الإرادة

من الأمل إلى الديون: الوجه الخفي للتداول في سوريا

الخط

في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد الأزمة الاقتصادية في سوريا، برزت العملات الرقمية كخيار جديد لكثير من الباحثين عن مصدر دخل. إلا أن التحول الحقيقي جاء في عام 2025، حين فتحت منصات عالمية خدماتها أمام السوريين، ما أدى إلى دخول أعداد كبيرة إلى هذا السوق بشكل مفاجئ، ودون أي خبرة أو حماية قانونية. هذا الانفتاح السريع تزامن مع بطالة مرتفعة وتدهور مستمر في قيمة العملة، ما جعل التداول يبدو فرصة واقعية للهروب من الضغوط المعيشية. لكن الواقع كان أكثر تعقيداً. فإلى جانب المنصات الحقيقية، انتشرت منصات وهمية وتطبيقات مزيفة، مدعومة بمجموعات على تطبيق Telegram ومدربين يدّعون تقديم استراتيجيات مضمونة للربح. قصص الخسارة تكشف حجم المشكلة. علاء خسر مدخرات سنوات خلال يوم واحد بعد اختفاء منصة كان يظنها موثوقة. أما علي، فترك عمله واستدان للدخول في التداول، قبل أن يجد نفسه غارقاً في الديون بعد انهيار المنصة التي تعامل معها. في هذا السياق، يبرز ذوو الإعاقة كفئة أكثر عرضة للاستهداف، نتيجة اعتمادهم الكبير على التكنولوجيا وقلة فرص العمل المتاحة لهم، ما يجعلهم أكثر ميلاً للبحث عن دخل عبر الإنترنت، وأقل قدرة على التحقق من المخاطر. يرى خبراء اقتصاديون أن المشكلة لا تكمن في العملات الرقمية بحد ذاتها، بل في البيئة التي دخلت إليها. فغياب التنظيم القانوني، وضعف الثقافة المالية، والانفتاح المفاجئ للسوق، خلقوا جميعاً بيئة خصبة للاحتيال. ورغم التحذيرات الرسمية، يستمر الإقبال على هذا المجال، مدفوعاً بالحاجة أكثر من المعرفة. وبين أرباح محدودة وخسائر واسعة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يشكّل التداول فرصة حقيقية، أم أنه مجرد انعكاس لأزمة أعمق تدفع الناس نحو خيارات محفوفة بالمخاطر؟

منصة إرادة- مادلين جليس

في مساءٍ بدا عادياً، جلس علاء على سريره ممسكاً هاتفه، يتابع الأرقام التي تغيّرت حياته خلال أيام. كان قد دخل إلى منصة التداول قبل أسابيع فقط، بمبلغ جمعه على مدى سنوات من العمل المتقطع. في البداية، لم يكن يفهم الكثير مما يراه، لكن الأرقام كانت ترتفع، وهذا كان كافياً.

في ذلك اليوم، تجاوز رصيده رقماً لم يتخيّل الوصول إليه. توقّف طويلاً عند الشاشة. بدأ يفكر بما سيفعله: تسديد ديون قديمة، مساعدة عائلته، وربما بداية جديدة. بعد ساعات، حاول تسجيل الدخول مجدداً. لم تُفتح الصفحة. أعاد المحاولة. ثم مرة أخرى.

في اليوم التالي، اختفت المنصة بالكامل. يقول علاء: “في البداية ظننت أن المشكلة من الإنترنت. بقيت أحاول لساعات. بعدها بدأت أبحث عن اسم المنصة، لم أجد أي شيء. كأنها لم تكن موجودة أصلاً. كل ما ادخرته خلال سنوات… اختفى خلال يوم واحد.”

اللحظة الفاصلة: انفتاح بلا تمهيد

قبل هذا التحوّل، لم يكن التداول بالعملات الرقمية شائعاً في سوريا. عدد المستخدمين كان محدوداً، وغالباً من فئة تمتلك معرفة تقنية أو روابط خارجية تساعدها على الوصول إلى هذه المنصات. الخوف من المساءلة القانونية لعب دوراً كبيراً في ذلك. التعامل بالعملات الرقمية لم يكن منظماً، بل محاطاً بالتحذيرات، ما جعل كثيرين يترددون في الاقتراب منه.

في عام 2025، تغيّر المشهد بسرعة. منصات عالمية بدأت تتيح خدماتها للمستخدمين السوريين بعد سنوات من القيود، وأصبح الدخول إلى هذا العالم أسهل من أي وقت مضى. لم يكن الأمر بحاجة إلى خبرة كبيرة. حساب جديد، تطبيق على الهاتف، وبعض الفيديوهات المنتشرة على الإنترنت… وكان ذلك كافياً لبدء “التداول”.

هذا الانفتاح جاء في توقيت حساس. الأزمة الاقتصادية كانت في ذروتها، والبطالة تضغط على شرائح واسعة، فيما تتراجع قيمة العملة بشكل مستمر. في هذا السياق، لم يُنظر إلى التداول كخيار استثماري بحت، بل كفرصة للخروج من مأزق يومي.

