عام 2025 كان استثنائياً لطلاب الشهادة الثانوية في سوريا. سلسلة من التأجيلات والارتباك الإداري طغت على الامتحانات: موعدها تأخر إلى تموز، نتائجها إلى نهاية آب، اعتراضاتها إلى أيلول، فيما لا تزال المفاضلة الجامعية معلّقة حتى اللحظة، تاركة آلاف الطلاب من دون مقاعد مؤكدة. هذا التأخير انعكس مباشرة على أجواء القلق التي عاشها أكثر من 350 ألف طالب وطالبة، وسط تحديات غير مسبوقة: اعتماد الأتمتة لأول مرة، إلغاء الدورة التكميلية، وقطع الإنترنت قبل كل جلسة خشية تسريب الأسئلة. النتائج أظهرت نجاح 75.5% من طلاب الفرع العلمي و54% من الفرع الأدبي، لكنها كشفت أيضاً هشاشة الفئات المهمشة، خصوصاً طلاب الصم الذين لم ينجح أيّ منهم في امتحانات هذا العام، ما أثار دعوات لتخصيص امتحانات ومترجمي لغة إشارة لهم. وفي طرطوس تبددت المخاوف من "تصحيح انتقامي" حين حققت المحافظة أعلى نسبة نجاح، فيما عبّر طلاب كُثر عن خيبة أملهم بعد إلغاء الدورة التكميلية، مثل رند من حماة التي ضاعت منها فرصة كلية الطب بفارق ست علامات. إلى جانب التحديات الأكاديمية، تحولت الجامعة من حلم إلى مصدر قلق بسبب البطالة والظروف الاقتصادية. قصة الطالب عزيز أسعد، الذي حصل على مجموع شبه تام رغم فقر عائلته، تعكس إصراراً على التمسك بالأمل رغم الصعوبات. أما طلاب السويداء فلا يزال مصيرهم مجهولاً بعد توقف الامتحانات في محافظتهم. هكذا، تبقى البكالوريا في سوريا امتحاناً يتجاوز صفوف المدارس ليصبح مرآة للأزمات العميقة التي يعيشها المجتمع.
منصة إرادة- مياس سلمان
عام من التأخيرات في البكالوريا. تأخر موعد الامتحانات وتم تأجيله إلى شهر تموز بدل الانتهاء منه كالعادة في حزيران، ثم تأخرت النتائج في الصدور حتى اليوم الأخير من شهر آب، ثم تأخرت نتائج الاعتراضات على العلامات حتى اليوم صباحاً، وتأخر بالتالي الكشف عن جداول المفاضلة الجامعية التي لم يعلن عنها حتى الآن، وفيما بدأ رسمياً العام الدراسي 2025- 2026، فإن أروقة الجامعات والمعاهد ما زالت خالية من طلاب السنة الأولى، وكثيرون لا يعرفون نهائياً إذا كان سيكون لهم مقعد دراسي هذا العام. في خضم كل هذه الفوضى الامتحانية، يعيش ذوو الإعاقة، انتظارهم الخاص، فالوعود بتغيير أسلوب المفاضلة الخاصة بهم، تم تأجيلها للعام المقبل كما تسرب عن وزارة التعليم العالي، فيما الكثير منهم بدأ يتحضر لإعادة “البكالوريا” على أمل أن تحمل السنة القادمة، الوعد “المؤجل” بتحقيق “تكافؤ” في الفرص التعليمية.
عام استثنائي لم ينته بعد
صدرت أخيراً نتائج البكالوريا لتضع حداً للترقب، ولكنها لم تُنهِ القلق. لم يكن إعلان النتائج مجرد حدث أكاديمي، أو فرحاً خجولأ مشوباً بترقب لمستقبل لا يزال غامضاً، بل كان انعكاساً للصراعات المتراكمة طوال أربعة عشر عاماً وتداعياتها المباشرة، والتي شكلت الخلفية النفسية للطلاب طوال العام. وقد بلغت نسبة النجاح 75.5% في الفرع العلمي و54% في الفرع الأدبي، وهي نسبة اعتبرها كثيرون جيدة بالنظر إلى الظروف. كانت نتائج الثالث الثانوي تتويجاً لمرحلة صعبة عاشها أكثر من 350 ألف طالب وطالبة، واجهوا فيها ظروفاً غير مسبوقة، من التوتر الأمني إلى التحديات التعليمية الجديدة مثل نظام الأتمتة للمرة الأولى، والشائعات الكثيرة، وصولاً إلى قطع الإنترنت والاتصالات قبل كل جلسة امتحانية، خوفاً من تسريب الأسئلة، خاصة بعد الجدل الكبير حول تسريب أسئلة اللغة الإنكليزية.
