الإرادة

غلاء الكهرباء والإنترنت: تحول اقتصادي قاس لا يفرق بين ضحاياه

الخط

يشهد السوريون منذ نحو عام تحولاً اقتصادياً قاسياً قلب شكل الحياة اليومية داخل البيوت، بعد موجة قرارات رفعت أسعار الكهرباء والإنترنت والوقود والخبز إلى مستويات غير مسبوقة. فالكيلوواط الذي كان بعشر ليرات بات اليوم بستّمئة، وفي بعض الشرائح بأكثر من ألف وأربعمئة، أي ما يقارب سبعين ضعفاً دفعة واحدة، بينما ألغت شركات الاتصالات الباقات المخفضة ورفعت أسعار الإنترنت والاتصال إلى أكثر من الضعف، لتتحول الخدمات الأساسية إلى عبء يفوق قدرة معظم الأسر في بلد يعيش أكثر من تسعين بالمئة من سكانه تحت خط الفقر. تجلّت هذه الصدمة بوضوح في قصة هند، المرأة الخمسينية من ريف الشيخ بدر، التي كاد التيار يُفصل عن منزلها بسبب ست فواتير قيمتها عشرون ألف ليرة فقط، رغم أن أسرتها تعيش على رزق الأرض وزوجها كفيف. وبعد التعرفة الجديدة أصبحت فاتورة بسيطة في الشريحة الأولى تقارب مئة وثمانين ألف ليرة، فيما يمكن أن تصل في حالات كثيرة إلى أربعمئة ألف أو حتى مليون ليرة، ما يضع آلاف الأسر أمام استحالة دفع بدل خدمة أساسية كالكهرباء. الغلاء شمل أيضاً الخبز والغاز والمازوت والبنزين، التي ارتفعت أسعارها إلى عدة أضعاف خلال أشهر قليلة، ما دفع كثيراً من الأسر إلى تقليل استخدام السخانات والمكانس وفصل البرادات في الشتاء والعودة إلى الحطب في الأرياف. ولم تكن صدمة الاتصالات أقل وطأة، خاصة على الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يعتمدون على الإنترنت للتواصل والتعليم والعمل. فالصم فقدوا القدرة على إجراء مكالمات الفيديو بلغة الإشارة بعدما أصبحت الباقات صغيرة ومكلفة، بينما وجد المكفوفون، ومنهم طلاب جامعيون، أن القراءة الرقمية عبر تطبيقات الصوت لم تعد ممكنة مع باقات لا تكفي ساعات يوم واحد. توضح هذه التحولات أن سوريا تنتقل من نموذج يقوم على الدعم الاجتماعي إلى اقتصاد يسلّع أبسط الخدمات، ما يهدد مئات الآلاف بالعزلة المعيشية والرقمية ويعمّق فجوة الفقر في مجتمع لم يعد يحتمل أي عبء إضافي.

منصة إرادة- مياس سلمان

منذ سقوط النظام البعثي قبل نحو عام، وجد السوريون أنفسهم أمام موجة من القرارات الاقتصادية المتسارعة كقطار يركبه بعض المحظوظين فيما يدهس الكثيرين ويرمي آخرين إلى حافة العجز.

اتجهت سوريا بسرعة نحو شكل جديد من اقتصاد السوق يقوم على رفع الدعم وتسليع الخدمات الأساسية، تحول يبدو ضروريا لمواكبة الاقتصاد العالمي، لكنه يجري دون أي التفاتة للفئات الأكثر هشاشة، وهم ليسوا بفئة قليلة في سوريا بعد الحرب والدمار.

 بدأت الموجة بارتفاع أسعار الخبز والمحروقات، لكن القرار الأثقل جاء هذا الشهر مع إطلاق وزارة الكهرباء تعرفة جديدة غير مسبوقة قفزت بالسعر أضعاف مضاعفة، ولم يتسن للسوريين التقاط انفاسهم وما في جيوبهم حتى توقفت شركات الاتصالات عن تقديم الباقات المخفضة ورفعت أسعار الإنترنت والاتصال إلى أكثر من الضعف، تاركة الطلاب وذوي الدخل المحدود والأشخاص ذوي الإعاقة بلا بديل.

