الإرادة

بين اللوح والصمت: كيف يُترك الطلاب الصم خارج المعادلة التعليمية؟

الخط

مع اقتراب الامتحانات العامة في سوريا، يواجه الطلاب ذوو الإعاقة السمعية تحديات تتجاوز صعوبة الامتحان نفسه، لتكشف عن مسار تعليمي كامل غير مهيأ لهم. فالنتائج المتدنية في السنوات السابقة لا تعكس ضعف قدراتهم، بل تعكس فجوة تبدأ منذ الصفوف الأولى، حين يدخل الطفل المدرسة دون امتلاك لغة مكتملة، في ظل غياب تعليم يعتمد على لغة الإشارة أو مناهج مكيّفة لاحتياجاته. داخل الصف، يتلقى الطالب محتوى لا يُقدَّم بلغته، ما يجعل الفهم جزئيًا أو غائبًا، وتتراكم الفجوات عامًا بعد عام. ومع مرور الوقت، يتحول وجوده في المدرسة إلى تجربة شكلية، يقضي خلالها ساعات طويلة دون تفاعل حقيقي أو استيعاب. في محاولة لمعالجة الفاقد التعليمي الناتج عن سنوات الحرب، تم اعتماد نظام يدمج صفّين دراسيين في عام واحد. ورغم أن هذا الحل قد يكون مناسبًا لبعض الطلاب، إلا أنه يشكل عبئًا إضافيًا على الطلاب ذوي الإعاقة السمعية. فهؤلاء لم يتمكنوا أصلًا من استيعاب منهج واحد، ليجدوا أنفسهم أمام مناهج مضاعفة، دون أدوات تعلم مناسبة. تظهر المشكلة بشكل أوضح حين يُنقل الطالب من صف إلى آخر دون امتلاك المهارات الأساسية، ليصل إلى مراحل متقدمة وهو لا يزال يعاني من صعوبات في القراءة أو الفهم. ومع ازدياد تعقيد المناهج، تتسع الفجوة، ويصبح الانقطاع عن المدرسة نتيجة شبه حتمية، لا قرارًا فرديًا. إلى جانب ذلك، يواجه الطلاب تحديات إضافية، مثل غياب الاعتراف ببعض المعاهد التعليمية، أو نقص الكوادر المؤهلة، ما يضعهم أمام امتحانات لا تراعي خصوصيتهم. في هذا السياق، لا تبدو المشكلة في الامتحان ذاته، بل في المسار الذي يقود إليه. فغياب التخطيط التعليمي المخصص، وتطبيق أنظمة موحدة على طلاب باحتياجات مختلفة، يحوّل التعليم من فرصة إلى عبء، ويضع هذه الفئة خارج دائرة العدالة التعليمية.

منصة إرادة- مياس سلمان

مع اقتراب موعد الامتحانات العامة في سوريا، يتكرر القلق ذاته لدى شريحة من الطلاب الذين لا يواجهون الامتحان كاستحقاق دراسي فقط، بل كحاجز إضافي: طلاب الإعاقة السمعية.

في العام الماضي، سجّلت نتائج متدنية جدًا في صفوف الطلاب الصم، وصلت في بعض الحالات إلى غياب شبه كامل للنجاح. بالنسبة للعاملين في هذا المجال، لا يرتبط ذلك بقدرات الطلاب بقدر ما يعكس طبيعة المسار التعليمي الذي يمرون به: صعوبة المناهج بالنسبة لهم، وعدم وجود مناهج متكيفة مع احتياجاتهم، وعدم توفر مترجمي لغة الإشارة في الصفوف، إضافة إلى قلة المدارس المتخصصة بالإعاقات السمعية على مستوى سوريا، وعدم استقرار العملية التعليمية عمومًا.

“لغة الطالب ليست ترفًا”

المشكلة، كما يوضح مختصون، لا تبدأ يوم الامتحان، بل قبله بسنوات. في كثير من الحالات، لا يدخل الطفل الأصم المدرسة وهو يمتلك لغة مكتملة. لا يسمع، ولم تُتح له دائمًا فرصة تعلم لغة الإشارة بشكل مبكر.

