أعاد انهيار الجسر الترابي في مدينة دير الزور، إثر ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات، مشاهد ومعاناة اعتقد السكان أنهم تجاوزوها مع سقوط نظام الأسد. فالجسر الذي تحول خلال العام والنصف الماضيين إلى الممر الرئيسي بين المدينة وريفها الشرقي انهار بالكامل، لتعود العبّارات النهرية مجددًا بوصفها وسيلة العبور الوحيدة لآلاف السكان. يستعرض التقرير كيف أعاد هذا الانهيار إحياء ذكريات سنوات طويلة من العزلة والمعاناة التي عاشها أهالي دير الزور بعد تدمير جميع جسور المحافظة خلال الحرب. فمنذ عام 2018 اضطر السكان إلى عبور النهر عبر عبّارات بدائية، في ظروف تفتقر إلى أبسط معايير السلامة، بينما كانت الحواجز العسكرية تفرض عليهم الإذلال والانتظار اليومي. وتُظهر شهادات السكان أن انهيار الجسر لم يكن مجرد مشكلة نقل، بل أزمة تمس الحياة اليومية والعمل والتعليم والرعاية الصحية. فالعاملون والطلاب والمرضى باتوا مجبرين على استخدام العبّارات مجددًا، رغم المخاطر المرتبطة بارتفاع منسوب المياه وسوء تنظيم حركة العبور. كما يسلط التقرير الضوء على الطبيعة الجغرافية المعقدة لدير الزور، التي يعتمد سكانها بشكل أساسي على شبكة الجسور للانتقال بين ضفتي الفرات والجزر النهرية المنتشرة في المنطقة. ويؤكد أن تدمير أربعة عشر جسرًا خلال سنوات الحرب، وفي مقدمتها الجسر المعلق وجسر السياسية، ما يزال يلقي بظلاله على حياة السكان حتى اليوم. في المقابل، يرى كثير من الأهالي أن الاستجابة الحكومية الحالية لا ترقى إلى حجم المشكلة، وأن الوعود بإعادة إعمار الجسور ما تزال تفتقر إلى خطط واضحة وجداول زمنية معلنة. وبينما تتجه الجهود الرسمية إلى مشاريع يرونها أقل أولوية، تبقى إعادة بناء الجسور مطلبًا ملحًا يرتبط مباشرة بسلامة السكان وكرامتهم وسبل عيشهم. ويخلص التقرير إلى أن انهيار الجسر الترابي لم يكشف هشاشة ممر مؤقت فحسب، بل أعاد التذكير بثمن تأخر إعادة إعمار البنية التحتية الأساسية في محافظة ما تزال تدفع كلفة الحرب يوميًا.
استمع للمقال
منصة إرادة، شيماء شريف:
لم يكن انهيار الجسر الترابي في دير الزور مجرّد حادثة مأساوية تسبب بها فيضان نهر الفرات. بالنسبة لكثير من أبناء المدينة، كان المشهد أشبه بعودة مفاجئة إلى سنوات اعتقدوا أنهم تجاوزوها. ففي اللحظة التي جرفت فيها المياه الممر الوحيد الذي يربط المدينة بريفها الشرقي، عادت إلى الواجهة صور العبّارات النهرية، وطوابير الانتظار، والخوف اليومي من الغرق، وذكريات مرحلة ارتبطت بالإذلال والعجز أكثر مما ارتبطت بالتنقل والعبور.
ذاكرة العبور والإذلال
دير الزور، 2018: على مدخل المدينة، امرأة تصرخ بشكل هستيري بعدما سُحقت كف يدها بين عبّارتين كهربائيتين لنقل الركاب. لم ينتبه سائق إحداهما إلى أن المرأة كانت لا تزال تمسك بالقارب من الخارج بينما تستعد للنزول. رأيتها تبكي كطفل، تحتضن يدها التي يُرجّح أنها كُسرت. كان الألم أكبر من أن تتحمله تحت وطأة الخجل والكبرياء. لم يطلب لها أحد الإسعاف، ولم يتوقف أحد لمواساتها؛ كان الجميع يستعد للتفييش.
