تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

دافعت عن أمها فقتلها والدها.. رغد ضحية العنف الأسري والسلاح

إعداد: ضياء الصفدي

لم تكن رغد العنداري، ابنة الحادية والعشرين، تعرف أن اعتراضها على طرد والدتها من المنزل سيكون آخر موقف في حياتها. داخل منزل العائلة في قرية الطيبة بريف السويداء الشرقي، تحوّل خلاف أسري إلى جريمة قتل، بعدما أطلق والدها، بحسب رواية والدتها ومصادر محلية، النار عليها من بندقية آلية، قبل أن يفر من المكان. ولاحقًا، قالت مصادر من القرية إن الأهالي تمكنوا من القبض عليه وتسليمه إلى الجهات الأمنية في السويداء.

فارقت رغد الحياة متأثرة بإصابتها بطلقات نارية داخل منزلها، في حادثة تعيد إلى الواجهة واحدة من أقسى صور العنف الأسري: حين يتحول المكان الذي يفترض أن يكون مساحة للأمان إلى مسرح لجريمة يرتكبها أحد أقرب الأشخاص.

وبحسب مصادر محلية، كانت رغد تعاني من إعاقة حركية في إحدى ساقيها، ومن آلام في قدميها نتيجة خلع ولادي. وتشير المعلومات المتداولة إلى أنها كانت تعمل في صناعة القبعات لتأمين دخل بسيط يساعدها على مواجهة ظروف حياتها، كما كانت تتعرض، وفق روايات محلية، لأشكال متكررة من العنف الأسري.

لكن قصة رغد، كما ترويها والدتها، لم تبدأ في اللحظة التي أُطلقت فيها النار.

خلافات وتهديدات سبقت الجريمة

تروي سامية غانم، والدة رغد، في تسجيل صوتي حصل عليه مركز السويداء للتوثيق والإعلام، أن الخلافات بينها وبين زوجها، المعروف باسم “جندل”، كانت تتصاعد منذ أشهر.

وبحسب روايتها، كان الزوج يطالبها بتأمين المال، ووجّه إليها وإلى ابنتهما رغد تهديدات بالقتل، مكررًا أنه لا يريد رؤيتهما.

ومع تصاعد الخلافات، تقول سامية إن العلاقة وصلت إلى حد الطلاق، وإن زوجها طردها من المنزل. عندها تدخلت رغد واعترضت على ما يجري لوالدتها.

وتروي الأم أن ابنتها واجهت والدها وهي في حالة انفعال وبكاء، قبل أن يطلق النار عليها من بندقية آلية. وتضيف أنه منع الموجودين من الاقتراب من رغد بعد إصابتها، ثم غادر المكان.

وتؤكد سامية أن زوجها كان بكامل وعيه وقت الحادثة، وترفض ما تصفه بمحاولات تبرير ما جرى بالحديث عن إصابته بمرض نفسي أو فقدانه الأهلية. كما تطالب بمحاسبته، مؤكدة أنها لن تتنازل عن حق ابنتها، ومطالبة بإنزال أقصى العقوبات بحقه.

رحلت رغد من دون تقرير طبي

بحسب المعلومات المتداولة، دُفنت رغد من دون نقلها إلى المستشفى، وهو ما حال، وفق مصادر محلية من القرية، دون صدور تقرير طبي أو جنائي مستقل يوثق ظروف الوفاة وملابساتها.

ويفتح غياب التوثيق الطبي والجنائي الباب أمام أسئلة إضافية حول آليات التعامل مع الجرائم التي تقع داخل المنازل، وخصوصًا عندما تتعدد الروايات حول تفاصيلها.

وتبقى الوقائع الكاملة ومسؤوليات الأطراف بحاجة إلى تحقيق رسمي مستقل، غير أن ما تجمع عليه رواية الأم والمصادر المحلية هو أن رغد أصيبت بإطلاق نار داخل منزلها، في سياق خلاف أسري سبقته، بحسب والدتها، تهديدات وعنف متكرر.

حين يصبح الأقرب مصدرًا للخطر

لا تبدو قصة رغد حادثة منفصلة عن سياق أوسع من العنف الأسري الذي تكون النساء والفتيات من أبرز ضحاياه، وقد ينتهي في بعض الحالات بالقتل.

الأب، الزوج، الأخ أو أحد أفراد العائلة يفترض أن يكونوا جزءًا من دائرة الأمان الأولى، لكنهم قد يتحولون في بعض الحالات إلى مصدر مباشر للخطر. ومع انتشار السلاح، يصبح الغضب أكثر قدرة على التحول خلال ثوانٍ من خلاف أو تهديد إلى جريمة لا يمكن التراجع عن نتائجها.

قضية رغد تطرح هنا سؤالين متداخلين: ماذا يحدث عندما تتكرر التهديدات والعنف داخل المنزل من دون تدخل يحمي الضحية؟ وماذا يعني أن يكون السلاح متاحًا في بيئة يتصاعد فيها التوتر والعنف الأسري؟

فالتهديد الذي قد يبقى كلامًا في ظروف أخرى، يمكن أن يتحول مع وجود السلاح إلى فعل قاتل خلال لحظات.

إعاقة جعلتها أكثر هشاشة أمام العنف

وتحمل قصة رغد بعدًا آخر لا يمكن تجاهله. فكونها شابة تعيش مع إعاقة حركية يضعها ضمن فئة قد تكون أكثر عرضة للهشاشة في حالات العنف الأسري، ولا سيما عندما تكون خيارات الحركة والاستقلال الاقتصادي وطلب الحماية محدودة.

كانت رغد، بحسب المصادر، تحاول أن تؤمن لنفسها موردًا بسيطًا من خلال صناعة القبعات، في وقت كانت تواجه فيه آلامًا جسدية وظروفًا أسرية صعبة.

وهنا لا تعود الإعاقة مجرد تفصيل في قصتها، بل عاملًا إضافيًا يطرح أسئلة حول مدى قدرة النساء ذوات الإعاقة على الوصول إلى الحماية والدعم عندما يقع العنف داخل الأسرة نفسها.

هل كان يمكن منع الجريمة؟

بعد رحيل رغد، بقيت أسئلة كثيرة معلقة في قرية الطيبة.

هل كان يمكن التعامل بجدية أكبر مع التهديدات التي تقول والدتها إنها سبقت الجريمة؟
هل كان يمكن للعنف المتكرر أن يشكل إنذارًا مبكرًا يستدعي التدخل؟
وهل كان يمكن منع لحظة إطلاق النار لو لم يكن السلاح متاحًا بهذه السهولة؟

أسئلة تتجاوز قصة رغد وحدها، لتصل إلى واقع تواجه فيه نساء كثيرات العنف داخل الأماكن التي يفترض أن تحميهن.

أما والدتها، فتتمسك بسؤال واحد يبدو أنه سيظل حاضرًا طويلًا:

أين العدالة لرغد؟

برحيلها، تضاف رغد العنداري إلى سجل ضحايا العنف الأسري، تاركة خلفها أمًا تطالب بمحاسبة المسؤول عن مقتل ابنتها، وقصة تذكّر بأن الخطر لا يأتي دائمًا من خارج المنزل.

أحيانًا، يكون الخوف في الداخل، ويكون أقرب الناس هو مصدره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *