الإرادة

من “هاملت” إلى الخيمة: هل كان شكسبير في مخيم الزعتري؟

الخط

يرصد الفيلم الوثائقي "شكسبير في الزعتري" تجربة إنسانية وفنية استثنائية داخل مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن، حيث يقود المخرج المسرحي نوار بلبل مشروعاً يهدف إلى إشراك الأطفال اللاجئين في عمل مسرحي مستوحى من نصوص وليم شكسبير، وتحديداً من مسرحيتي "هاملت" و"الملك لير". يبدأ الفيلم بوصول بلبل إلى المخيم، حيث يواجه واقعاً قاسياً يعيشه الأطفال، الذين حرموا من أبسط أشكال الحياة الطبيعية والتعليم والاستقرار. مع مرور الوقت، يبدأ الأطفال بالانخراط في تدريبات مسرحية داخل خيمة متواضعة، تتحول تدريجياً إلى مساحة حيوية للتعبير والتفريغ النفسي. لا يقتصر العمل على تعليمهم التمثيل، بل يتعداه إلى بناء الثقة، وتعزيز روح الجماعة، وفتح نافذة نحو الخيال والأمل. يلتقط الفيلم تفاصيل هذه التحولات الدقيقة، من الفوضى الأولى إلى الانضباط النسبي، ومن الشعارات الصاخبة إلى التفاعل العميق مع النصوص. يُظهر الفيلم كيف استطاع الأطفال، رغم قسوة الظروف، أن يتماهوا مع شخصيات شكسبير، وأن يعيدوا إنتاجها بما يعكس تجربتهم الخاصة في الفقد والمنفى. كما يبرز العلاقة المتنامية بين بلبل والأطفال، حيث تتحول العملية الإخراجية إلى فعل إنساني يتجاوز الفن نحو نوع من العلاج الجماعي. ينتهي الفيلم بعرض المسرحية داخل المخيم، في لحظة رمزية تحمل دلالات قوية على قدرة الفن على إعادة تشكيل الواقع، ولو مؤقتاً. ورغم بساطة الإمكانات، يبدو العرض كفعل مقاومة للحرب والنسيان، وكإعلان عن تمسك الأطفال بالحياة. يقدم "شكسبير في الزعتري" شهادة مؤثرة على قوة المسرح في مواجهة المأساة، وعلى إمكانية خلق الجمال في أكثر الأماكن قسوة.

منصة إرادة- عبد الكريم عمرين:

في ملتقى هارموني بحمص، عُرض الفيلم الوثائقي “شكسبير في الزعتري”، والفيلم يرافق مخرج العمل الفنان نوار بلبل عام 2014، منذ وصول بلبل إلى المخيم ولقائه بأطفاله، وانتقائه أبطال مسرحيته المزمع تجسيدها في المخيم ومن بطولة الأطفال. المفارقة اللطيفة أن نص المسرحية هو مقاطع من مسرحيتين عظيمتين لوليم شكسبير: الأولى مسرحية هاملت، والثانية مسرحية الملك لير. وأثناء العمل والتدريبات في خيمة كبيرة نسبياً وعلى الأرض اليباب، تعرّف الأطفال على شكسبير وأحبّوه، فسمّوا الخيمة باسمه، وكتبوا على قماشها من الخارج: “خيمة شكسبير”، وعند الباب رسموا صورة له.

  •  
بطاقة فلم “شكسبير في الزعتري
 
    • فيلم وثائقي
    • إخراج: معن الموصلي
    • سنة الإنتاج : 2014
    • فكرة العمل: توثيق تجربة المخرج المسرحي نوار بلبل مع أطفال مخيم الزعتري في تقديم عرض مسرحي مستلهم من شكسبير

إذاً، لقد صار شكسبير من سكان مخيم الزعتري، المخيم الذي نزح إليه السوريون منذ افتتاحه في الثامن من تموز عام 2012 بعدد صغير من الخيام، وكان عدد سكانه في البداية نحو 5000 نازح. وأمام القمع الأسدي والتغوّل الأمني، صار عدد سكان المخيم في شهر آب 15000 لاجئ، ولم يكد ينتهي عام 2012 حتى صار عدد سكانه 45000 لاجئ، وفي الشهر العاشر من عام 2013 صار العدد 65000 لاجئ، ثم بلغ في أواسط عام 2013 نحو 150000 لاجئ، قبل أن يستقر العدد بحدود 80000 عام 2014، العام الذي صار لشكسبير خيمة فيه، والعام الذي صُنّف فيه المخيم أكبر مخيمات اللجوء عربياً والثاني عالمياً.

يرصد مخرج الفيلم معن الموصلي فرح الأطفال بقدوم نوار بلبل، وعشقهم للمسرح أثناء التدريبات. كيف لا، وهم سجناء المخيم وأولاد المأساة السورية الذين لم يغادروا مخيمهم البائس منذ وصولهم إليه؟ إنهم يأتون إلى البروفات قبل الممثلين، والممثلون كُثر، فقد بلغ عددهم ثمانين طفلاً. وأثناء التدريبات يتحلّق جميع أطفال المخيم حول ورشات التدريب وبروفات تمثيل المشاهد، وإذا ما نسي طفل دوره، فإنك تجد من يرده من أولئك الأطفال الذين وقفوا يشاهدون البروفات كل يوم.