حوّلت نظري عنها واندفعت إلى الأمام تحت تأثير الجاذبية على أرض غير مستوية، لأقف بين نحو مئة شخص تحت رحمة حاجز النظام. كنت أحمل في يدي ألف ليرة، وأخرج من حقيبتي ورقة أخرى ثم أعيدها إلى جيبي. كنت أقول لنفسي إن ألفًا واحدة تكفي لكسب الوقت ولفت انتباه العسكري على الحاجز.
ما إن تقع عين العنصر، ببدلته المموهة الرثة وقبعة الصيد المتسخة، على الورقة النقدية، يومئ برأسه كي أقترب. غالبًا ما يكون شابًا في منتصف الثلاثينيات، تغطي وجهه ورقبته ويديه المكشوفتين حتى الرسغ طبقة من الغبار والعرق. أناوله الألف ليرة، وكف يدي الأخرى، ليشخبط عليها بقلم أزرق أو أخضر بحسب المتوفر، ثم أمضي في طريقي إلى منزلي.
كان هذا مشهدًا اعتياديًا لآلاف العابرين بين ضفتي النهر في دير الزور منذ عام 2018، بعد كسر حصار تنظيم داعش للمدينة، وحتى سقوط النظام في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024.
حل مؤقت انتهى بالانهيار
تقلص استخدام العبّارات إلى الحد الأدنى بعد سقوط نظام الأسد، وإن بقيت تلك المشاهد كذكريات مؤلمة لواحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ المدينة؛ مرحلة الحواجز والعبّارات النهرية.
ومع زوال الحواجز وإعادة استخدام الجسر الترابي الذي يصل مدينة دير الزور بريفها الشرقي، وجد السكان متنفسًا مؤقتًا. فعلى مدى عام ونصف تقريبًا، شكّل الجسر حلًا عمليًا انتقلت عبره المركبات والأفراد وحتى الشاحنات الثقيلة.
وعلى الرغم من المخاطر التي كان يشكلها على حياة العابرين، فإنه ظل أكثر أمانًا وسرعة، وأكثر حفظًا لكرامة الفئات الضعيفة، مثل كبار السن وذوي الإعاقة، مقارنة بالعبّارات الخاصة. وكان الجسر يتعرض للإغلاق بين الحين والآخر بسبب ارتفاع منسوب المياه، لكنه كان يعود إلى الخدمة في كل مرة، إلى أن جاء الفيضان الأخير وأدى إلى انهياره الكامل، لتعود المدينة مجددًا إلى زمن التقسيم والعبّارات.
جغرافيا معقدة وحاجة واضحة
يتفرع نهر الفرات عند وصوله إلى مدينة دير الزور إلى فرعين، كبير وصغير، تتشكل بينهما جزر نهرية مثل حويجة قاطع وحويجة صكر. وقد توزعت الجسور في المدينة وريفها لحل تعقيدات هذه الجغرافيا وتأمين تنقل السكان بسهولة.
لكن نظام الأسد لم يكتفِ بزرع عشرات الحواجز، بل استغل طبيعة المدينة لإخضاع سكانها. وخلال سنوات الحرب دُمّرت جميع جسور المحافظة الأربعة عشر، فتحولت إلى أكوام من الحجارة المستلقية في حضن النهر، بعدما كانت تحمل الناس ومركباتهم وأرزاقهم.
وأجبر تدمير الجسور الأهالي لسنوات على عبور النهر بوسائل بدائية تعرض حياتهم للخطر، وتجبرهم على الانتظار لساعات طويلة في ظروف جوية قاسية، دون تنظيم واضح لنقاط العبور أو معايير سلامة ملزمة لمشغلي العبّارات.
انهار مرتين: مرة بالماء ومرة بالإهمال
خرج محافظ دير الزور زياد العايش في مقابلة على قناة “سوريا الآن” ليتحدث عن وعود بإعادة إعمار عدد من جسور المحافظة، ملمحًا إلى أن الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع أبلغه بذلك خلال زيارة للمحافظة.
