الإرادة

المؤتمر الأول للأشخاص ذوي الإعاقة: فوضى المصطلحات، ديجافو، وأمل

الخط

شهد فندق الداماروز في دمشق بتاريخ 17 أيلول 2025 انعقاد المؤتمر الأول للأشخاص ذوي الإعاقة، بعد نحو تسعة أشهر من التحرير وتجربة ملتقى العمل. ورغم ما حمله المؤتمر من وعود وأمل، فقد عكس في جوانب كثيرة مشاهد متكررة من الماضي، أشبه بـ"ديجافو" يعيد إنتاج الأسلوب التقليدي القائم على الوصاية والرمزية. المؤتمر حضره عدد كبير من الوزراء، على عكس فعاليات النظام السابق التي اقتصرت على وزير الشؤون الاجتماعية ومعاونه. ومع ذلك، ظل حضور الأشخاص ذوي الإعاقة محدودًا حتى في مؤتمر يُفترض أن يكون مخصصًا لهم. تخلل المؤتمر فقرة للتعهدات أطلق فيها المسؤولون وعودًا بخلق فرص عمل وتحسين البنية التحتية وتقديم تسهيلات ضريبية، لكنها بقيت مجرد كلمات بلا آليات تنفيذية واضحة أو خطط زمنية محددة. اللافت أنه لم يُطلب من الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم تقديم أي التزامات أو مبادرات، ما يعزز استمرار النظر إليهم كمتلقين فقط لا شركاء فاعلين. كما عانت ورش العمل الست، التي سبقت الافتتاح وتناولت موضوعات مثل الصحة النفسية والتمكين الاقتصادي، من فوضى في المصطلحات وضعف في تناول قضايا حيوية، أبرزها تأثير الحرب وإصاباتها، واحتياجات ذوي الإعاقة البصرية، ما كشف فجوات كبيرة رغم التحضير الذي استمر أكثر من ستة أشهر. إشكالية أخرى تمثلت في غياب الالتزام باستخدام مصطلح "الأشخاص ذوي الإعاقة"، المعتمد دوليًا بموجب الاتفاقية التي وقّعتها سورية عام 2009، وكذلك في القانون السوري رقم 19. استمرار الخلط بين تسميات مثل "ذوي الاحتياجات الخاصة" و"ذوي الهمم" أثار تساؤلات حول جدية القائمين على المؤتمر ومدى إلمامهم بأسس قانونية وأدبيات التعامل مع هذه الفئة. ورغم جميع الملاحظات، خرج المشاركون بعزيمة أكبر، مؤمنين بأن المؤتمر، وإن لم يحقق تطلعاتهم، يشكل خطوة أولى يمكن أن تفتح الباب أمام تغييرات لاحقة، شرط أن تتحول التعهدات إلى أفعال ملموسة.

منصة إرادة-وسيم كناكرية:

بين “المكرمة” و”المزهرية” يقبع قيد ثقيل يدعى “الوصاية”، قيد لطالما عاش السوريون ذوو الإعاقة تحت وطأته لسنوات طوال. نظام استبدادي أنعم عليهم بأبسط حقوقهم تحت مسمى المكرمة، ثم التُقطت لهم الصور في هيئة “المزهرية” التي لا دور لها سوى تزيين المشهد وإظهار المسؤول في صورة ملاك الرحمة، راعي الإنسان والإنسانية، وما يحيط بهم من مشاعر مصطنعة.

حتى جاء يوم سقوط النظام ليكون خلاصًا للأشخاص ذوي الإعاقة من وصاية أثقلت كاهلهم طويلًا.

ديجافو… هل التاريخ يعيد نفسه؟

بعد نحو ستة أشهر من تشكيل حكومة جديدة، والأمل بسياسات عادلة، جاء المؤتمر الأول للأشخاص ذوي الإعاقة في 17 أيلول 2025 في فندق الداماروز، ليطبع على واقعنا طابعًا قديمًا متجددًا. فهل هذا ديجافو؟

من عاش في مناطق سيطرة النظام السابق من الناشطين في حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة يذكر جيدًا فعاليات مشابهة تحت عناوين براقة، جلس خلالها الأشخاص ذوو الإعاقة لساعات طوال في اجتماعات متخصصة، يحدوهم الأمل في إحداث التغيير.