الفيلم صوّر بعض مقاطع التدريبات، وبالعموم كانت المقاطع غير مفهومة كلياً لظروف التصوير وضجّة الأولاد ولسوء البافلات في دار العرض “هارموني” بحمص. لكنك، وأنت تشاهد الفيلم، لم يعد النص الشكسبيري الذي انتقاه مخرج المسرحية مهماً؛ إنك تلاحق في كادر الصورة كل نأمة وكل تفصيل فيها. إنه عالم يدهشك حقاً، فهو خليط من التراجيديا: تراجيديا إنكليزية صرفة فالنص لشكسبير، وتراجيديا سورية صرفة فيما تراه من بؤس في المخيم، أرضه المعفّرة، ووجوده في صحراء أو تكاد، وحزن الأطفال، وأسنانهم الصفراء، وثيابهم المتواضعة. كل ذلك يشدّك إلى البكاء، حزناً وفرحاً في آن معاً؛ تتألم لما تشاهده من أطفال هم ضحايا الإجرام الأسدي، وتفرح لأنهم يحيون من جديد مع شكسبير ونوار. وشخصياً، رأيت أن ما صنعه نوار وشكسبير يفوق كل طرق الدعم النفسي وعلاجه.

إذا كان أرسطو قد تحدث عن التطهير الوجداني عند المشاهد للتراجيديا الإغريقية في اليونان القديمة، فإن نوار قد نجح في أن يتطهّر الطفل، بل الأطفال في مخيم الزعتري، بعرضه لتراجيديتين هما: “هاملت” و”الملك لير”، ونجح في توظيف هاتين المأساتين الشكسبيريتين في التراجيديا السورية. قُدّم العرض في عمّان لمرة واحدة عام 2014، وقُدّم أول مرة في المخيم يوم 27 آذار، وهو اليوم العالمي للمسرح، حيث تحتفي مسارح الكرة الأرضية بهذا اليوم وتفرح بإنجازات المسرح العالمي. ولعرض المسرحية في ذاك اليوم دلالة وإشارة لمسرحيي العالم أننا نحيا، وأننا رغم الجوع والتشريد والموت والمرض والنزوح، إلا أننا نحيا ونصنع مسرحاً. وتنجب نساء مخيم الزعتري كل يوم نحو 20 ولادة جديدة. ووجّهت الدعوة لحضور العرض لشخصيات فنية وثقافية ودبلوماسية، منها الفنانة العالمية أنجيلينا جولي، سفيرة النوايا الحسنة، ولاعب كرة القدم العالمي زين الدين زيدان، والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وشخصيات سورية وعربية. كما رافق افتتاح العرض تدشين لوحة فنية بطول خمسمائة متر، رسمها أطفال المخيم كرسالة محبة لأطفال العالم، وبهذه اللوحة خطّوا رسومهم كرسالة محبة وأمل، بعيداً عن كوابيسهم وما شاهدوه من أهوال قبل اللجوء. ويُسجَّل للفنان نوار بلبل أنه طرد وفدين روسي وصيني ومنعهما من حضور العرض المسرحي، كموقف سياسي منه لمواقف الدولتين في التصويت بالرفض على إصدار قرارات لمجلس الأمن الدولي في الأمم المتحدة لصالح القضية السورية، باستخدام الفيتو.

يقول نوار بلبل، رداً على سؤال منصة إرادة: هل كان شكسبير في الزعتري حقاً؟ نعم، كان هناك، وكان حضوره عظيماً. لقد اخترت شكسبير لأنني شخصياً مغرم به ككاتب مسرحي، ثم إنني أردت أن أجسّد مقولة هاملت: “نكون أو لا نكون” لتكون مقولة أطفال الزعتري والسوريين. ثم إن الملك لير، لو جرّدناها من السياسة، فهي حكاية للأطفال. وعن سؤالنا: نوار بلبل الفنان الثائر الذي خرج في المظاهرات ضد الطغيان والاستبداد شيء، ونوار مخرجاً بين الأطفال اللاجئين شيء آخر، ما الذي فعله الأطفال بك، وماذا فعلت بهم؟ يقول: أن تعمل مع طفل يعيش أقسى أنواع العنف السياسي بالقمع، والحربي بالقصف، والأسري، وتخرج بنتيجة رائعة. ففي الأيام الأولى، كلما قابلتهم، يصرخون: “تكبير”، ويردّدون: “الله أكبر… الله أكبر”، ولا شيء غير ذلك. لكن في الأيام الأخيرة، بعد المعايشة والعمل في المسرح، صرت أقرأ في عيونهم جملة هاملت: “نكون أو لا نكون”.

أخيراً، “شكسبير في الزعتري” فيلم توثيقي رافق بروفات وعروض أطفال المخيم، لكن لو أن المخرج معن الموصلي دخل إلى عمق بعض الأطفال، وأجرى لقاءات قبل التدريبات وبعد العروض، ولو أنه توقف عند عيني أحدهم، ولو أنه رصد معيشة بعضهم ودخل خيمة أو كرافانة أهله، لكان للفيلم الأثر الأبلغ والأعمق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *