تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

أبواب أُغلقت أمامها… والكمبيوتر فتح لآلاء طريقاً إلى المستقبل

إعداد: محمد مستو

الخط

تروي قصة آلاء الشيخ، المصابة باضطراب طيف التوحد، رحلة طويلة من التحديات والرفض المدرسي وصعوبة التعبير، وصولًا إلى النجاح في الثانوية المهنية باختصاص تقنيات الحاسوب بمعدل 72.3. منذ طفولتها، أظهرت آلاء شغفًا واضحًا بالحاسوب والإلكترونيات، فوجدت أسرتها في هذا الاهتمام وسيلة للتعلم والتحفيز. ورغم تعرضها للتنمر وبعض التجارب القاسية، ورفض عدد من المدارس استقبالها، استطاعت مواصلة تعليمها بدعم أسرتها ومن آمن بقدراتها. وكان اختيارها لتخصص تحبه نقطة تحول في مسيرتها، إذ تحسن أداؤها الدراسي ودافعها للتعلم. وتؤكد تجربتها أن اختلاف الطالب لا يعني غياب القدرة، وأن توفير البيئة المناسبة والدعم واحترام الميول الشخصية يمكن أن يفتح الطريق أمام النجاح.

وقفت ميساء إبراهيم تراقب ابنتها آلاء وهي تعبر باب قاعة امتحان الثانوية. بالنسبة لمن حولها، كانت طالبة أخرى تستعد لتقديم امتحانها، أما بالنسبة للأم، فلم تكن تلك سوى لحظة تختصر سنوات طويلة من القلق والمحاولات والبحث عن فرصة.

تقول: «حين رأيتها تدخل إلى القاعة، لم أرَ أمامي مجرد طالبة تتقدم لامتحان. رأيت طفولتها كلها، والمدارس التي رفضت استقبالها، والأيام التي كانت ترفض فيها الذهاب إلى المدرسة، وكل لحظة خفت فيها على مستقبلها».

في ذلك اليوم بكت الأم. لكنها، هذه المرة، لم تكن دموع خوف.

بعد سنوات من الطريق المتعثر، وصلت آلاء الشيخ، المصابة باضطراب طيف التوحد، إلى الثانوية المهنية، ونجحت في اختصاص تقنيات الحاسوب بمعدل 72.3.

قد يبدو الرقم مجرد نتيجة مدرسية، لكنه بالنسبة لآلاء وعائلتها يحمل خلفه حكاية أطول بكثير من شهادة نجاح.

عالم وجدته مبكراً

آلاء غير ناطقة، لكن غياب الكلام لم يكن يومًا غيابًا للفهم أو القدرة على التعلم.

منذ طفولتها، كان هناك شيء يلفت انتباهها أكثر من غيره: الكمبيوتر.

كانت تمضي وقتًا طويلًا أمامه، تستكشفه وتتعامل معه باهتمام واضح، كما أظهرت ميولًا نحو الإلكترونيات والتكنولوجيا.

لاحظت والدتها ذلك مبكرًا، فلم تتعامل مع الكمبيوتر بوصفه مجرد وسيلة للترفيه. أصبح جزءاً من طريقة تواصلها مع آلاء، ووسيلة تستخدمها لتحفيزها وتشجيعها على التعلم.

ومع مرور الوقت، أدركت الأسرة أن الأمر يتجاوز مجرد اهتمام طفولي؛ كان هناك شغف حقيقي بمجال يمكن أن يمنح آلاء مساحة تشعر فيها بالراحة والقدرة.

لكن الوصول إلى المكان الذي يسمح لهذا الشغف بالنمو لم يكن سهلاً.

حين كان العثور على مدرسة تحدياًبحد ذاته

قبل أن تصل آلاء إلى الثانوية، كان على عائلتها أولًا أن تجد مدرسة مستعدة لمنحها فرصة.

طرقت الأسرة أبواب مدارس عديدة، لكن بعضها أُغلق أمامها بسبب اضطراب طيف التوحد.

لم يكن السؤال بالنسبة لوالدتها يومها: هل تستطيع آلاء أن تتعلم؟ بل: من سيمنحها فرصة لتُظهر أنها تستطيع؟

بعد الكثير من البحث والمحاولات، وافقت إحدى المدارس على استقبالها. خضعت آلاء للاختبار، وتمكن القائمون عليها من ملاحظة اجتهادها وقدرتها على الدراسة والتحصيل.