ومن أبرز ما أثار خيبة أمل الطلاب هذا العام إلغاء الدورة التكميلية التي كانت تمنحهم فرصة تحسين علاماتهم في مادتين يتم اختيارهما. النظام الجديد اقتصر على دورة واحدة مخصصة للراسبين في مادتين، شرط ألا يقل مجموعهما عن ربع العلامة. أما مادة اللغة العربية فبقيت “خطًا أحمر”، إذ يرسب الطالب تلقائيًا إذا حصل فيها على أقل من نصف العلامة.
هذا القرار أغلق باب الأمل أمام كثير من الطلاب المتفوقين الذين فقدوا بضع علامات حالت بينهم وبين تحقيق أحلامهم الجامعية. رند من محافظة حماة، التي حصلت على 231 من أصل 240، قالت: “كان حلمي دخول كلية الطب. اجتهدت طوال العام، لكنني خسرت ست علامات في الفيزياء بسبب التوتر. لو كانت هناك دورة تكميلية، لكنت حققت حلمي”.
وبعد عبورهم للامتحانات الصعبة، يواجه الطلاب تحدياً جديداً لم يكن في الحسبان: تأخر المفاضلة الجامعية. حتى الآن لم تعلن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عن مفاضلة الجامعات والمعاهد. جميع الطلاب لا يعرفون حتى الآن ما هو الفرع الجامعي الذي سيدرسونه أو إذا كانوا سينتقلون إلى محافظة أخرى، ونفس الأمر بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة الذين حققوا نتائج غير جيدة في امتحانات البكالوريا لهذا العام.
فئة الصم: الحلقة الأضعف
البكالوريا في سوريا ليست مجرد امتحان أكاديمي. هي لحظة مصيرية يتابعها الطلاب وعائلاتهم وجيرانهم، فهي تحدد المسار الدراسي والمهني لآلاف الشباب. لكن هذه اللحظة تزداد تعقيدًا بالنسبة للطلاب من ذوي الإعاقة، إذ تكشف بوضوح ضعف الدعم والدمج في النظام التعليمي.
مدربة لغة الإشارة، الآنسة فرح التل، قالت إن نسبة النجاح بين طلاب الصم في دمشق كانت معدومة تمامًا، حيث لم ينجح أي طالب أصم في امتحانات التاسع أو الثالث الثانوي. وأوضحت أن إدراك الطالب الأصم مختلف عن الطالب السامع، فهو يعتمد على صور ذهنية ولغة إشارة، ما يجعل فهم الأسئلة المكتوبة أمرًا بالغ الصعوبة. في الماضي كان بعض هؤلاء الطلاب ينجحون عبر المساعدة أو النقل، لكن ذلك لم يحدث هذا العام.
فرح شددت على أن الحل العادل هو تخصيص امتحانات خاصة لطلاب الصم مع وجود مترجم لغة إشارة في كل قاعة. وأضافت: “من الظلم أن يُعامل هؤلاء الطلاب كما يُعامل أقرانهم السامعون”.
مصادر في وزارة التربية قالت لمنصة “إرادة” إن أعداد المتقدمين من ذوي الإعاقة للشهادة الثانوية لا تتجاوز 350 طالبًا وطالبة. وأشارت إلى أن الطلاب المكفوفين حققوا أفضل النتائج، فيما رسب جميع طلاب الإعاقة السمعية الذين لم يتجاوز عددهم عشرين طالبًا وطالبة فقط. وأكدت المصادر أن الناجحين سيتقدمون إلى مفاضلة خاصة، لكنها ستقتصر على الكليات الأدبية وبشروط محددة، الأمر الذي يحد من خياراتهم الدراسية ويعمق شعورهم بعدم المساواة.
