يتناول فيلم طبق السردين للمخرج السوري عمر أميرالاي العلاقة المعقدة بين الذاكرة الشخصية والهزيمة السياسية، عبر العودة إلى مدينة القنيطرة المدمرة بعد الاحتلال الإسرائيلي، وربطها بذكريات طفولته مع خالته الفلسطينية اللاجئة في بيروت. يستعيد أميرالاي أول وعيه بمعنى إسرائيل من خلال “طبق السردين” الذي كان الطعام شبه الدائم على مائدة خالته المهجّرة من يافا عام 1948، ليصبح السردين لاحقاً رمزاً للفقد والمنفى والخراب. يرافق الفيلم المخرج السينمائي محمد ملص في جولة داخل دمار القنيطرة، حيث يتحول الحديث من المدينة المهدمة إلى أسئلة أعمق تتعلق بالسينما والهزيمة والذاكرة السورية. ويطرح ملص تساؤلات حول ما إذا كانت أفلام القنيطرة أفلاماً عن الصراع مع إسرائيل أم عن الأوجاع الداخلية للسوريين أنفسهم. يرى النص أن الفيلم، الذي صُوّر عام 1997، اكتسب مع الزمن دلالات مختلفة بعد المأساة السورية الكبرى، وما رافقها من دمار واسع ومجازر ومقابر جماعية وصور يومية مباشرة نقلتها وسائل التواصل الاجتماعي. فمقارنة بما شهدته سوريا لاحقاً، تبدو مشاهد القنيطرة في الفيلم محدودة وبعيدة، كما تبدو لغة الفيلم أقرب إلى حوار نخبوي بين مثقفين مقارنة بعنف الصورة السورية المعاصرة. ورغم ذلك، يؤكد النص أهمية عمر أميرالاي بوصفه أحد أبرز رواد السينما الوثائقية السورية والعربية، إذ كرّس مشروعه السينمائي للاشتباك النقدي مع الواقع السياسي والاجتماعي السوري. كما يستعرض النص جانباً من سيرته الفنية وأبرز أعماله التي تناولت الهزائم العربية، وعلاقة المثقف بالسلطة، وتداعي الواقع العربي، ومن بينها فيلمه الشهير وهناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء مع سعدالله ونوس.
استمع للمقال
منصة إرادة- عبد الكريم عمرين:
في ملتقى هارموني بحمص، عُرض الأسبوع الماضي الفيلم الوثائقي “طبق السردين”، بعد حوالي الثلاثين عاماً على إنتاجه. الفيلم من إخراج عمر أميرلاي ، والذي منعت معظم أفلامه من العروض الجماهيرية في قاعات السينما السورية على مدى عقود، لما فيها من انتقاد مباشر ولاذع لسياسات حزب البعث والنظام الأسدي. المخرج الراحل الذي أثرى السينما العربية برؤيته المثيرة للجدل حول السينما السياسية، وبالأخص صناعة الأفلام الوثائقية المستقلة، يعود في فلم “طبق السردين” إلى محافظة القنيطرة بعد تحريرها عام 1973، برفقة زميله المخرج محمد ملص، ليحكي قصتها وقصة الجولان المحتل اعتمادًا على الوجدان والذاكرة. بين نوستالجيا السينما وقسوة الواقع السوري، ما الذي يمكن لرائحة السردين القديمة أن تقول لنا أمام المأساة الكبرى؟
حوار على أنقاض القنيطرة: وثيقة الحنين واليأس
“لو علمت أن التطرق لموضوع صراعنا مع إسرائيل سيقودني إلى مزيد من اليأس من واقع تتلاشى فيه فرص السلام يوماً بعد يوم، لو علمت ذلك من قبل، لكنت بالتأكيد جنَّبت نفسي التورط في هذا المشروع”. هكذا يتحدث عمر أميرالاي في فيلمه طبق السردين، ثم يتحدث عن القنيطرة وتدميرها من قبل الجيش الإسرائيلي عام 1974، بعد احتلالها لسبع سنوات خلت، ولم ينجُ من هذا الدمار سوى مبنى واحد هو دار السينما “سينما الأندلس”، الذي يبعد أمتاراً قليلة عن الشريط الحدودي.
يستدعي ذلك في ذاكرته أول مرة يسمع فيها بكلمة إسرائيل وعدوان إسرائيلي. كان السبب سؤاله لخالته في بيروت عن طبق السردين الذي لا يغيب عن مائدة أسرتها، وقد لاحظ ذلك وهو طفل. كانت زياراته لخالته تجعله يعتقد أن أسرتها لا تعرف طعاماً سوى السردين الذي يصطاده زوجها من بحر بيروت، فلا مال كافياً لتُعدِّد الأسرة طعامها وتنوّعه، فهي قد هاجرت من يافا وسكنت بيروت عام 1948، وحالها المادي “على قدّه” كما يقال.
