الإرادة

في اليوم العالمي لذوي الإعاقة: المسافة بين الخطاب المنمق وخطاب الكراهية

الخط

ي اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة، يكثر الحديث عن الدمج والحقوق والمساواة. تُنشر الصور، وتُرفع الشعارات، وتبدو اللغة أنيقة ومثالية. لكن هذه اللغة لا تمحو لغة أخرى أكثر قسوة تسكن الحياة اليومية: لغة السخرية، والتنمر، وخطاب الكراهية. المفارقة أن كثيرًا من الأشخاص ذوي الإعاقة يخرجون من فعاليات هذا اليوم بشعور مضاعف بالإحباط، لأن الخطاب الرسمي يقول شيئًا، بينما الواقع اليومي يقول شيئًا مخالفًا تمامًا. في المشهد السوري العام، يستقر خطاب الكراهية تحت السطح بقليل، ويتخذ أشكالًا متعددة: طائفية، مناطقية، سياسية، ثم ينحدر ليطال الفئات الأضعف، وفي مقدمتها الأشخاص ذوو الإعاقة. هنا لا تبدو الإعاقة قضية منفصلة، بل مرآة لآلية اجتماعية أوسع تعيد تعريف الاختلاف بوصفه نقطة ضعف أو مادة للسخرية. النكات، والفيديوهات الرائجة، والتعليقات اليومية تكشف أن الاستهزاء بالضعيف صار ممارسة طبيعية. مثال على ذلك مقطع فيديو انتشر مؤخرًا يسخر من الإعاقة على أنه “مزحة”، وتفاعل معه الآلاف بالضحك، دون أي اكتراث للأذى النفسي الذي يخلّفه. ليست المشكلة في فرد واحد، بل في منطق جماعي يُعيد إنتاج الإهانة على أنها ترفيه. كما هو الحال مع التنمر الطائفي والمناطقي، يُعاد إنتاج التنمر على الإعاقة باللغة نفسها: ألفاظ جارحة، وصور نمطية، واستخفاف بالألم الإنساني. هذه الكلمات لا تمرّ بلا أثر، بل تترك جروحًا عميقة لدى الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم. خطاب الكراهية في سوريا لا يبقى في حدود الكلام، بل قد يتحول سريعًا إلى عنف اجتماعي. لذلك فإن النظر بجدية إلى ما يتعرض له الأشخاص ذوو الإعاقة اليوم ليس شأنًا فئويًا، بل اختبار أخلاقي لطريقة تعامل المجتمع مع كل اختلاف فيه، وسؤال مفتوح عن معنى التعافي بعد سنوات طويلة من الانقسام.

منصة إرادة- مياس سلمان

اليوم، هو اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة. اليوم سيكثر الكلام عن الدمج والحقوق والمساواة. ستُنشر الصور، وتُرفع الشعارات، وتزدحم الصفحات بعبارات الدعم والتشجيع. اليوم ستبدو اللغة أنيقة، منمقة، إنشائية وخطابية كالعادة. لكنها لن تمحو اللغة الأخرى السائدة، الساخرة والعنيفة، وللأسف الأكثر صدقًا في التعبير عن الواقع.

من اللافت أن كثيرًا من الأشخاص ذوي الإعاقة يخرجون من فعاليات يوم الإعاقة بشعور مضاعف بالإحباط: الخطاب الرسمي يقول شيئًا، لكن تفاصيل التواصل اليومي تقول شيئًا آخر تمامًا.

وإذا ألقينا نظرة صادقة على المشهد السوري، سنجد لغة الشارع تستقرّ تحت السطح بقليل: خطاب لا يُقصي فئة بعينها، بل يضرب المجتمع كله من أطرافه إلى مركزه. خطاب يتخذ أشكالًا متعددة—طائفية، مناطقية، سياسية—ثم ينحدر ليطال الفئات الأضعف، وفي مقدمتها الأشخاص ذوو الإعاقة.

كيف يبدو خطاب الكراهية في المجتمع السوري حين نضعه تحت ضوء قضية الإعاقة؟
الإجابة تكشف أن الإعاقة ليست قضية منفصلة، بل جزء من مشهد اجتماعي أوسع يعيد تعريف الاختلاف، أيًّا كان شكله، بوصفه نقطة ضعف أو مادة للاستهزاء. وهو المنطق نفسه الذي يغذّي انقسامات المجتمع السوري.