في الصف، تُقدَّم المناهج بطريقة لا تشبهه. الشرح شفهي، والمحتوى مكتوب بلغة لم تترسخ بعد.

مترجمو لغة الإشارة غائبون في معظم الحالات، والمناهج مصممة لطلاب يسمعون ويستوعبون عبر قنوات مختلفة تمامًا.

تقول هدى محمد، وهي حاصلة على ماجستير في التربية الخاصة ومن ذوي الإعاقة السمعية، إن الطالب الأصم، حتى إذا امتلك مهارات القراءة والكتابة، يواجه صعوبة حقيقية في التعامل مع المحتوى التعليمي إذا لم يُقدَّم عبر لغة الإشارة.

وتضيف هدى وهي مدربة لغة إشارة، إن وجود المترجم “ضروري جدًا”، وهو حق أساسي للطلاب للوصول إلى لغتهم الأم.

وتضيف أن غياب الترجمة لا يؤثر فقط على الفهم، بل ينعكس أيضًا على الحالة النفسية للطلاب، خصوصًا في الامتحانات، حيث يشعرون بأنهم خارج السياق. في حين أن وجود مترجم أثناء الامتحان يعزز شعورهم بالاندماج، ما يساهم في تحسين نتائجهم.

حلول متأخرة... أم استعراض إداري؟

أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل مؤخرًا عن توقيع مذكرة تفاهم تهدف إلى توفير بيئة مناسبة للطلاب ذوي الإعاقة السمعية، تتضمن تدريب كوادر، وتأمين مترجمي لغة إشارة، وتقديم دعم اجتماعي ونفسي لهذه الفئة.

خطوة تبدو إيجابية على الورق. لكنها في نظر كثيرين جاءت متأخرة، وبصيغة مثيرة للجدل.

منتقدون رأوا أن “مذكرة تفاهم” بين وزارتين في الحكومة نفسها ليست إجراءً عمليًا، بل أقرب إلى خطوة إعلامية كان يمكن استبدالها بقرارات تنفيذية مباشرة.

أكثر من ذلك، تشير مترجمة لغة إشارة (فضّلت عدم ذكر اسمها) إلى خلل أعمق، فالعاملين في هذا المجال لا يعملون ضمن إطار وظيفي ثابت، كما أنهم ليسوا موظفين رسميين يتقاضون رواتب من وزارة الشؤون الاجتماعية، حتى يتم التحدث باسمهم، مؤكدة أن مسألة الاعتماد عليهم دون تنظيم واضح أو تعويض مالي ما زالت إشكالية قائمة. كما تلفت إلى نقطة أخرى مهمة: ليس جميع الطلاب الصم متمكنين من لغة الإشارة، نتيجة الانقطاع التعليمي خلال سنوات الحرب.

من جهتها، ترى هدى محمد أن هذه الاتفاقية جيدة مرحليًا، لكنها تشدد على ضرورة تطوير مناهج خاصة مبسطة تتناسب مع طرق استيعاب الطلاب الصم، إضافة إلى تعديل أساليب الامتحانات. وتؤكد أن المساواة الشكلية مع باقي الطلاب لا تحقق العدالة، لأنها لا تراعي خصوصية هذه الفئة.

الفاقد التعليمي... حل لا يناسب الجميع

مع اتساع الفاقد التعليمي خلال سنوات الحرب، تم اعتماد نظام تعليمي مكثف يهدف إلى تعويض ما فات الطلاب. الفكرة بسيطة:
دمج صفّين دراسيين في عام واحد.

لكن داخل صفوف الصم، تبدو الصورة مختلفة. تروي إحدى المدرسات تجربة تتكرر كثيرًا: طفل في عمر الصف الثالث، لم يدرس الصفين الأول والثاني بشكل منتظم. يتم إلحاقه ببرنامج “تعويض”، ليدرس عامين في سنة واحدة.