كل ذلك يحدث في بلد يعيش أكثر من تسعين بالمئة من سكانه تحت خط الفقر، ويعاني ستين بالمئة من البطالة، ويُطلب من أفراده الآن دفع فواتير لا تشبه دخلهم ولا واقعهم.

من العتمة إلى العزلة الرقمية: السوريون تحت ثقل أغلى فاتورتين في حياتهم

حين تصبح العتمة أقل قسوة من الفاتورة

ست فواتير كهرباء بقيمة لا تتجاوز عشرين ألف ليرة كانت كفيلة بأن يقف المختار وموظف الكهرباء على باب منزل هند، المرأة الخمسينية من ريف الشيخ بدر، للتهديد بقطع التيار.

زوجها كفيف، والأسرة لا تملك دخلاً ثابتاً سوى ما تنتجه الأرض، وتتعثر حتى بتأمين ثمن الخبز. دارت هند على خمسة بيوت لتقترض المبلغ. هذا المشهد البسيط يتحوّل اليوم إلى سؤال مرعب: إذا كانت العشرون ألفاً تحتاج استدانة، فكيف ستتمكن أسرة كهذه من مواجهة فاتورة قد تلامس أربعمئة ألف أو ترتفع إلى مليون ليرة وفق التسعيرة الجديدة؟

قصة هند ليست استثناءً؛ عشرات الآلاف من الأسر ستواجه المصير ذاته، لتتحول فواتير الخدمات الأساسية إلى حمل ثقيل وربما يسحق صاحبه.

تعرفة جديدة… وواقع كهربائي متحوّل

قفزت تسعيرة الكهرباء للشريحة الأولى (حتى ٣٠٠ كيلو واط ساعي) من عشرة ليرات للكيلوواط إلى ستمئة، وفي بعض الشرائح إلى ما يتجاوز الألف وأربعمئة، أي ما يقارب سبعين ضعفاً دفعة واحدة.

ومع هذه الزيادة، شهدت بعض المحافظات تحسناً ملحوظاً في ساعات التغذية. اختفى التقنين في مناطق، وتقلّص في أخرى، لكن الثمن كان ثقيلاً: خوف واسع من “صدمة الفاتورة القادمة”. وبحسب موظف الكهرباء بسام ضوا، فإن عجوزاً تعيش وحدها وتملك ثلاجة وتلفازاً ولمبة واحدة قد تصل فاتورتها إلى مئتي ألف ليرة، وهو رقم يقول الكثير عن الفقر، والقليل فقط عن قدرة الناس على تحمّل ما هو آتٍ.

 لم يكن ارتفاع تسعيرة الكهرباء قراراً منفصلاً عن مشهد اقتصادي كامل يتغير. فالخبز الذي كان بأربعمئة ليرة أصبح بأربعة آلاف، وسعر لتر البنزين والمازوت قفز من نحو ألفين وخمسمئة إلى ما يقارب خمسة عشر ألفاً، بينما أصبحت أسطوانة الغاز المنزلية بحوالي ١٢٥ ألف ليرة، وهي ارقام تفوق قدرة الأسر الفقيرة على مواجهته.

ومع هذه الموجة، وجد السوريون أنفسهم يعيدون ترتيب حياتهم داخل منازلهم: الطباخات الليزرية توقفت بالكامل لأنها تبتلع الكهرباء، السخانات والمكانس تُستخدم بحذر شديد، كثيرون فصلوا البرادات في الشتاء، وغرف بأكملها لم تعد تُضاء إلا عند الضرورة. وحتى الغاز، الذي يفترض أن يكون بديلاً، أصبح عبئاً لا يقل ثقلاً بعد ارتفاع سعر أسطوانته، فاضطر كثيرون في الأرياف للعودة إلى الحطب.

