يرصد فيلم "سُلَّم إلى دمشق" للمخرج محمد ملص تحولات جيلٍ سوريٍّ شابٍّ جاء إلى العاصمة بحثًا عن الحرية وتحقيق الذات، لكنه يجد نفسه عالقًا في واقعٍ سياسي واجتماعي خانق. تدور الأحداث في بيت دمشقي قديم يضمّ مجموعة من الشبان والشابات القادمين من مناطق وخلفيات مختلفة، حيث يحمل كلّ منهم حكايته الخاصة، وأحلامه، وتناقضاته، إلا أنّهم يذوبون تدريجيًا في إيقاع المدينة وضغطها. تتمحور القصة حول شخصية "غالية"، الشابة التي تنتقل إلى دمشق بعد قبولها في المعهد العالي للفنون المسرحية، محاولةً إعادة تشكيل هويتها والهروب من ماضيها. غير أنّ صدمة وفاة صديقتها "زينة" تترك أثرًا عميقًا في داخلها، فتدخل في حالة من الاضطراب النفسي والوجودي، حيث يتداخل الحزن مع محاولات التكيّف، ويصبح الموت تجربة شخصية تهزّ يقينها بالحياة. يقدّم الفيلم البيت الدمشقي بوصفه نموذجًا مصغّرًا للمجتمع السوري، حيث تتجاور شخصيات مختلفة دون أن تتصادم فعليًا، ما يعكس رؤية نقدية لغياب التباينات الحقيقية في المواقف، خصوصًا تجاه الحرب والنظام. فالحرب، رغم حضورها الصوتي والضاغط، تبقى في هامش الصورة، تُنقل عبر الأخبار أو تُسمع من بعيد، دون تجلٍّ مباشر أو اشتباك حقيقي مع تفاصيلها. يعكس العمل حالة من الخوف والرقابة التي كانت سائدة في تلك المرحلة (2011–2012)، ما يفسّر غياب التمثيل الصريح للثورة وتجلياتها. وبدلًا من ذلك، يركّز ملص على الأثر النفسي والداخلي للحرب، وعلى شعور العجز والقلق الذي يخيّم على الشخصيات. في النهاية، يفشل الجميع في تحقيق "الصعود" الذي حلموا به، ويتحوّل السُّلَّم من رمزٍ للنجاح في دمشق إلى رمزٍ للهروب نحو السماء، في لحظة يأسٍ تختلط فيها الرغبة بالخلاص مع التعلّق بالأمل، وكأن الطريق إلى الله هو البديل الأخير عن طريقٍ لم يكتمل في الأرض.
استمع للمقال
منصة إرادة- عبد الكريم عمرين:
تعشق المدن كما تعشق النساء، وثمّة مدن بعينها يعشقها كثيرون، كمدينة باريس أو بطرسبورغ أو برلين، ومن مدننا العربية: القاهرة ودمشق. دمشقنا أقدم عاصمة في التاريخ، دمشق التي بقيت صبيةً جميلةً بجدائل طويلة وجسدٍ ما فتر عطره على مرّ الدهور. الغرباء الذين يزورونها يعشقونها، لكن لسكان سوريا، ومن غير الدمشقيين، عشقٌ غريبٌ لدمشق؛ هو عشق الانعتاق من مدنهم وبلداتهم وقراهم، من الحياة الساكنة والملل والضجر. فكثيرون يحلمون بالسكنى في دمشق: دمشق الحرية، ودمشق النجاح والتفوق والشهرة.
- فيلم درامي يمزج بين الواقع والرمزية
- إخراج: محمد ملص
- سنة الإنتاج : 2013
- إنتاج: شركة أبوت للإنتاج (Abbout Productions) اللبنانية، مع مؤسسة الدوحة للأفلام
- عُرض الفيلم في عدة مهرجانات عالمية، منها مهرجان تورونتو السينمائي الدولي ومهرجان دبي السينمائي الدولي، حيث ترشح لجائزة “المهر العربي” لأفضل فيلم.
وهذا حال غالية التي تركت بلدتها/قريتها لتسكن دمشق بعد أن قُبلت طالبةً في المعهد العالي للفنون المسرحية. في دمشق تسكن بيتًا دمشقيًا مؤلفًا من عدة غرف، وفي كل غرفة يسكن أحد الآتين إلى دمشق والرابضين فيها، ولكل ساكن في هذه الغرف حكايته؛ حكاية تمتد خيوطها إلى أرضه وبيته وثقافته ودينه وطائفته وعادات وسطه الاجتماعي وثقافته الخاصة. لكن هذا كله ينساه الجميع في لجة حياة العاصمة، والبعض منهم يحاول أن يندمج كليًا مع المجتمع الدمشقي، بل يحاول أن “يتشوَّم”، أي أن يصبح شاميًا.
سوى غالية، التي كانت تريد أن تتخلص من جوانيتها وأن تكتسب هوية جديدة، خصوصًا أن صديقتها زينة توفيت “وسكنت فيها”. كانت وفاتها بمثابة زلزال فكري ونفسي بالنسبة لغالية؛ لقد اهتز كيانها، وكأنها ترى وتفهم وتعي وتعرف الموت لأول مرة. فمأساتها وُلدت في موت زينة، تمامًا كمأساة جلجامش حين خرّ صريعًا ومشلولًا أمام موت صديقه أنكيدو.