وحين نتتبّع طريقة الحديث والنكات والفيديوهات الرائجة، ندرك أن خطاب الكراهية ليس طارئًا على المجتمع السوري، بل منهج يومي يستسهل إهانة الضعيف، ويحوّل ألمه إلى مادة للسخرية. وما يتعرض له الأشخاص ذوو الإعاقة ليس إلا نسخة أكثر قسوة من الطريقة التي نتعامل بها مع بعضنا البعض في سوريا المنهكة.

من هنا تبدأ القصة: كيف يمكن أن نتحدث عن “دمج” و“حقوق”، بينما الواقع يفيض بخطاب يُقصي، ويجرّح، ويستبيح الكرامة؟ بهذا المعنى، يصبح الحديث عن خطاب الكراهية تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة مدخلًا لفهم العلاقات المتوترة داخل المجتمع كله، ومحاولة لقراءة ما الذي جرى بين السوريين خلال سنوات الحرب الطويلة، وما الذي تركه في طريقة رؤيتهم لبعضهم البعض.

يتعرّض الأشخاص ذوو الإعاقة لشكل مركّب من خطاب الكراهية، ليس لأنهم أضعف نفسيًا بالضرورة، بل لأن المجتمع، بأغلبيته، لا يزال يعاملهم من موقع الشفقة أو الدونية، وأحيانًا من موقع النفور. هذا الخطاب لا يحتاج أن يكون منظّمًا أو ممنهجًا؛ يكفي أن يتكرر ببطء حتى يتحول إلى “حقيقة اجتماعية” تُبنى عليها السلوكيات اليومية.

وقد تضاعفت هذه الصور النمطية مع انتشار منصّات التواصل الاجتماعي التي تضخّ البوستات والفيديوهات بلا توقف. في يوم واحد قد تنتشر عشرات المقاطع والأخبار، لتجد آلاف التعليقات التي تُطلق شتائم جماعية لا علاقة لها بالحدث نفسه، لكنها تعكس الانقسام داخل المجتمع السوري المنقسم والهش. وفي هذا المناخ يصبح استهداف الأشخاص ذوي الإعاقة جزءًا طبيعيًا من موجة أوسع تستسهل الإقصاء وإهانة المختلف.

قبل أيام انتشر فيديو قصير حصد آلاف المشاهدات والتعليقات، والكثير الكثير من إيموجي “أضحكني”. فيديو لا يتجاوز الدقيقة، يظهر فيه شاب يعرج من قدمه، يسأله صديقه: “شو صاير معك؟”، فيجيبه: “ما في شي… عم يوزعوا 100 دولار للمعاقين”. بعدها يظهر الصديق وهو يمثل دور شخص يعاني الشلل والخرس ليحصل على المئة دولار بدوره.

هذا الفيديو واحد من عشرات المقاطع التي يتم التفاعل معها على أنها شيء طبيعي يسبب الابتسامة، دون الالتفات لمشاعر الأشخاص ذوي الإعاقة، أو لمحاولة فهم حجم الإساءة الموجّهة إلى فئة كبيرة من السوريين وأهاليهم. ليست المشكلة هنا في صاحب الفيديو بوصفه فردًا، بل في آلاف المشاهدين الذين يعيدون إنتاج المنطق نفسه: تحويل الإنسان إلى مادة تُضحك الآخرين، وتطبيع الإهانة بوصفها “مزحة”.

وبالتأكيد فإن خوارزميات المنصّات تدعم وصول المحتوى الذي يغذّي التوتر والسجال، لأنه يجلب تفاعلًا أكبر، بينما غالبًا لا يكترث أحد بالمنشورات والفيديوهات التوعوية.

كلّنا شاهدنا من يرفع صندوق البوية بقصد السخرية والتنمّر على مكوّن سوري كامل، أو من يستخدم تعبير “بني سمية” كشتيمة، أو مصطلح “فلول” لوصم مجموعة بشرية كاملة. بالطريقة نفسها يتم التعامل مع قضايا الإعاقة: تُطلَق ألفاظ تمسّ الأشخاص دون أي مراعاة لما تتركه فيهم؛ كلمات مثل: مكرسح، أكتع، أعور، منغولي… تُقال بخفة، لكنها تترك أذى نفسيًا عميقًا، وقد تتحول إلى جرح حقيقي للشخص نفسه، ولأسرته التي ترعاه.

ما يتعرض له الأشخاص ذوو الإعاقة من إساءة وتنمّر ليس تفصيلًا هامشيًا، بل مرآة مكبّرة لمشهد اجتماعي أوسع: مجتمع تعلّم، تحت ضغط الحروب والانقسامات، أن يختزل الآخر في صفة واحدة، وأن يعيد صياغة “الاختلاف” بوصفه نقطة ضعف أو، أحيانًا، مادة تفوّق أجوف.

المشكلة أن خطاب الكراهية في المجتمع السوري لا يبقى أسير الكلمات. في بلد مُنهك مثل سوريا، يمكن لتعليق جارح أو مقطع ساخر أن يتحوّل سريعًا إلى مشاجرة أو اعتداء أو قطيعة اجتماعية طويلة. الشرارة صغيرة، لكن المناخ مشبع بالتوتر، فيشتعل الحطب بسرعة.

النظر بجدية إلى خطاب الكراهية ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة لفهم عمق الجرح السوري نفسه. فطريقة تعاملنا مع الأشخاص ذوي الإعاقة اليوم ليست سوى اختبار قاسٍ لطريقة تعاملنا مع كل اختلاف آخر. وإذا عجزنا عن حماية الأضعف من لغتنا، فكيف يمكننا الادّعاء أننا نتعافى؟

2 Responses

  1. مجتمعنا يتعامل مع ذوي الاعاقة بتشدد اكثر من الاشخاص السليمة
    حين تصبح الدراسة مكلفة ومرهقة على الأهل فقط لان لديهم طفل معاق
    دون مراعاة الوضع المادي الذي يعيشه المواطن
    نحن مجبورين على تعليمهم ودمجهم مع المجتمع لانهم فلذات الاكباد
    فترى ما يسمى بالمؤسسات المسؤولة عن رعايتهم تتقاضى اجورا عالية لقاء تعليمهم
    مقارنة بالاطفال السليمة التي يتم تدريسها بشكل شبه مجاني
    مسؤولية الاهل مضاعفة تجاههم والمجتمع بلا رحمة فأنا كموظفة اتقاضى راتبي لاعلم ابني
    المجتمع لا يرحم ونظرته مادية وبلا انسانية
    لا انسانيات ..فقط تسوده الماديات

  2. من أجل العدالة والوفاء للفئات المنسية في سوريا*

    إلى السادة أصحاب القرار في الجمهورية العربية السورية،

    تحية الوطن الجريح، تحية من قلوب أنهكها الانتظار، ومن أفواه جفّ فيها الكلام.

    نحن الموقعون أدناه، مواطنون سوريون من مختلف المحافظات والانتماءات، نرفع إليكم هذه العريضة باسم من لا صوت لهم:
    – ذوي الاحتياجات الخاصة الذين حُرموا من أبسط مقومات الحياة،
    – المكفوفين الذين أُطفئت أنوارهم ولم يجدوا من ينير لهم الطريق،
    – نساء الشهداء اللواتي قدّمن فلذات أكبادهن فداءً للوطن،
    – أبناء الشهداء الذين كبروا على الحرمان،
    – الفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم بينما تتكدّس الثروات في جيوب قلةٍ تتنعم على حساب آلامهم.

    نتساءل بمرارة:

    – أين أنتم من هؤلاء؟
    – أين حملات الوفاء التي تتغنون بها في إدلب، وحماة، ودمشق، وسائر المحافظات؟
    – أين العدالة الاجتماعية التي وعدتم بها؟
    – أين الدولة التي تحمي أبناءها، لا تتركهم فريسة للجوع والمرض واليأس؟

    لسنا أرقامًا في تقارير، ولا صورًا في نشرات الأخبار. نحن بشر، لنا حقوق، لنا كرامة، لنا وطن نحبه رغم كل ما فعلتم به.

    من أين لكم هذه الملايين التي تتنعمون بها، بينما شعبكم يتضور جوعًا؟
    من أين لكم هذا الصمت أمام معاناة من ضحوا بكل شيء؟
    من أين لكم هذا التجاهل، وهذه القسوة؟

    إن لم يكن في قلوبكم رحمة، فليكن في عقولكم وعي.
    وإن لم يكن في قراراتكم عدل، فليكن في ضمائركم يقظة.

    نحن لا نطلب صدقة، بل نطالب بحق.
    نحن لا نناشد، بل نُذكّر.
    فمن نسي، سنُذكّره. ومن تناسى، سنوقظه. ومن تجاهل، سنرفع صوتنا حتى يسمعنا العالم.

    *ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء.*

    *الموقعون:*

    1. الاسم الكامل: عبدالله يوسف الحاجي ____________________________
    رقم الهوية: ______سوريا ___________________
    المحافظة: ____________ادلب سراقب________________
    التوقيع: ꧁꧂ ____________________________

    2. الاسم الكامل: ____________________________
    رقم الهوية: ____________________________
    المحافظة: ____________________________
    التوقيع: ____________________________00905550840331