وحين سأل أمه في إحدى زياراته لخالته عن سبب الوجود الدائم لجاط السردين في بيتها، أجابته، كما يروي في الفيلم: “الله يلعن إسرائيل اللي كانت السبب في طرد خالتك وزوج خالتك ونزوحهم إلى بيروت”. فيستنطق خالته التي تسكن حياً فقيراً في يوم صيفي باهت من عام 1950، فتحدثه عن نزوح أسرتها وهي تغبّ من نارجيلتها بشراهة.
هكذا جعلته ذكرى طبق السردين يقول: “كل ما شفت إسرائيل بشم ريحة السردين”. لكن خالته تجيب باقتضاب شديد: إن زوجها يصطاد السمك وهم يأكلونه لأنه نعمة إلهية، شأنه شأن بقية الأطعمة.
ثم يظهر في شريط الفيلم صديقه المخرج السينمائي محمد ملص، الذي يطوف في دمار القنيطرة ويحدثه عن المدينة المدمرة، كما تظهر بلقطات قصيرة بالأبيض والأسود المخرجة نائلة الأطرش. وهذه اللقطات مأخوذة من فيلم لمحمد ملص ضمّنها عمر أميرالاي فيلمه طبق السردين.
يقول محمد ملص مخاطباً عمر أميرالاي: “صحيح طول الوقت عم بعمل أفلام عن القنيطرة، لأن القنيطرة كتير مرتبطة بالصراع، وكأن السؤال بداخلي تراجع: يا ترى هو فيلم عن الصراع، ولا عن سينمانا اللي كانت غالباً معنية بكل أوجاعنا الداخلية؟”. وهذا سؤال ظل يشغل محمد ملص منذ فيلمه الأول القنيطرة 74.
وينهي ملص مقابلته مع أميرالاي بقوله: “لو كنا منعرف إنو القنيطرة راح تُدمر، يمكن كان الواحد منّا بيتمنى يعيش فيها ويموت فيها، أكتر من إنو يحولها لذاكرة في خياله، أو صور محوّلة لسينما”.
بعد قطع سينمائي، تمر الكاميرا على مشاهد من دمار القنيطرة وطبيعتها، ويعلّق أميرالاي، من دون أن يظهر، بأنه اكتشف من خلال عمله في هذا الفيلم حقيقة مأساة النازحين من مرتفعات الجولان المحتلة، وأن إسرائيل تتمسك بالجولان وستظل تتمسك به بحجة ضمان أمن حدودها. ثم تمر لقطات لمحادثة بين سكان ضفتي الجولان، المحتل والسوري، بين فوزية وأختها، اللتين تتبادلان أخبار العائلة وتنتظران أن يجمعهما تراب الجولان من جديد.
طبق السردين على مائدة أميرلاي الوثائقية
مرّ زمن طويل جداً على تصوير الفيلم عام 1997، فخلال تسعة وعشرين عاماً اختلفت خريطة المنطقة، وتغير المزاج السياسي والنضالي. فبعد القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية كقوة عسكرية، وظهور قوى تتبع النظام الإيراني، ثم القضاء على ما سُمّي بالمقاومة في الجنوب اللبناني، وما سُمّي بنظام الممانعة والصمود والتصدي السوري، وبعد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي تنقل الحدث مباشرة أو خلال ثوانٍ، وبعد المأساة السورية التي لجأ فيها نظام الاستبداد الأسدي إلى تدمير المدن والإعدامات المباشرة ودفن المواطنين الأبرياء في حفر عميقة، وحرقها أو ردم الأنقاض فوق الجثث، وبعد زنزانات صيدنايا واكتشاف المقابر الجماعية، بات ما قدمه فيلم طبق السردين وثيقة صغيرة عن بعض الدمار في القنيطرة، بلقطات بعيدة، وبغبش الشريط وغياب دقة الصورة.
كل ذلك لا يجعل الفيلم يرتقي، اليوم، إلى تسميته بالفيلم الوثائقي بالمعنى المعاصر، بل يبدو حديثاً نخبوياً بين مخرجين، عمر أميرالاي ومحمد ملص، يشبه أحاديث الصالونات إذا ما قيس بحجم المأساة السورية، وحجم التطور الهائل في نقل الخبر والصورة؛ تلك الصورة التي باتت سيدة الأدلة الدامغة، الصادقة منها والمفبركة.