إذًا، كثيرون أولئك الذين يريدون أن يصعدوا السُّلَّم إلى دمشق وهم في دمشق، وكذلك جميع من يسكن ذاك البيت الدمشقي العتيق الذي تسكنه غالية؛ وهو البيت الذي شهدت جدرانه تقلّب حيوات ساكنيه، أحلامهم، فقرهم، ضجرهم، قصص الحب، واللامبالاة، والأهم الرعب الذي يسكن الجميع حين تضجّ أصوات انفجارات القذائف ولعلعة الرصاص في الحرب الكريهة التي حدثت بعد ثورة السوريين السلمية بشهور قليلة، ثورة ضد الحكم الاستبدادي المتسلط على رقاب الناس والقامع لحرياتهم.
في الحرب، تتقلب غالية على جمر البارود وجمر حبها لفؤاد، المخرج الذي أحبّته وساعدها في تأمين مسكن لها، وسكنًا لروحها يغيب أحيانًا بسبب الزلزال الذي يداهمها بموت زينة التي تسكنها تمامًا؛ فتتخيلها وتناديها، ويصبح ضنك الروح ملازمًا لها. عدا عن ضنك الشوق لأبيها الذي تتذكره طويلًا؛ فهو بسيط محب للحياة، يغِبّ خمرته ويضحك، بسيط كزوربا، لكنه هنا زوربا القروي السوري.
تبدو شخصيات الفيلم وكأنها تتكلم لغة واحدة، فهي أقرب إلى لغة النخبة في حواراتها ومفرداتها، والحرب التي يعيشون في أتونها لا تبدو لهم سوى أنها لعينة، وكأن تلك الحرب تقع في زيمبابوي. وردود أفعالهم تجاهها فردية، وكلهم يتخذون موقفًا واحدًا تجاه هذه الحرب وتجاه النظام الاستبدادي، وقد بدت معارضتهم للنظام مخملية ولطيفة.
فالمفروض أن البيت الدمشقي في الفيلم، الذي يمثل شرائح سورية شتى، وأن الشخصيات فيه تمثل في مجموعها “صورة مصغرة” للمجتمع السوري الكبير؛ كان يفترض أن تظهر خلافات أو تناقضات تجاه الحرب والنظام. لكن جميع شخصيات الفيلم ليس لها أية مساهمات في الثورة، حتى الثورة ذاتها وتجلياتها السلمية والعسكرية لم تظهر في الفيلم؛ كل ما كان يحدث هو إخباري شفاهة أو من خلال أخبار التلفزيون.
ربما لأن الفيلم من إنتاج عام 2013، وقد تم التصوير أواخر عام 2011 وخلال عام 2012، وكان طاقم الفيلم يدرك أن الرقابة شديدة من قبل النظام، وأن تهمس لتحيي قيام الثورة يعني أن تحكم على نفسك بالإعدام. ربما قصد محمد ملص، كاتب سيناريو الفيلم بالاشتراك مع محمد سامر إسماعيل ومخرجه، أن يبرز الرعب الذي في الخارج، حيث توقيف الناس في الطريق وقتلهم أو اقتيادهم إلى الحبس.
في «سلّم إلى دمشق» تتكثف الخلاصة السينمائية التي أرادها ملص: عودة إلى تناول الراهن منظورًا إليه من خلال رؤيته للأحداث وموقفه منها، في استعانات مشهدية وبصرية واضحة، على إيقاع ما يدور في سوريا عامي 2011 و2012. يلتقط ملص شخصياته من شباب وصبايا، ويضعهم في بيت واحد على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم وأهوائهم وهواياتهم، كما على اختلاف مرجعياتهم ومصائرهم وأقدارهم. تدور الحرب على حافة البيت، الذي نعيش جلّ الفيلم فيه، وتدور فيه سمعيًا.”
ربما أكد محمد ملص في فيلمه “سلّم إلى دمشق” المزج المحكم ما بين التوق العظيم إلى الأحلام الكبرى، وقسوة الخيبات المؤسفة في الواقع السياسي والاجتماعي والنفسي، تلك التي تنكشف عن القمع والقهر وقلّة الحيلة. وقد تجلت هذه الرؤية عند جميع شخصيات الفيلم؛ فقد فشل الجميع في الصعود إلى “سُلَّم دمشق”، وامتشقوا سلّمًا خشبيًا أمسكوه بقوة وتوجهوا به نحو السماء. صعد الأول منهم، يريد أن يذهب إلى الله، وكأنه يريد أن يذكرنا بالطفل الذي قُتل وكان آخر ما تلفظ به: “سأخبر الله بكل شيء”.
وربما، بذاك اليأس الممزوج بالأمل، يريد الصاعد أن يقول للذات الإلهية: “يا الله، ما لنا غيرك يا الله”. وبذلك يكون عنوان الفيلم أقرب إلى أن يكون: “سُلَّم إلى الله”، وليس “سُلَّم إلى دمشق”.