مخاوف تبددت في طرطوس
في طرطوس، انتشرت قبل الامتحانات شائعات بأن أوراق الطلاب ستُصحح في محافظة درعا. هذه الأخبار أثارت قلق الأهالي من أن يتعرض أبناؤهم للظلم أو الانتقام بدوافع سياسية أو طائفية. فهذه كانت أول عملية امتحانية بعد سقوط النظام، والمخاوف من التمييز كانت حاضرة بقوة.
لكن النتائج جاءت معاكسة لهذه التوقعات. فقد سجلت طرطوس أعلى نسبة نجاح على مستوى البلاد (أكثر من 83%)، وحصل ثمانية طلاب على العلامة التامة، فيما حقق كثيرون علامات شبه تامة.
الطالب خليل سلمان من منطقة الشيخ بدر، الذي نال 239.4 من أصل 240، قال: “كنت قلقًا من أن تُظلم أوراقنا، لكنني حصلت على حقي كاملًا، وأدركت أن ضمير وأخلاق المدرسين بخير”. أما إسماعيل علي، الذي نال 142 من أصل 240، فقد اعترف أنه شعر بالخوف من الرسوب في مادة اللغة العربية، لكنه لاحظ حصوله على الحد الأدنى للنجاح، وقال: “أعتقد أنهم ساعدوني بعلامتين كي لا أرسب”.
الجامعة لم تعد حلمًا
بالنسبة لكثير من الطلاب، لم يعد النجاح في البكالوريا يعني بداية جديدة مشرقة. بل تحولت الجامعة إلى مصدر قلق. ارتفاع البطالة بين الخريجين، الغلاء المعيشي، تكاليف المواصلات الباهظة، كلها عوامل جعلت الجامعة عبئًا بدل أن تكون حلمًا.
قصة الطالب عزيز أسعد من قرية الفندارة بطرطوس تعكس هذه المعاناة. فقد حصل على 235.3 من أصل 240، وهو الابن الأكبر لأسرة مكونة من أربعة أبناء. والده يعاني من إعاقة في يده تمنعه من العمل، وأمه ربة منزل لا تملك سوى بقرة بالكاد يغطي حليبها احتياجات الأسرة. عزيز يعمل في مطعم بعد الامتحانات ليساعد عائلته، ويحلم بدراسة الطب رغم الظروف القاسية. ويعوّل على دعم أبناء قريته المقتدرين، إذ لا توجد جمعيات أو قروض جامعية تساعده. يقول: “دراسة الطب قد تكون طوق النجاة لي ولأسرتي، وربما وسيلتي للحصول على فرصة سفر تفتح لي مستقبلاً أفضل”.
نتائج الثانوية والبطالة
رغم نسب النجاح المرتفعة نسبيًا، إلا أن نتائج الثانوية قد تزيد من معدلات البطالة. ففي الماضي، كان أصحاب العلامات المتدنية يلجؤون للتطوع في الكليات العسكرية أو صفوف الضباط في الجيش. لكن هذا الخيار لم يعد متاحًا بعد التغييرات السياسية الأخيرة وعدم قبول أبناء الأقليات في الجيش الجديد.
هذا الواقع قد يدفع آلاف الشباب إلى البطالة، لكنه ربما يفتح أمام بعضهم فرصة لتعلم مهن جديدة والبحث عن بدائل أكثر واقعية. ومع ذلك، يبقى الشعور العام أن البكالوريا ما زالت امتحانًا مصيريًا يحدد مستقبل الطلاب بشكل يفوق طاقاتهم، بدل أن تكون مجرد خطوة طبيعية في مسارهم التعليمي.
السويداء: مصير مجهول
يبقى مصير آلاف طلاب السويداء الذين لم يتمكنوا من إتمام امتحاناتهم غامضاً. فهل ستُتاح لهم دورة استثنائية؟ أم ستُحرم الجامعات السورية من طلاب جدد من هذه المحافظة؟ حتى الآن لا بوادر لحلول، بينما يضيق الوقت وتبقى أحلام هؤلاء معلقة على “معجزة” قد لا تأتي. هؤلاء الطلاب ضحايا غير مباشرين لصراع لم ينتهِ بعد، حتى وإن خفت صوت البنادق.
