليون” بسرديتها الأصلية كأسطورة؟

التزم الشعراني بنص المصري عصام نبيل، فحوّله إلى اللهجة السورية أولاً، فصارت الحكاية سورية بحتة. أبطالها: صلاح، الفنان التشكيلي الرسام، وعفاف، وهي فتاة اللوحة التي رسمها صلاح، والتي تخرج من اللوحة وتتجسد له، تحاوره وتحبه ويتزوجان وينفصلان… إلخ.

في نص المصري عصام نبيل تكون النهاية هكذا: ترفض عفاف الزواج للمرة الثانية بصلاح، فهي عملت كفتاة ليل، كما كانت تعمل يوم عرفها صلاح أول مرة، وبسببها حاربه الناس لأنها “ساقطة”، لكنه يحبها…

عفاف: أنا باحبك.. إزاي أكون السبب في إن الكلاب تنهش في لحمك؟
صلاح: همَّا فين دلوقتي؟.. إنتِ بعدتي وهمَّا اختفوا من حياتي.
عفاف: وحـ يرجعوا يساوموك برجوعي.
صلاح: إنتِ مش أول واحدة تجبرها ظروفها على الـ………
عفاف: فيه ناس بيحلالهم يعملوا أنبيا لمَّا تقع قدامهم واحدة ضعفت.. ما تنساش إنت عرفتني فين.
صلاح: أنا نسيت من زمان.
عفاف: كداب.
صلاح: مش كداب.

وتختفي عفاف، وتعود إلى إطار اللوحة الذي تسكنه منذ رسمها صلاح، وتتركه يناديها مستجدياً: عفاف.. عفاااااف.

بجماليون السوري

إذن، هكذا تكون عفاف، فتاة البورتريه، هي جالاتيا، ويكون صلاح الفنان الرسام هو النحات بيجماليون. فكيف تمت المقاربة السورية نصاً وعرضاً؟

في نص محمد الشعراني تقول عفاف مخاطبة صلاح:
«كنت شوف أبي بيصلح الكهربا أو الحنفية، اتعلمت منه، وصرت أي حدا من الجيران عنده حنفية مكسورة أو فيش بدا تصليح أروح أصلحه.. شو بدي أعمل؟ اعتقلوا أبي لأنو شارك بالمظاهرات ورفض الظلم، بعدين راح مع الثوار وما عرفنا شي عنه. كان لازم اشتغل وطعمي عيلتي.. لكنهم اعتقلوني».

وكما فعلت عفاف المصرية، فعلت عفاف السورية، التي اختفت وعادت إلى مكانها في إطار اللوحة، بينما صلاح السوري يستجديها ويقنعها بالعودة:
«عفاف.. وينك؟ ارجعي يا عفاف، البلد صارت أحلى.. الطاغية هرب، هرب يا عفاف هرب، واللي اعتقلوك عم يتحاسبوا، ما حدا منهم راح يسلم من العقاب».

ويخاطب الجمهور:
«عفاف كانت تحب البلد، وصرخت للحرية ضد الظلم، عذبوها كتير وما قدروا ياخدوا منها معلومة.. يمكن تكون بيناتكم، أكيد هي بيناتكم.. عفااف.. عفاااااف».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *