تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

كيلو متر واحد بين المقبرة والحيّ… ومسافة أبعد بين الكراهية والواقع

الخط

اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي في سوريا حملة بعنوان «قاطع.. أنت لست شجرة»، استهدفت أبناء الطائفة العلوية ودعت إلى مقاطعتهم اجتماعياً واقتصادياً. وجاءت الحملة بالتزامن مع تصاعد الغضب الشعبي إثر الكشف عن مصير أبناء الدكتورة رانيا العباسي ومقتلهم على يد أمجد يوسف، ما دفع بعض المحرضين إلى تعميم مسؤولية الجريمة على طائفة كاملة، وترافق ذلك مع منشورات ومقاطع مصورة تضمنت خطاباً إقصائياً وسخرية من اللهجة المحلية لأبناء الساحل السوري. لكن خارج فضاء التواصل الاجتماعي، تبدو هذه الدعوات بعيدة عن الواقع السوري. فالتداخل الاجتماعي بين السوريين بمختلف انتماءاتهم يجعل فكرة المقاطعة الشاملة شبه مستحيلة. في دمشق وحمص وحلب واللاذقية وغيرها، يعيش الناس في أحياء مختلطة، ويتشاركون المدارس وأماكن العمل والأسواق والعلاقات العائلية. كما أن عقوداً من العيش المشترك والزواج المختلط جعلت الحدود الطائفية أقل وضوحاً مما تظهره الخطابات المتشددة على الإنترنت. ويرى منتقدو الحملة أن انتشارها يعكس قوة الخوارزميات أكثر مما يعكس واقع الشارع. فوسائل التواصل تمنح المحتوى الغاضب والمثير للجدل انتشاراً واسعاً، كما تسمح الحسابات الوهمية والجماعات المنظمة بتضخيم أصوات محدودة وإظهارها وكأنها تمثل رأياً عاماً. ورغم محدودية فرص نجاح مثل هذه الدعوات عملياً، فإن خطورتها تكمن في تطبيع خطاب يقوم على تحميل جماعة بأكملها مسؤولية أفعال أفراد منها. وفي بلد ما تزال جراح الحرب فيه مفتوحة وتنتظر مساراً حقيقياً للعدالة والمحاسبة، تبدو الحاجة ملحة إلى مواجهة التحريض الطائفي والتأكيد على مبدأ المسؤولية الفردية بوصفه أساس أي سلام اجتماعي مستدام.

منصة إرادة، خليل سرحيل:

في دمشق، لا تفصل بين شارع نسرين ومقبرة حي التضامن في القسم الجنوبي، حيث كُشف عن واحدة من أبشع المجازر المرتبطة بسنوات الحرب، سوى مسافة قصيرة لا تتجاوز بضعة كيلومترات. ورغم ثقل الذاكرة والألم، تستمر الحياة اليومية في المنطقة نفسها؛ يشتري الناس من المتاجر ذاتها، ويرسلون أبناءهم إلى المدارس نفسها، ويتشاركون وسائل النقل وأماكن العمل دون أن يكون الانتماء الطائفي هو المحدد الأساسي لعلاقاتهم اليومية. وبين هذين المكانين تختصر سوريا تناقضها الكبير: بلد مثقل بالذاكرة والجراح، لكنه ما زال يعيش على إيقاع التشارك اليومي بين أبنائه. 

هكذا، بدت حملة «قاطع.. أنت لست شجرة»، التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الأخيرة، غريبة عن الواقع الذي يعرفه السوريون أكثر مما بدت تعبيراً عنه. حملة تصنيفية في بلد يصعب تقسيمه بالخطوط والجدران.

 الحملة، التي استهدفت أبناء الطائفة العلوية ودعت إلى مقاطعتهم اجتماعياً واقتصادياً، قدمها مطلقوها بوصفها شكلاً من أشكال الاحتجاج السلمي. إلا أن الخطاب الذي رافقها تجاوز فكرة المقاطعة إلى التعميم والتحريض، مستفيداً من الغضب الذي أثاره الكشف عن المصير المأساوي لأبناء الدكتورة رانيا العباسي مع تأكيد قتلهم جميعهم على يد أمجد يوسف، مرتكب أحد أكثر المجازر رعباً خلال السنوات السابقة.

خلال أيام قليلة، امتلأت المنصات بمنشورات ومقاطع مصورة لا تكتفي بتحميل أفراد مسؤولية جرائمهم، بل تنقل الاتهام إلى جماعة كاملة. بعض المحتوى ذهب أبعد من ذلك، داعياً إلى عزل طائفة كاملة أو إخراجهم من بعض المناطق، فيما استخدمت مواد أخرى لهجة الساحل السوري وطريقة نطق حرف القاف كوسيلة للسخرية والوصم.

