الإرادة

أن تكوني إفجينيا: حين تلتقي التراجيديا الإغريقية بالسرد السوري

الخط

يتناول فيلم "أن تكوني إفجينيا" للمخرجة ريم الغزي تجربة مجموعة من النساء السوريات الشابات اللواتي أُعيد توطينهن في ألمانيا، حيث يجتمعن ضمن ورشة مسرحية لإعادة تقديم نص "إفجينيا في أوليس" ليوربيديس في صيغة وثائقية تمزج بين الأداء المسرحي والسرد الشخصي. من خلال هذه العملية، لا يكتفين بإعادة تمثيل التراجيديا الإغريقية، بل يُعدن قراءتها على ضوء تجاربهن الخاصة، حيث تتقاطع حكاياتهن مع مصير إفجينيا التي قُدّمت قرباناً لإرضاء الآلهة. يعكس الفيلم رحلة داخلية عميقة لهؤلاء النساء في مواجهة ذواتهن وماضيهن، إذ يستحضرن أشكالاً متعددة من القمع الذي عشنه في سوريا، سواء المرتبط بالبنى الأبوية أو بالعادات والتقاليد أو بالتفسيرات المتشددة للدين. في المقابل، تتيح لهن المساحة الجديدة في ألمانيا اختبار معنى الحرية، ليس بوصفها مفهوماً مجرداً، بل كتجربة معيشة تُترجم عبر الجسد والصوت والحضور على خشبة المسرح. لا يقتصر العمل على توثيق تمرين مسرحي، بل يكشف عن مسار تحوّل نفسي وجماعي، حيث تصبح البروفات مساحة للبوح والتفريغ وإعادة بناء الذات. ومع تطور العمل، تتحول الحكايات الفردية إلى خطاب جماعي يعبّر عن مقاومة النساء لفكرة "القربان" التي فرضت عليهن بأشكال مختلفة. وهنا، يتحول المسرح إلى أداة مواجهة، وإلى فعل تحرر يعيد للمرأة agency وصوتها. في العرض النهائي، لا يكون النجاح مرهوناً برضا الجمهور فحسب، بل بقدرة المشاركات على الوقوف أمام أنفسهن أولاً، وإعلان حقيقة ما عشنه دون خوف أو مواربة. بذلك، يقدم الفيلم قراءة معاصرة لإفجينيا، لا كضحية صامتة، بل كامرأة تعيد تعريف مصيرها خارج شروط التضحية. إنه عمل يكشف كيف يمكن للفن أن يكون مساحة لإعادة كتابة السرديات، ولتحويل الألم إلى فعل إبداعي مقاوم.

منصة إرادة- عبد الكريم عمرين:

في دير الآباء اليسوعيين بحمص عُرض فيلم “أن تكوني إفجينيا”، وهو من إخراج ريم الغزي. يحكي الفيلم عن مجموعة من النساء السوريات الشابات اللواتي تمّت إعادة توطينهنّ مؤخراً في ألمانيا، حيث يجتمعن لتقديم نسخة من مسرحية “إفجينيا في أوليس” — وهي نص من المسرح الإغريقي ليوربيديس — في عمل مسرحي وثائقي، من خلال ورشة عمل وتمارين لياقة وأداء مسرحي بإشراف المخرج عمر أبو سعدة وكاتب النص المسرحي محمد العطار. وفي تلك الورشة تمزج النساء بين المأساة الإغريقية، مأساة إفجينيا، وقصصهنّ الشخصية، ويواجهن النظام الأبوي وعلاقتهن بوطنهن الذي غادرنه بسبب الحرب والمقتلة السورية، بالإضافة إلى تحديات إعادة بناء حياتهن الجديدة وقسوة الغربة. يتتبع فيلم “أن تكوني إفجينيا” رحلة تلك النسوة الحميمية لاكتشاف الذات، الذات الحرة في مجتمع جديد وحر، كما يتتبع صمودهن وبطولتهن وهنّ يجدن أصواتهن وعقولهن وأجسادهن الحرة على خشبة المسرح.

  •  
بطاقة فلم “ان تكوني افيجينيا”
 
    • فيلم وثائقي
    • إخراج: ريم الغزي
    • سنة الإنتاج : 2023
    • إنتاج: Stories Film, Mediadante, Wind Cinema
    • المدة : 72 دقيقة 

من هي إفجينيا الإغريقية؟

إفجينيا هي ابنة أجاممنون، وهو قائد التحالف اليوناني قبل وخلال الحرب الطروادية، وقد قرّر تقديم ابنته إيفيجينيا قرباناً استرضاءً للإلهة آرتيمس، وذلك لتسمح لقوات الجيش بالإبحار بسلام وشرف حتى تذهب للقتال ضد طروادة. وهناك، كما يبدو، نوع من التشابه في صراع أجاممنون في تراجيديا “إيفيجينيا في أوليس” والصراع بين أجاممنون وآخيل، الذي كان يدور كذلك حول مصير امرأة شابة تم نذرها قرباناً، وهو الصراع بين الاثنين في بداية “الإلياذة” التي كتبها هوميروس، وبالتحديد في تصوير يوربيديس للشخصيات الرئيسية، حيث غالباً ما يستعمل المفارقة التراجيدية من أجل التأثير الدرامي. ورد اسم إفجينيا في المسرحيات الإغريقية بشكل عابر عند أسخيلوس في مسرحيته “أجاممنون”، وعند سوفوكليس في مسرحيته “إلكترا”، لكن يوربيديس وحده جعلها بطلة وشخصية محورية في مسرحيتيه “إفجينيا في أوليس” و”إفجينيا في تاوريس”. كما تأثر الأدب الأوروبي، وكذلك المسرح، بحكاية إفجينيا في الأساطير الإغريقية وفي مسرحية يوربيديس، فكتب عنها الفرنسي راسين والألماني غوته.