من وظيفة ثابتة إلى دوامة دين

علي لم يدخل هذا المجال بدافع الفضول. كان يعمل في وظيفة بسيطة، بدخل بالكاد يغطي احتياجاته. عندما سمع عن الأرباح التي يحققها البعض، بدأ بمتابعة مجموعات على تطبيق Telegram. “في البداية كنت فقط أراقب”، يقول. “كانوا يضعون صور أرباح يومية، ويشرحون خطوات بسيطة. شعرت أن الموضوع سهل.” تواصل مع أحد “المدربين” في تلك المجموعات. الحديث كان مقنعاً، مليئاً بالمصطلحات، ووعود واضحة: أرباح سريعة، مخاطرة منخفضة، ودعم مستمر.

قرر أن يجرب. ثم قرر أن “يستثمر بشكل جدي”. ترك عمله. استدان من أقاربه. ووضع المبلغ في المنصة التي أوصى بها المدرب. في الأسابيع الأولى، بدا كل شيء مثالياً. الأرباح تظهر يومياً، والتطبيق يعرض أرقاماً متزايدة. كان يرسل لزوجته لقطات شاشة ويقول: “قريباً سنرتاح.”

ثم بدأت المشاكل. سحب الأموال أصبح أصعب. الردود تأخرت. المجموعة على Telegram توقفت عن التفاعل. بعد أيام، اختفى المدرب. وأغلقت المنصة. يقول علي: “لم أخسر المال فقط. خسرت عملي، وثقة عائلتي، ودخلت في دين لا أعرف كيف أخرج منه.”

سوق مزدوج: حقيقي ومزيّف

هذا النوع من القصص تكرر كثيراً خلال العام الأخير. المشكلة لا تكمن في وجود التداول بحد ذاته، بل في تشابك مسارين مختلفين تماماً:
منصات حقيقية تعمل ضمن سوق عالمي، ومنصات وهمية صُممت خصيصاً للاحتيال.

التمييز بينهما لم يكن واضحاً لغالبية المستخدمين. التطبيقات المزيّفة تبدو احترافية، تعرض بيانات ورسوم بيانية، وتُظهر أرباحاً في البداية لكسب الثقة. في المقابل، كانت مجموعات Telegram تعمل كمساحات تعبئة يومية: توصيات جاهزة، قصص نجاح، وضغط مستمر للدخول السريع قبل “فوات الفرصة”.

في هذا السياق، يجد ذوو الإعاقة أنفسهم في موقع أكثر حساسية. الاعتماد على التكنولوجيا بالنسبة لهم ليس خياراً إضافياً، بل جزء من نمط الحياة اليومي. العمل عن بُعد، قلة فرص التوظيف، وصعوبة التنقل، كلها عوامل تدفعهم للبحث عن مصادر دخل رقمية. لكن هذا الاعتماد يتحول إلى نقطة ضعف في بيئة غير آمنة.

أحد المتابعين لهذه المجموعات، وهو شاب يعاني من إعاقة حركية، يروي كيف بدأ بالتداول بعد أن شاهد إعلاناً يعد بعوائد ثابتة:
“كنت أبحث عن أي طريقة أعمل منها من البيت. شعرت أن هذا الحل مناسب لي. لم يخطر ببالي أنه ممكن يكون احتيال.” خلال أسابيع، خسر كامل المبلغ الذي كان قد ادخره من مساعدات عائلية. يقول: “لم يكن لدي خيار آخر. وهذا ما يجعل الخسارة أصعب.”

تحذيرات رسمية… دون أثر فعلي

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عدنان إسماعيل أن ما يحدث في سوريا لا يمكن فصله عن السياق العام. يقول إن دخول هذا النوع من الأسواق يحتاج إلى معرفة وأدوات حماية، وهي أمور غير متوفرة لغالبية المستخدمين. ويضيف أن غياب أي إطار قانوني يجعل السوق مفتوحاً أمام جميع أشكال الاستغلال.

“في الظروف الطبيعية، يترافق انتشار أي نشاط مالي جديد مع تشريعات تنظم عمله. ما حدث هنا مختلف. السوق توسّع بسرعة، بينما بقيت الحماية غائبة.” ويحذر أيضاً من أن المخاطر لا تقتصر على الاحتيال، بل تشمل تقلبات الأسعار والاختراقات التقنية، وهي عوامل قد تؤدي إلى خسائر حتى في المنصات الحقيقية.

في عام 2025، أصدر مصرف سوريا المركزي تحذيرات تؤكد أن العملات الرقمية غير مرخصة، محذراً من التعامل بها. لكن هذه التحذيرات لم تغيّر الكثير. بالنسبة لكثيرين، كانت الحاجة أقوى من الخوف، والواقع اليومي أكثر إلحاحاً من أي بيان رسمي.

ما حدث خلال العام الأخير لم يكن تطوراً تدريجياً. السوق فُتح فجأة، والناس دخلوا إليه بالسرعة نفسها. الخبرة جاءت لاحقاً، غالباً بعد الخسارة.

في هذا المشهد، لم تعد العملات الرقمية مجرد أداة مالية، بل انعكاس لواقع أوسع، يدفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر بحثاً عن فرصة. وفي ظل غياب البدائل، تبدو هذه المخاطرة بالنسبة لكثيرين أقل قسوة من البقاء في المكان نفسه.