يوثق فيلم «وقت مستقطع 22» للمخرج السوري علي قزويني لحظة استثنائية عاشها السوريون خلال كأس العالم 2022 في قطر، حيث تحولت كرة القدم إلى مساحة مؤقتة للهروب من أعباء الحرب والواقع السياسي والاجتماعي الخانق. لا يروي الفيلم حكاية بطولة رياضية بقدر ما يرصد أحوال السوريين وهم يتابعون المباريات في الشوارع والمقاهي والساحات العامة، ويتشاركون الفرح والحزن والانفعال وكأنهم يعيشون حياة أخرى خارج زمن الحرب. خلال 23 يومًا من التصوير، تنقلت الكاميرا بين ملاعب التدريب والمقاهي وأماكن التجمعات الشعبية، كما التقت مدربين ورياضيين ومهتمين بالشأن الكروي، كاشفةً عن مشكلات الرياضة السورية من ضعف البنية التحتية وغياب الدعم والضغوط التي يتعرض لها اللاعبون. ويضيء الفيلم أيضًا على الأثر النفسي والاجتماعي الذي تركته سنوات الحرب، سواء من خلال أحاديث الرياضيين أو عبر شهادة مدربة أطفال أجنبية قارنت بين تجاربها في بلدان عاشت نزاعات طويلة وبين تجربتها في سوريا. تكمن أهمية الفيلم في قيمته التوثيقية؛ فهو يحفظ صورة دمشق وأهلها وأسواقها وشوارعها في مرحلة انتقالية من تاريخ البلاد. لكنه يترك بعض الأسئلة مفتوحة، إذ لا يذهب بعيدًا في استكشاف العلاقة بين الرياضة والانقسام الاجتماعي أو بين كرة القدم والحرب السورية، كما لا يتوقف عند ظاهرة تبني الجماهير لهويات رياضية بديلة تعوض شعورًا بالانتماء المفقود. ورغم هذه الملاحظات، ينجح «وقت مستقطع 22» في تقديم شهادة بصرية عن مجتمع متعب وجد في المونديال فرصة لالتقاط أنفاسه. إنه فيلم عن السوريين أكثر مما هو عن كرة القدم؛ عن حاجتهم إلى الفرح، وعن قدرتهم على صناعة لحظات جماعية نادرة وسط واقع مثقل بالخسارات.
استمع للمقال
منصة إرادة- عبد الكريم عمرين
في دير الآباء اليسوعيين بحمص، عرض مجتمع حمص السينمائي الفيلم التسجيلي الطويل «وقت مستقطع 22»، وهو الفيلم الأول لعلي قزويني مخرجًا.
ليس ثمة حكاية في فيلم «وقت مستقطع 22» سوى حكاية السوريين أثناء مونديال كأس العالم لكرة القدم الذي أقيم في قطر عام 2022. إنه وقتٌ مستقطع من الحياة داخل سوريا، وقد صارت الحرب على قاب قوسين أو أدنى من نهايتها، وكذلك سقوط النظام. يرصد الفيلم اختلاف آراء السوريين ومواقفهم بين مؤيد لهذا الفريق أو ذاك، أو مناوئ له، في نهائيات كأس العالم لكرة القدم. فيصوّر حركة الشارع والمقاهي والساحات التي نُصبت فيها الشاشات الضخمة والمتوسطة، كما يرصد واقع الرياضيين في هذه اللعبة الشعبية، وابتزازهم من قبل السلطة، وخضوع بعضهم للرشاوى، وفقر الملاعب ووسائل التدريب، وتوتر الجماهير وانشدادها إلى المباريات التي تُبث مباشرة من ملاعب قطر، وقنوطها حين تنحرف الكرة قليلًا فلا تدخل المرمى، وفرحها وصراخها حين ينتصر فريقها، وبكاء بعضهم حزنًا على هزيمته.
تم تصوير الفيلم خلال فترة قصيرة لم تتجاوز 23 يومًا، جابت فيها الكاميرا ملاعب التدريب، ومكاتب المدربين الأجانب، والتقت بهم، ورصدت ملاحظاتهم وتقييمهم لفريق كرة القدم السوري، الذي يعتمد طريقة لعب واحدة، ما استدعى الدعوة إلى تغييرها وزرع فلسفة جديدة لممارسة هذه الرياضة. كما يلتقي الفيلم مع مدربة للأطفال، وهي تغور في أعماق نفوسهم لتتعرف إلى شخصية كل طفل وظروفه الاجتماعية والأسرية. وتعترف أمام كاميرا الفيلم قائلة: «لقد دربت أطفال الهند وكشمير وأفغانستان، والآن أنا في سوريا، وأقول إن الطفل السوري أشد عدوانية ونزقًا وقابلية للمشاحنة والبغضاء من أي طفل في تلك البلدان، رغم أن الحروب في بعضها استمرت أربعين عامًا، بينما انتهت الحرب في سوريا بعد اثني عشر عامًا».