إعادة كتابة المصير الأنثوي

قُدِّم فيلم “أن تكوني إفجينيا” في حمص بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، كما قُدِّم في العديد من العواصم والمدن والمنتديات الثقافية في اليوم ذاته. أما اليوم العالمي للمرأة، الذي بدأ الاحتفال به في أوائل سبعينيات القرن الماضي بعد أن اعتمدت الأمم المتحدة يوم 8 آذار من كل عام، ففي 8 آذار من عام 1857 خرجت عاملات النسيج والخياطة في نيويورك بمظاهرة دعت إليها حركتهن “حركة الورد والخبز”، طالبن فيها بتقليل ساعات العمل، وزيادة الأجور، وتحقيق المساواة في الأجر، وتوفير دور الحضانة لأطفالهن وصون كرامتهن الإنسانية، لكن شرطة نيويورك واجهت جموع النساء بالعنف وأطلقت عليهن النار، فاستشهد عدد منهن. أما فكرة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة فقد ظهرت عام 1910 أثناء انعقاد المؤتمر الدولي للنساء الاشتراكيات في كوبنهاغن، حيث طالبت الناشطة السياسية اليسارية كلارا زتكن بالبدء بتنظيم يوم دولي للمرأة بهدف تعبئة النساء سياسياً، كما طالبت السلطات بمنح حق المرأة في التصويت السياسي والبرلماني. وبعد نضالات نسائية طويلة، احتفلت روسيا لأول مرة باليوم العالمي للمرأة في شباط عام 1913، بينما بدأ الاحتفال أممياً عام 1977، وأطلقت الأمم المتحدة عليه رسمياً “السنة الدولية للمرأة”. وما زال هذا الاحتفال يُقام في دول عديدة، كذكرى لنضالات المرأة وللمطالبة بمزيد من الحريات لها، ولانعتاقها من قوانين وعادات وتقاليد متخلفة تقمعها وتقيّدها كمواطنة من الدرجة الثانية في بعض الدول، وكامرأة تابعة في الكثير من الأسر.

أصوات خرجت من تحت الركام إلى الخشبة

قامت ريم الغزي بإخراج فيلم “أن تكوني إفجينيا” كمقاربة تشابه بين إفجينيا التي دفعها والدها للتضحية بنفسها للآلهة آرتيمس في سبيل أثينا ومجدها الحربي، وبين المرأة السورية التي كانت تعيش في وطنها تحت الاستبداد الذكوري والمجتمعي. لكن إفجينيا السورية في ألمانيا، حين توفر لها شرط الإبداع الأساسي وهو الحرية، وحين بدأت في ورشة التدريب المسرحية، تستذكر القمع الذي عاشته؛ قمعاً متعدد الأوجه: قمع بسبب الفهم الخاطئ للدين، وقمع بسبب عادات متخلفة وبالية، وقمع بسبب العرف العشائري، وقمع ذكوري؛ فبمجرد أن تولد بصفات الأنثى البيولوجية توضع في مرتبة أدنى على مختلف مستويات العيش الآدمي.

حكاياتهن أثناء ورشة الإعداد لعمل مسرحي، تلك الحكايات الأليمة لكن الدافئة والمحبة للعائلة والأصدقاء والجيران، جعلت منهن كجمر في كانون؛ هسيسهن الأنثوي الرافض لذلك العيش الذي كان في سوريا، لكنه المفعم بالحنين. وما بين الرفض الشرس والحب بشغف، وما بين المسرح والسرد الشخصي، تصبح حكاية الممثلة عرضاً مسرحياً. والسرد والتمثيل يحتاجان إلى شكيمة أمام الجمهور، وقد حصلن عليها في بوح التدريبات وبكاء الذكريات وحميمية التعاطف والعناق فيما بينهن. وفي هنغار كبير في المطار صنعن منصة مربعة وسط الجمهور، مفتوحة من جهاتها الأربع، وقدمن مسرحيتهن بنجاح منقطع النظير؛ نجاح ليس قوامه رضا وسرور الجمهور، بل أساسه وأوتاده المتينة هو الانتصار على ذواتهن، إذ خرجت كل واحدة منهن لتقول بعد العرض المسرحي: هذه أنا.. حقيقتي أنا.. أنا التي وُلدت من جديد.

تقول المخرجة ريم الغزي في لقاء جمهور حمص عبر “زوم” إن فيلمها استغرق تصويره أربع سنوات، وكان لديها 400 ساعة تصوير، عملت جاهدة لاختيار 72 دقيقة ليكون فيلمها. وهو فيلم بسيط وعفوي في تصويره وكادراته، لكنه جميل ودافئ، تنتصر فيه النساء ليكنّ على حقيقتهن، دون مواربة أو خوف من العشيرة والقبيلة والذكورية المتخلفة. فيلم يستحق المشاهدة؛ يمكن أن تقول بعد مشاهدته: هذا الفيلم من فضائل الحرب والتهجير، إن كان للحرب من فضائل.. يا لها من سينما كاشفة.