حينها، دار النقاش حول القانون رقم 19، إضافة إلى مشاكل وقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة وطرق نشر الوعي. لكن، ما انتهى إليه الأمر لم يتعدَّ إصدار مرسوم مبجَّل والتقاط الصور التذكارية، بينما تُركت اقتراحات الأشخاص ذوي الإعاقة في سلة المهملات لتشهد تهميشًا اعتاد عليه مقترحوها.

اليوم تبدلت الوجوه، وبدل أن يحضر وزير الشؤون الاجتماعية ومعاونه فقط، حضر عدد كبير من الوزراء احتفالًا بمؤتمر أشك أن هدفه كان واضحًا لبعضهم. أعتقد أنهم حضروا ليقدّموا تعهدات شفهية.

وكما في السابق، ظل الأمل يعمر قلوب قلة قليلة من الأشخاص ذوي الإعاقة الذين كانوا للأسف أقلية حتى في المؤتمر الأول المخصص لهم.

عاصفة المصطلحات… في منأى عن الاتفاقيات والقانون

حار المتحدثون وتاه الأكاديميون في التسمية التي سيطلقونها على هذه الفئة: من “ذوي الاحتياجات الخاصة” إلى “المعاقين”، ثم “أصحاب الإعاقات”، وصولًا إلى “أصحاب أو ذوي الهمم” التي اعتمدتها وزارة الشؤون الاجتماعية في منشورها عن المؤتمر.

كل ذلك رغم أن اسم المؤتمر نفسه جاء واضحًا وصريحًا: المؤتمر الأول للأشخاص ذوي الإعاقة. والأغرب أن سوريا قد وقعت على الاتفاقية الدولية الخاصة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2009، والتي تعتمد مصطلح “الأشخاص ذوي الإعاقة”، كما أن القانون السوري رقم 19 ينص صراحة على استخدام التسمية ذاتها.

هذا كله يثير تخوفًا حقيقيًا من أن المسؤولين عن شؤوننا، والمفترض أن يكونوا ملمين بأبجديات التعامل معنا وبأمورنا القانونية، ليسوا على اطلاع ــ بقصد أو بغير قصد ــ على أبسط القضايا المتعلقة بنا.

تعهدات… كلمات تبحث عن آليات للتنفيذ

تلت ذلك فقرة بعنوان “التعهدات”، وهي أقرب لوضع المسؤول تحت الضغط أمام الحضور كي يتعهد بفعل شيء هو بالأصل واجب عليه. لم أملك إلا أن أقارنها بتعهدات مرشحي مجلس الشعب الذين يعدون ناخبيهم بأن يكونوا صوت الشعب.

تعهد البعض بخلق فرص عمل، وآخرون بتحسين البنية التحتية والتسهيلات الضريبية… غمرتنا نشوة الكلمات التي لم تكن حتى حبرًا على ورق. فرحنا بها إلى درجة أننا نسينا أن نسأل عن آليات التنفيذ أو المخطط الزمني لتحقيقها، لنصحو لاحقًا على شعور بين الشك واليقين.

الأكثر إيلامًا أنه لم يكن هناك أي أشخاص من ذوي الإعاقة ضمن هذه الفقرة يتعهدون مثل المسؤولين بأن يكونوا عونًا لتلك الجهود، أو يقدّموا أي التزامات تجاه مجتمعهم والشريحة التي ينتمون إليها. هذا يعزز مخاوفي من استمرار وضعنا في قالب المتلقين فحسب، لا شركاء فاعلين في قضية نحن جزء منها.

ورش العمل… ما كان يجب أن يكون

قبل الافتتاح أُقيمت ست ورش عمل حول مواضيع مختلفة، كالصحة النفسية والتمكين الاقتصادي وغيرها. ورغم جاذبية المواضيع، وتمكّن المحاورين والضيوف في معظم الأحيان، إلا أن تلك الورش لم تخلُ من فوضى التسميات نفسها.

كما أن معظم النقاشات غاب عنها واقع إصابات الحرب وما نتج عنها من تحديات جديدة: ماذا عن الصحة النفسية لمصابي الحرب؟ وماذا عن تأهيلهم ودمجهم مع الأشخاص ذوي الإعاقة الآخرين؟ إضافة إلى غياب الوعي حول قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، وكثير من الفجوات التي تتطلب معالجة جذرية. خاصة وأن المؤتمر جاء بعد تجهيز دام أكثر من ستة أشهر من مناقشات تتعلق بطبيعة القضايا التي ستُطرح.

الجانب المشرق

لا أنكر أنه، ورغم كل ما سبق، ما زلت أتأمل بنجاح هذه التجربة. فهذا المؤتمر هو الخطوة الأولى التي وإن لم تكن كما نتمنى، يمكن أن يتبعها العديد من الخطوات. مع ذلك، يصرخ صوت داخلي متسائلًا: لو أنفقوا ما أُنفق على هذا المؤتمر في مشاريع تنموية تخدم الأشخاص ذوي الإعاقة، ألم يكن ذلك أجدى؟

خرج معظمنا من المؤتمر دون صورة واضحة عن ماهيته أو رؤيته المستقبلية، ودون خطط ملموسة أو اتفاقيات موقعة. لكننا خرجنا بوعود شفهية نتركها للزمن ونرجو أن تتحقق. وخرجنا أيضًا بشيء ثمين: عزيمة أكبر.

فهناك رياح تغيير يجب أن نستغلها خير استغلال، والأهم أننا لم نعد نخاف أن ننتقد، لأن هذه اللحظات ليست مفصلية في تحديد مستقبلنا نحن فحسب، بل مستقبل كل من سيأتي بعدنا من الأشخاص ذوي الإعاقة.

وعود حكومية تنتظر التطبيق

إلغاء جميع المفاضلات الخاصة باستثناء مفاضلة ذوي الإعاقة، اعترافاً بأهميتهم ودورهم في المجتمع.

وزارة التعليم العالي

تأسيس وحدة متخصصة بدمج ذوي الإعاقة في الوزارة، وتطبيق معايير الوصول الفني.

وزارة الاتصالات

تطوير البنية التحتية للنقل لتكون ميسرة للجميع، وإعادة تصميم المطارات لتراعي احتياجات ذوي الإعاقة.

وزارة النقل

دعم ريادة الأعمال الزراعية وتوفير التدريب الفني المناسب لذوي الإعاقة.

وزارة الزراعة

إلزام المؤسسات العامة بنسبة توظيف من ذوي الإعاقة ضمن قانون الخدمة المدنية الجديد، إلى جانب برامج لبناء القدرات.

وزارة التنمية الإدارية

إطلاق 360 مركز بيع غير ربحي مخصصاً لذوي الإعاقة، ضمن خطة لتمكين المرافق العامة وتسهيل الحركة والخدمات.

محافظة دمشق

3 Responses

  1. بين الحلم و الواقع خيبتم آمالنا وحطمتم احلامنا نعرب عن استيائنا الشديد لعدم قبولنا في الدعوى لحضور المؤتمر لذوي الاعاقة ونحنا أصحاب الشأن بالرغم إننا تقدمنا بطلب لحضور المؤتمر عبر الرابط المرفق

  2. في شي غلط عم يستمر وهوو موضوع الشفقة ويا حرام… يلي لهلق ما عم يتغير فكرة الحقوق… انو كل هي الوعود ما نها اكتر من إعطاء الناس حقوقها الاساسية. وهي مو مشكلة الحكومة بس.. كمان نظرة المجتمع كلو.. تخيل أنتا المواطن العادي انو الباصات تكون مصممة بحيث ما تقدر تطلع عليها او بدك خمسة يساعدوك… شو بيكون موقفك؟ هاد موقفنا

  3. ماذا عن حقنا نحن من تملك إعاقة الا يجب ان يكون لنا مقعد في مجلس الشعب ((هيئة الناخبة)) انطاليا بحقنا لقد حضرت المؤتمر الاول لقانون مجلس الشعب الذي عقد في 21 حزيران في دار الاوبرا كنت انا على كرسي المتحرك الخاص بي و شخص اخر على العكازات و كان وعد لجنة ان ذو الإعاقة لهم 2% من مقاعد مجلس الشعب بهذه النسبة اي يوجد مقعد لنا نحن ذو الإعاقة و الاحتياجات الخاصة والهمم
    و هل يوجد غيري قدم ترشيحه لنيل هذا المقعد انا محمد اسامة الرفاعي الحاصل على شهادة الادب الانكليزي