نافذة تُغلق بوجه الطلاب وذوي الإعاقة

لم تكن صدمة الاتصالات أقل قسوة. فرفع الأسعار تجاوز المئة بالمئة، وإلغاء “باقات الساعات” حرم آلاف الأسر من آخر خيار اقتصادي كان متنفساً وحيداً لولوج عالم الانترنت. وفي وقت تتراوح فيه أسعار الباقات الجديدة بين دولارين و27 دولاراً، وتصل الباقة المتوسطة إلى نحو 11 دولاراً.

 وزارة الاتصالات لم تلغِ القرار، بل طلبت من الشركتين “توضيح أسباب رفع الأسعار وتحسين جودة الخدمة”، من دون إجراءات فعلية، فيما تصاعد الغضب الشعبي على منصات التواصل، وسط دعوات لمقاطعة “سيريتل” و“إم تي إن” والمطالبة بإدخال شركات جديدة لكسر الاحتكار.

ومع ذلك، كان الأثر الأعمق على الأشخاص ذوي الإعاقة. فالصم الذين يعتمدون على مكالمات الفيديو للتواصل بلغة الإشارة وجدوا أنفسهم أمام باقات صغيرة لا تكفي حتى يوم واحد، بعدما كانت الباقات المخفضة تمنحهم قدرة معقولة على البقاء على تواصل. قالت رهف، الشابة الصمّاء، إن الباقة التي كانت تكفيها بثمن عشرين ألف ليرة أصبحت اليوم مجرد أجزاء صغيرة لا تساوي شيئاً مقابل احتياجاتها اليومية.

أما إبراهيم حولاني، الطالب الجامعي الكفيف، فكان يعتمد على باقة خمسين غيغابايت بثمانية وعشرين ألف ليرة لقراءة كتبه الرقمية عبر تطبيقات القراءة الصوتية، لكنه اليوم عاجز عن متابعة دراسته بعدما لم يعد ما يُقدَّم من باقات يغطي حتى الساعات الأولى من يومه الدراسي.

هؤلاء لا يتحدثون عن رفاهية، بل عن وسائل حياة كاملة أُغلقت فجأة في وجوههم. فالإنترنت الذي مكّن المكفوفين من التعلم والعمل، وفتح للصم باب التواصل، أصبح عبئاً يعيد إنتاج العزلة التي حاولوا الخروج منها لسنوات طويلة.

إلغاء الباقات المخفضة يتعارض بشكل مباشر مع الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تلزم الدول بتأمين وصولهم إلى التكنولوجيا والمعلومات دون عوائق.

الحق في الوصول قبل الحق في الدفع

وسط كل هذه التحولات، يتبدّى أن المشكلة أكبر من فواتير مرتفعة. فالبلد يتجه بخطى سريعة، قد تكون ضرورية، نحو نموذج اقتصادي يتبنى اقتصاد السوق، لكن قبل توفير أي شبكات حماية اجتماعية واقتصادية للفئات الهشة بل يتجاهل حقّ هذه الفئات في الوصول إلى الخدمات الأساسية. هذا التحول يهدد مئات الآلاف من الأسر التي تقف الآن أمام واقع جديد لا يمكن تجاوزه. الكهرباء التي كانت كابوسا بسبب انقطاعاتها الجنونية تصبح كابوسا بسبب فواتيرها، والإنترنت الذي كان نافذة للطلاب وذوي الإعاقة يتحول إلى عبء يعزلهم من جديد. وفي بلد يعيش معظم سكانه تحت خط الفقر، يبدو السؤال اليوم أبعد من سعر الكيلوواط وسرعة الباقات؛ إنه سؤال هل يمكن تسعير الحقوق الأساسية، لينالها فقط من يستطيع الدفع؟

One Response