لا شك أن عمر أميرالاي هو رائد السينما الوثائقية في سورية، رغم أعمال محمد ملص السينمائية القليلة إلى جانب أعماله الروائية، بيد أن أميرالاي توجه كلياً إلى السينما الوثائقية. وشغف عمر بالسينما والفن جعله يكتب في مقدمة فيلمه طبق السردين: “السينما فن، وسأقدم السينما، سأقدم الفن”.
سينما الهزيمة والذاكرة السورية
وُلد أميرالاي في دمشق عام 1944، وبدأ مسيرته الفنية رسامَ كاريكاتير. سافر إلى باريس ليدرس المسرح في جامعة “مسرح الأمم” بين عامي 1966 و1967، ثم انتقل إلى دراسة السينما في المعهد العالي للدراسات السينمائية في باريس، لكنه توقف عن الدراسة بعد أحداث ثورة الطلبة التي وقعت في جامعة نانتير عام 1968، والتي أدخلته إلى ميدان العمل السياسي، ليعود بعد ذلك إلى دمشق عام 1970.
ويقول عن نفسه وعن السينما: “لولا السينما لما كنت خضت في وحل واقعنا، ولما كنت عرفت الإنسان وأحببته، ولما كنت اكتشفت تلك الحقيقة البديهية بأنني جزء من الحياة وليس العكس، ولما كنت روّضت طبعي العدمي ونزقي قبل أن أعرف إلى السينما سبيلاً”.
تعكس أفلام عمر أميرالاي الشقاء السوري، ففي جميع أفلامه العشرين يصور هذا الشقاء من خلال رؤيته الفكرية والسياسية النقدية كمثقف، موغلاً ومشتبكاً مع الواقع بعمق وحيوية نضالية. وتتميز أفلامه بأنها كانت اندماجاً شخصياً بالواقع، كما فعل في فيلم “الرجل ذو النعل الذهبي” عن رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، إذ بدا واضحاً اختباره السينمائي لعلاقة المثقف بسلطة المال، أو كما شاهدناه في فيلم “طبق السردين” حين يقول إنه كلما ذُكرت إسرائيل شمّ رائحة السردين.
وفي فيلم “وهناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء”، الذي صوره أميرالاي مع المسرحي سعدالله ونوس، يظهر الأخير جالساً على سريره في المستشفى يقاوم مرض السرطان الذي أنهك جسده، متحدثاً عن الكثير من الآراء والأفكار السياسية التي تبناها في حياته، وعن الخيبات والانكسارات التي تعرض لها بوصفه مثقفاً عربياً، نتيجة فشل السياسات العربية وما تعرض له الواقع العربي من هزائم متلاحقة، وتحديداً هزيمة حزيران 1967.
استطاع أميرالاي، من خلال الفيلم، أن يربط بين مرض ونوس وتداعي المثقف العربي، وكأنه بذلك يرينا واقع الثقافة العربية المحتضرة. وبالتزامن مع حديث ونوس عن الهزائم العربية، يعرض الفيلم بعض المشاهد الأرشيفية لصور النكبات العربية والخطابات الفارغة لبعض الزعماء السياسيين، بالتوازي مع لقطات أخرى لمرضى داخل المستشفى، وكأنه بذلك يحاكي مرض الأمة العربية. ومن خلال اللقطات المتكررة لقطرات السيروم التي يتغذى عليها ونوس المحتضر، يحاول أميرالاي أن يقول لنا إن البلاد كلها بحاجة إلى “سيرومات” تتغذى عليها.
عمر أميرالاي واحد من أكثر المخرجين السينمائيين السوريين تأثيراً في مجال الفيلم الوثائقي، ليس في سورية فحسب، بل على صعيد العالم العربي أيضاً.
من أهم أفلام عمر أميرلاي، وفق تسلسل إنتاجها الزمني:
محاولة عن سد الفرات (1970)، الحياة اليومية في قرية سورية (1972)، الدجاج (1977)، عن ثورة (1978)، مصائب قوم (1981)، رائحة الجنة (1982)، الحب الموءود (1983)، فيديو على الرمال (1984)، العدو الحميم (1986)، سيدة شيبام (1988)، شرقي عدن (1988)، إلى جناب السيدة رئيسة الوزراء بينظير بوتو (1990)، نور وظلال (1994)، فاتح المدرس (1995)، في يوم من أيام العنف العادي مات صديقي ميشيل سورا (1996)، وهناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء (1997)، طبق السردين (1997)، الرجل ذو النعل الذهبي (1999)، وطوفان في بلاد البعث (2003).