لكن خارج الشاشات، يبدو المشهد مختلفاً إلى حد كبير. سوريا خارج الخوارزمية اتملك واقعاً يصر على التعايش أو حتى ليس لدبه خيار آخر للاستمرار.

ففي سوريا اليوم، يصعب العثور على مدينة أو حي يمكن وصفه بأنه «نقي طائفياً». خلال عقود طويلة تشكلت شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والعائلية بين السوريين بمختلف انتماءاتهم. في دمشق وحمص وحلب واللاذقية وطرطوس والسويداء، يعيش الناس في أحياء مشتركة، ويرتادون المدارس والجامعات نفسها، ويتقاسمون أماكن العمل والأسواق ووسائل النقل.

وفي السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من الحرب والانقسامات السياسية الحادة، لم تتوقف هذه العلاقات. ما زالت هناك صداقات وشراكات مهنية وزيجات مختلطة وروابط عائلية تتجاوز الحدود الطائفية التي تحاول بعض الخطابات رسمها.

لذلك يتساءل كثير من السوريين عن المعنى العملي للمقاطعة المستحيلة التي تدعو إليها الحملة. الوجوه في الشوارع لا تشبه الوسوم. كيف يمكن مقاطعة الجار الذي عشت إلى جانبه سنوات طويلة؟ أو زميل العمل الذي تشاركه مصدر رزقك؟ أو الطبيب الذي تعالج عنده عائلتك؟ أو صهر العائلة الذي أصبح جزءاً من نسيجها الاجتماعي؟

هذه الأسئلة لا تعبر فقط عن رفض أخلاقي للحملة، بل عن إدراك عميق لطبيعة المجتمع السوري نفسه. فالتداخل الاجتماعي الذي تشكل عبر أجيال لا يمكن تفكيكه بوسم إلكتروني أو حملة على وسائل التواصل تحاول اختراع مجتمعات منفصلة لا وجود لها.

وربما لهذا السبب تبدو الحملة “وحش” على الإنترنت و”كاريكاتير” في الواقع.

فالخوارزميات التي تدير منصات التواصل تمنح المحتوى الغاضب والمستفز قدرة أكبر على الانتشار. كما تسمح الحسابات الوهمية وشبكات إعادة النشر المنظمة بتضخيم أصوات محدودة وإظهارها وكأنها تمثل اتجاهاً عاماً. وفي بيئة سياسية واجتماعية مضطربة، يصبح الاستقطاب مادة مثالية لجذب التفاعل وتحقيق الانتشار.

هذا لا يعني التقليل من خطورة الحملة. على العكس، تكمن خطورتها في أنها تساهم في تطبيع خطاب يقوم على تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال أفراد منها. وفي بلد لم ينجز بعد مساراً حقيقياً للعدالة الانتقالية، وما تزال فيه ملفات القتل والاختفاء القسري والانتهاكات مفتوحة، يمكن لمثل هذا الخطاب أن يعمق الانقسامات ويغذي مشاعر الخوف والانتقام.

وقد ازدادت هذه المخاوف بعد تكرار حوادث استهداف مدنيين في حمص والساحل خلال الأشهر الماضية. وبعد يومين فقط من انطلاق الحملة، قُتل شابان علويان في ريف حماة على يد مجهولين. وانتشر على نطاق واسع تسجيل مصور لوالد أحد الضحيتين وهو يعلن مسامحته في دم ابنه، مؤكداً أن مطلبه الوحيد هو العيش بسلام.

في المقابل، تبدو استجابة السلطات حتى الآن محدودة. فرغم وجود مدونات سلوك وقوانين تجرّم التحريض الطائفي وخطاب الكراهية، ما تزال الأسئلة مطروحة حول مدى جدية تطبيقها على الأرض، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحملات واسعة الانتشار.

في النهاية، قد لا تكون قصة «قاطع.. أنت لست شجرة» قصة حملة إلكترونية فحسب، بل قصة الصراع بين صورتين لسوريا. الأولى تعيش على الشاشات وتختزل الناس في هوياتهم الطائفية، والثانية ما تزال حاضرة في الشوارع والأسواق والمدارس والبيوت، حيث يلتقي السوريون يومياً رغم كل ما فرقهم خلال سنوات الحرب.

وبين هاتين الصورتين يبقى السؤال الأهم: هل تُبنى سوريا المستقبل على منطق التعميم والإقصاء، أم على الاعتراف بأن العدالة لا تتحقق إلا بمحاسبة الأفراد على أفعالهم، لا الجماعات على انتماءاتها؟

حتى الآن، يبدو أن الواقع الاجتماعي السوري، بكل تعقيداته وتناقضاته، أكثر حكمة من كثير من المعارك التي تدور على الشاشات.