لكن كثيرًا من أبناء المدينة يرون أن هذه التصريحات غير كافية، وأنها امتداد لـ”جسر الوهم” الذي تبنيه الحكومة لسكان دير الزور منذ سقوط النظام وحتى اليوم. فالسكان بحاجة إلى خطاب واضح وشفاف يعترف بحجم الكارثة الناتجة عن تأخر إعادة إعمار الجسور، وما يترتب على ذلك من مخاطر يومية على الأرواح.
تقول شيرين المحمد، البالغة من العمر أربعين عامًا، وهي أم لثلاثة أطفال وتعمل في أحد مشافي الريف الشرقي:
“يبدو أن أهل المدينة لا يُنظر إليهم بوصفهم أصحاب حق ومتضررين، بل متسولين للحقوق، ينتظرون زيارة خاطفة للرئيس وما يتبعها من أعطيات كريمة”.
وتضيف أنها تضطر لعبور النهر مرتين يوميًا، ستة أيام في الأسبوع، للوصول إلى مكان عملها. وقبل انهيار الجسر الترابي كانت تستخدمه للعبور، أما اليوم فعادت إلى العبّارات، وفي الحالتين يبقى شبح الغرق رفيق رحلتها اليومية.
أربعة عشر جسرًا مدمرًا
تضم دير الزور أربعة عشر جسرًا مدمرًا، من أبرزها الجسر المعلق وجسر السياسية.
يُعد الجسر المعلق ثاني جسر معلق في العالم عند إنشائه، وأول جسر معلق في الوطن العربي. يمتد فوق الفرع الكبير لنهر الفرات بطول 476 مترًا، ويربط قلب المدينة بمناطق الجزيرة عبر حويجة قاطع. وقد دُمّر بالكامل عام 2013، لتفقد المدينة أحد أهم رموزها الثقافية والعمرانية.
أما جسر السياسية، فكان المدخل الشمالي الرئيسي للشاحنات القادمة من محافظتي الحسكة والرقة عبر الطريق الدولي. وبفقدانه خسرت المحافظة الطريق البري المباشر المخصص لنقل المحاصيل والوقود والبضائع من شرق الفرات إلى داخل المدينة والمحافظات الأخرى.
على ضفتي الانتظار
زكية العيسى، 12 عامًا، من قرية الزغير في ريف دير الزور الشرقي، تعرضت للسعة أفعى سامة بعد أن أدى ارتفاع منسوب المياه إلى خروج الأفاعي من جحورها باتجاه المناطق السكنية.
اضطرت عائلتها إلى نقلها عبر العبّارات النهرية لتلقي العلاج. وكانت الرحلة كفيلة بأن تهدد حياتها وحياة والدتها التي خاطرت بعبور النهر رغم ارتفاع منسوب المياه، ورغم تحذيرات وزارة الطوارئ والكوارث من استخدام المعابر النهرية في تلك الفترة.
أولويات مقلوبة
اليوم، تتسع الوعود الحكومية في دير الزور، بينما تضيق الحياة اليومية للسكان. أصبحت أبسط حركة تتطلب جهدًا بدنيًا إضافيًا، وتكاليف مالية أعلى، ومخاطر متزايدة.
وفي الوقت الذي يعمل فيه المسؤولون على مشاريع تجميلية، مثل إنشاء الدوارات، وبناء مسجد كبير، وتغيير أسماء المدارس والمعالم، ما تزال المشاريع الأساسية التي تمس حياة الناس مباشرة مؤجلة أو مهملة؛ من إعادة بناء الجسور، إلى تحسين القطاع الصحي، وفتح الشوارع المليئة بالركام والحفر، وصولًا إلى معالجة الغياب شبه الكامل لوسائل النقل العام.
وبينما تتراكم الخطط والوعود، يبقى سكان دير الزور عالقين بين ضفتي نهر، ينتظرون جسرًا حقيقيًا يعيد ربط المدينة بحياتها الطبيعية، بدل الاكتفاء بوعود تعبر فوق رؤوسهم ثم تمضي.