يمرّ العام، ثم يُنقل إلى الصف التالي. لكن في الواقع، لا يكون قد تعلّم الأساسيات بعد. لا تزال الأحرف غير مستقرة، والفهم متقطع، والتواصل محدود. في الصفوف الأعلى، تصبح الفجوة أوضح. المحتوى أكثر تعقيدًا، والشرح أسرع، والمسافة بينه وبين ما يحدث في الصف تكبر.

توضح رشا، مدرسة للصم منذ أكثر من عشر سنوات: “الطالب الأصم قد لا يستوعب كامل منهاج سنة واحدة، فكيف يمكن أن يدرس سنتين في عام؟” وتضيف أن الفجوة التعليمية لديهم قد تصل إلى ثلاث سنوات، ليس بسبب ضعف القدرة، بل بسبب غياب أدوات التعلم الأساسية.

أكثر من ذلك، مئات الأطفال الصم حرموا بسبب الحرب والتهجير من تعلم لغة الإشارة نفسها. طلاب لا يسمعون… ولا يملكون لغة بديلة كاملة. في هذه الحالة، يصبح التعليم أشبه بمحاولة فك شيفرة مجهولة، والامتحان أقرب إلى لغز مستحيل.

معهد مغلق... وأمل معلّق

في المنطقة الشرقية، تتجسد الأزمة بشكل أكثر قسوة. قبل أسابيع، نشر موقع “إرادة” تقريرًا عن إغلاق معهد الرعاية الاجتماعية في دير الزور، الذي كان يضم 15 طالبًا من ذوي الإعاقة السمعية، وتحويله إلى نقطة عسكرية. 

وبحسب مصادر محلية، لا يزال الوضع على حاله، دون إخلاء المبنى أو تأمين بديل. وهو ما يطرح تساؤلات حول الأولويات، إذ كان من الأجدر تأمين مقر بديل أو استعادة المعهد، بدل الاكتفاء بتوقيع اتفاقيات.

هذا المعهد كان يمثل نافذة أمل للأطفال من ذوي الإعاقات في محافظة تعاني من عزلة جغرافية وتكاليف تعليم مرتفعة، في ظل ظروف اقتصادية قاسية.

تعليم بلا اعتراف... وامتحان بلا عدالة

في طرطوس، تبدو الصورة مختلفة شكليًا، لكنها تحمل المشكلة ذاتها.

يقول (مدين تفاحة)، مدير معهد رعاية الصم في طرطوس، إن المعهد يتبع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ويقدّم خدمات تعليمية حتى الصف التاسع، لكنه ليس مدرسة نظامية، وغير معترف به من وزارة التربية.

ويضيف أن المدرسين، رغم اجتهادهم، ليسوا مختصين بالمناهج، بل خريجو تربية خاصة (اختصاص لغة إشارة)، ما يجعل شرح المواد المعقدة، كالرياضيات والفيزياء واللغة الإنجليزية، تحديًا كبيرًا.

وأشار إلى وجود نحو 20 طالبًا في المعهد، بينهم طالبتان في الصف التاسع ستتقدمان للامتحانات بصفة “أحرار”، بسبب عدم الاعتراف الرسمي بالمعهد. ويضيف: “نحاول تبسيط كل شيء”، يقول تفاحة، “لكن هناك حدود لما يمكن فعله”.

نحو استراتيجية وطنية شاملة

التحدي لا يكمن فقط في الامتحان، بل في المسار الذي يسبق الامتحان.

تتقاطع آراء المختصين عند نقطة أساسية: الحاجة إلى مقاربة تعليمية مختلفة تتضمن تطوير مناهج مبسطة ومكيّفة، تدريب كوادر تعليمية مزدوجة الاختصاص، تنظيم عمل مترجمي لغة الإشارة ضمن إطار واضح، والاعتراف بالمؤسسات التعليمية الخاصة بالإعاقة السمعية.

الحل لا يكمن في اتفاقيات تعاون بين الوزارات، بل في تبنّي استراتيجية وطنية شاملة تبدأ من مرحلة الطفولة المبكرة، وتمتد حتى التعليم الثانوي، وتقدّم مسارات تعليمية متخصصة، تضمن العدالة الحقيقية، لا مجرد المساواة الشكلية.