فيلم تزداد أهميته التوثيقية كلما تقادم الزمن، نظرًا لتصويره أماكن شتى في دمشق وأسواقها وسكانها عام 2022. لكن ثمة بعض المآخذ عليه، وأولها أنه لم يربط بين الرياضة والحرب، ولا بين الرياضة والطبقات الاجتماعية في سوريا. كان يمكن، على سبيل المثال، أن يوثق مشاهدة إحدى المباريات داخل أسرة سورية، لنرى الاختلافات في التشجيع والتعصب الرياضي بوصفها انعكاسًا للاختلافات والانقسامات التي عرفها السوريون خلال الحرب.
كما كان من المفيد أن يتوقف الفيلم عند مسألة أخرى، وهي أن كثيرًا من الشعوب، ومنها الشعب السوري، تسعى إلى تبني هوية رياضية بديلة عن هويتها الاجتماعية والسياسية. فعندما تفوز الأرجنتين مثلًا، يصرخ مشجعها: «لقد انتصرنا»، وفي غمرة الفرح ينسى أنه سوري وليس أرجنتينيًا.
تم تصوير الفيلم عام 2022، وهو عام كانت فيه سوريا متعبة إلى حد الإعياء. كانت الحرب قد توقفت أو كادت، فيما بدا الأفق السياسي للبلاد معدومًا، إلا أن هذه الملامح لم تحضر بوضوح في الفيلم. وكان من الممكن أيضًا أن يركز، ولو بشكل عابر، على المعلقين الرياضيين الذين صنع كل منهم لنفسه أسلوبًا خاصًا في الأداء والتعبير. فهذا الأسلوب متخم بالثقافة العربية، من أشعار وأمثال شعبية وصور بلاغية وتراكيب طريفة، ويحمل في الوقت ذاته نكهة ولهجة البلد الذي ينتمي إليه المعلق؛ فالمصري يعبر بطريقته الخاصة، وكذلك المغربي والخليجي والسوري، وكل منهم ينهل من موروث بلده وثقافته.
حين نسي السوريون الحرب تسعين دقيقة
«وقت مستقطع 22» هو الفيلم الأول لمخرجه علي قزويني، الذي يعمل أساسًا مونتيرًا للأفلام الوثائقية منذ تسع سنوات. ويقول المخرج، ردًا على سؤال منصة إرادة حول الدافع وراء انتقاله من المونتاج إلى الإخراج: «عملت سنوات طويلة مونتيرًا، والمونتير في الأفلام الوثائقية هو مخرج ثانٍ للفيلم. ومنذ صغري كان لدي إحساس بأن مباريات كأس العالم تغيّر قليلًا من طبيعة الشعب السوري، سواء قبل الحرب أو بعدها. بقي هذا الإحساس يرافقني حتى أتيحت لي فرصة الإخراج، فقررت أن أكتب المشروع وأن أشارك فريق العمل في صياغته».
وعن سؤال منصة إرادة حول علاقة كرة القدم بالحرب، يجيب قزويني: «كرة القدم مرتبطة تاريخيًا بالسياسة والاقتصاد. فمنذ مونديال 1930 وحتى اليوم، شهد العالم حروبًا توقفت بسبب كرة القدم، كما حدث في ساحل العاج وفي بعض البلدان الأفريقية. وكرة القدم تعكس الواقع الاجتماعي الذي يعيشه الناس في أوطانهم. وفي سوريا ازداد الاحتفاء بالمونديال خلال سنوات الحرب، ربما لأن السوريين كانوا يبحثون عن فسحة للنسيان، وعن شيء من الترفيه والفرح في مواجهة البؤس والمعاناة. وفي عام 2018 انشغل كثيرون بالمونديال، خصوصًا مع اقتراب المنتخب السوري من التأهل إلى النهائيات».
أما مدير التصوير حمزة بلوق، الذي عمل لأكثر من عشر سنوات مديرًا للتصوير في أفلام وثائقية ومصورًا صحفيًا للفيديو، فيقول ردًا على سؤالنا حول الإضافات الإبداعية التي يقدمها مدير التصوير إلى رؤية المخرج: «رافقت المخرج منذ المراحل الأولى للمشروع، عندما كان لا يزال على الورق. وكان بيننا تفاهم كبير حول الحلول الإخراجية التي ستتجلى في الصورة السينمائية للفيلم. وقد بلغ الانسجام بيننا حد تنفيذ مشاهد في مكانين مختلفين، بحيث يقود كل منا العمل في موقعه دون حضور الآخر، وتكون النتيجة متجانسة ومقنعة. وأضيف أن اللمسات الإبداعية لم تأتِ من المخرج أو مدير التصوير وحدهما، بل شارك فيها كامل الفريق الفني من خلال مبادرات وإضافات جميلة جعلت الفيلم أكثر ثراءً وجمالًا».