كان ذلك القبول أكثر من مجرد مقعد في صف دراسي. كان باباً فتح أخيراً أمام طفلة احتاجت إلى فرصة، لا إلى حكم مسبق على قدراتها.

أشياء لم تستطع أن ترويها يومها

لم تكن سنوات المدرسة كلها سهلة.

تعرضت آلاء في بعض المراحل للتنمر، وواجهت مواقف ومعاملات قاسية، بينما كانت قدرتها المحدودة على التعبير بالكلام تجعل من الصعب عليها أن تخبر أسرتها بما يحدث.

كانت تعود أحيانًا غاضبة أو متوترة، وفي مراحل معينة أصبحت ترفض الذهاب إلى المدرسة.

لم تكن والدتها تعرف دائماً سبب ذلك.

ومع تقدم آلاء في العمر وتطور قدرتها على التعبير بوسائلها المختلفة، بدأت الأسرة تفهم شيئاٍ من التجارب التي مرت بها، والمواقف التي آلمتها، وشعورها أحياناً بالإهمال من بعض من كانوا حولها.

عندها فقط بدأت الأم تدرك حجم الأشياء التي واجهتها ابنتها بصمت.

لكن ذاكرة آلاء المدرسية لم تحمل التجارب المؤلمة وحدها. فقد قابلت أيضاً معلمات وأطفالاً وأشخاصاً عاملوها بمحبة واحترام، وكان لذلك أثر لا يقل أهمية في رحلتها.

عندما اختارت ما تحب… تغيّر كل شيء

بعد نجاحها في الصف التاسع، كان مجموع آلاء يسمح لها بدخول الصف العاشر العلمي.

لكنها اختارت طريقاً آخر.

اختارت تقنيات الحاسوب.

للمرة الأولى تقريباً، لم يكن المطلوب منها أن تتكيف مع مجال لا يشبهها، بل أصبح بإمكانها أن تتجه نحو شيء أحبته منذ طفولتها.

وهنا بدأ الفرق يظهر.

أصبحت المواد أقرب إلى اهتماماتها، وتراجع جزء من الضغط الدراسي الذي كانت تشعر به، وتحسن تحصيلها وسلوكها، وأصبح لديها دافع أكبر للذهاب إلى المدرسة.

لم تتغير قدرات آلاء فجأة، ما تغير هو أنها وجدت المجال الذي يسمح لهذه القدرات بالظهور.

وتحمل تجربتها رسالة ربما تتجاوز قصتها الشخصية: فحين يواجه طالب صعوبة في التعلم، قد لا يكون السؤال دائمًا «ما الذي لا يستطيع فعله؟»، بل «هل وجدنا الطريقة والبيئة والمجال الذي يناسبه؟».

دموع أمام باب الامتحان

لهذا السبب، عندما وصلت آلاء إلى امتحان الثانوية، كانت اللحظة أكبر من امتحان بالنسبة لوالدتها.

تقول ميساء:

«تذكرت كل شيء… طفولتها، والمدارس التي لم تقبلها، والأيام الصعبة، وكل مرة شعرت فيها بالعجز أو الخوف عليها. عندما رأيتها تدخل القاعة بكيت فرحاً. كانت تلك الدموع تختصر سنوات من الصبر والخوف والأمل والدعاء».

وتشير الأم إلى أن التسهيلات التي حصلت عليها آلاء خلال امتحاناتها، ومنها تقديم الامتحان في قاعة الرعاية الصحية، ساعدتها كثيرًا على استكمال هذه المرحلة.

وتضيف: «وجدنا تعاوناً واهتمامًا وتسهيلات تركت أثراً إيجابياً كبيراً في نفس آلاء. وأنا ممتنة لكل شخص تعامل معها باحترام، ورأى فيها إنسانة وطالبة لها قدراتها وحقوقها، وليس مجرد تشخيص».

اليوم، تحمل آلاء شهادة نجاحها، لكن قصتها لا تقول إن الطريق أصبح خالياً من الصعوبات.

هي تقول شيئاً أبسط وأهم: إن القدرات قد تبقى مختبئة لسنوات عندما لا تجد البيئة التي تحتضنها، وإن فرصة واحدة قد تغير مساراً كاملاً.

في طفولتها، كان الحاسوب مساحة صغيرة تجد فيها آلاء ما تحبه.

واليوم، أصبح ذلك الشغف نفسه اختصاصاً دراسياً، ونجاحاً، وربما أول خطوة في طريق لم تكتب نهايته بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *