في يوم التحرير، لم يكن الفرح كاملًا في كل البيوت. فبينما ازدحمت الشوارع بالأعلام والهتافات، بقيت بيوت كثيرة تحدّق في صور الغائبين، تنتظر اسمًا واحدًا فقط… يعود. بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ما يزال أكثر من 112 ألف شخص في سوريا في عداد المختفين قسريًا حتى نهاية عام 2024، معظمهم اعتُقلوا على يد أجهزة النظام السابق، في واحد من أكبر ملفات الاختفاء القسري في العالم المعاصر. يسرد التقرير شهادات لعائلات ما يزال الفقد معلقًا في حياتها. عمر مرعي فقد عمّه وابن عمه، ويصف سنوات البحث بين السماسرة والإشاعات والآمال المؤجلة، دون أن يحصل على إجابة. أم محمد خرجت يوم التحرير إلى الشارع باحثة في وجوه الناس عن ابنها، قبل أن تصطدم بخلوّ قوائم الناجين من اسمه. حسام سار مع آلاف العائلات إلى السجون المفتوحة بعد التحرير، ليكتشف أن الأبواب لا تُفضي إلا إلى فراغ أكبر. أما محمود، الذي عرف بعد سنوات أن والده قضى في الأشهر الأولى من الاعتقال، فيطرح سؤال الحداد بلا قبر ولا اعتراف. ترفض بعض العائلات توقيع شهادات وفاة خالية من الحقيقة، كما تفعل لينا التي ما تزال تبحث عن مصير والدها وابن عمها، في مواجهة منظومة قانونية عاجزة عن تقديم إجابات أو عدالة. وتؤكد منظمات حقوقية أن إصدار شهادات وفاة دون تحقيق مستقل يُعد انتهاكًا لحق الضحية والعائلة في الحقيقة والعدالة. يربط التقرير بين الفقد الفردي وأثره الجماعي، مستندًا إلى دراسات تؤكد أن واحدًا من كل عشرين شخصًا في سوريا فقد قريبًا له، ما يخلّف آثارًا نفسية واجتماعية طويلة الأمد، ويعرقل مسارات التعافي والمصالحة. يخلص التقرير إلى أن يوم التحرير لم يكن نهاية لملف المفقودين، بل بداية مواجهة الحقيقة المؤلمة، حيث ما يزال الحداد مؤجّلًا، والعدالة معلّقة، فيما تبقى الذاكرة السلاح الوحيد لمنع تحوّل البلاد إلى مقبرة بلا أسماء.
منصة إرادة- إيمان ليلا:
في ذكرى التحرير، يتداخل الألم والفرح كما لو أنّهما خيط واحد يمتد عبر كل بيت، يربط الناس بحكايات متشابهة وإن اختلفت تفاصيلها. نفس الوجع، نفس الانتظار الذي طال أكثر مما يُحتمل، ونفس الخيبة حين اكتشف كثيرون أن أبناءهم الذين ظنّوا أنهم سيعودون… لن يعودوا أبدًا.
بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR)، ما يزال أكثر من 112 ألف شخص في سوريا في عداد المختفين قسريًا حتى نهاية عام 2024، غالبيتهم اعتُقلوا على يد أجهزة النظام السابق. هؤلاء ليسوا أرقامًا مجردة، بل أبناء وآباء وأشقاء، تركوا خلفهم بيوتًا تعيش على الأمل كوسيلة وحيدة للبقاء.
قبل عام، لم يكن المشهد واحدًا في كل البيوت. في الشوارع، ارتفعت الأعلام وتعالت الهتافات، وانفجر الفرح المؤجَّل منذ سنين. وفي الداخل، خلف الأبواب المغلقة، كانت عيون أخرى تحدّق في الصور القديمة، لا تنتظر نصرًا، بل اسمًا واحدًا فقط… يعود.
الانتظار: حين يصبح الزمن غرفة مغلقة
يبدأ عمر مرعي حديثه وكأنّه عاش في زمنين في زمن واحد. يتحدث عن السنوات التي مرّت “معجونة بالخوف” وانتظارٍ لا ينتهي. يقول: “قصدنا سماسرة السجون، دفعنا مبالغ خيالية، لكن عبثاً، سنوات ونحن على هذا الحال، نتعلّق بالإشاعات، ثم نعود صفر اليدين.” فقد عمر عمّه وابن عمه، ولا يعرف حتى الآن مصيرهما الحقيقي غير أنهما قتلا في سجن ما في يوم ما.
في الأسبوع الأول بعد التحرير، كان عمر مثل آلاف السوريين يتنقّل بين السجون ومقرات الأجهزة السابقة: “كان البحث يقتلنا، والأسئلة تتكاثر. هل هم في السجون؟ هل سيفتحون قريباً؟ هل سيجدون مزيداً من السجون السرية… لكن لم يظهر أحد”.
أم محمد فقدت أحد أبنائها في بدايات الثورة. يوم التحرير، لم تنم: “خرجت إلى الشارع. كنت أبحث في وجوه العابرين علّي أراه بينهم. وحين صدرت قوائم الناجين، قلّبتها اسماً اسماً…، بحثت عن اسم محمد إبراهيم العوض… لكنه لم يكن هناك.” ثم صمتت طويلًا قبل أن تقول: “شعرت أن الأرض فرحت للناس، لكنها انهارت فوق صدري. كان يوم عيد للناس، لكنه كان جنازة في الوقت نفسه”.
ما عاشه عمر وأم محمد، يتكرر في آلاف البيوت. وفق اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن ملف المفقودين في سوريا هو “من أكبر وأعقد ملفات الاختفاء القسري في العالم المعاصر”.
حين تُغيَّب الحقيقة كما يُغيَّب الجس
اعتُقل أحمد، شقيق حسام في إحدى حملات المداهمة. بعد عام كامل، وصل خبر مقتضب: “توفي في السجن”. لكن لم يكن هناك دليل. لا هوية، ولا جثمان. رفضت العائلة التصديق وتمسكت بالأمل.
بعد التحرير، انضم حسام إلى الحشود التي تجمّعت أمام السجون: “رجال، نساء، أطفال، كأننا في يوم حشر. كنّا نسير أرتالًا. كل واحد يحمل صورة، أو اسماً مكتوبًا على ورقة”. ويضيف “كنا نمشي كأننا في جنازة بلا نعش. سرنا خمسة كيلومترات على الأقدام لنصل للسجن، فقط كي نسمع أي شيء… أي خبر.” لكن الأبواب فُتحت على فراغ أكبر “دخلنا السجون وخرجنا منها بلا أحد، كانت الحقيقة أكثر مرارة من أي وقت مضى”.
محمود الوزير فقد والده في بدايات الثورة. بقيت العائلة سنوات تتلقى وعودًا عن “خروجه قريبًا”. بعد سنوات عديدة فقط، عرفوا أنه استُشهد في الأشهر الأولى من سجنه. يشعر محمود أن الحزن كان معلقًا في الهواء طوال هذه السنوات، “فكيف تحزن على شخص دون قبر تزوره؟ كيف يكون الحزن كاملاً دون اعتراف؟”
بحسب القانون الدولي، فإن تسليم جثمان الضحية ومعرفة مصيرها حق أساسي للعائلة، وهو حق حُرم منه مئات آلاف السوريين حتى اليوم.
محمود يقول: “أبي شهيد، وسأروي قصته لأولادي. أخذوا أجسادهم، لكنهم لم يأخذوا أسماءهم.” وأم محمد تقول: “كتبت في كل مكان: احتسبته شهيدًا عند الله.”
في غياب العدالة، تصبح الذاكرة شكلًا من أشكال المقاومة، ومحاولة لحماية الحقيقة من الذوبان.
البحث عن الحقيقة: رحلة بلا نهاية
لينا فقدت والدها وابن عمها معاً. تصف كيف قضت السنة التالية بعد التحرير في رحلة بحث لا تنتهي: ” ركضت وراء كل إشاعة، فتشت في المقابر، في المشافي، وفي قوائم المعتقلين. كنت أبحث عن أي حقيقة، حتى وإن كانت قاسية. كان البحث بلا جواب نهائي، وكان الألم يزداد مع كل باب يغلق في وجهنا”.
قبل سنوات، حين عُرض على لينا توقيع شهادة وفاة، رفضت: “كيف أوقّع على وفاة لا أعرف كيف حدثت؟ لا أستطيع أن أوقع على موت لا أعرفه. تلك الشهادة كانت بالنسبة لي أكثر من مجرد ورقة، كانت إعلان هزيمة.” حتى الآن، لم تستلم لينا أي شهادة وفاة.
حقوقيًا، تؤكد منظمات دولية أن إصدار شهادات وفاة دون تحقيق مستقل، ودون كشف ظروف الموت، يُعدّ انتهاكًا لحق الضحية في العدالة ولحق العائلة في الحقيقة.
ماذا بقي لعائلات المفقودين حين سقط السجّان؟
في دراسته عن أقارب الضحايا في سوريا وجد إنريكي أكوستا، الباحث في مركز دراسات الحرب أن واحد من كل عشرين شخص في سوريا فقد أحد أقاربه، مشيرًا إلى أن: “ذلك يخلّف آثارًا خطيرة على الصحة النفسية والجسدية للناجين، ويُضعف الدعم العاطفي والاقتصادي، ويعزّز التمسك بإيديولوجيات متطرفة تعوق المصالحة الاجتماعية والسياسية.”
لكل ضحية قُتلت في هذا الصراع الذي امتد ثلاثة عشر عامًا، هناك أقارب وأصدقاء نجوا، لكنهم يحملون جرحًا مفتوحًا قد يلازمهم مدى الحياة، إن لم تتدخل الدولة والمجتمع لاحتوائه.
العدالة، وكشف الحقيقة، وتعويض المتضررين مسؤولية الدولة أولًا. لكن التعاضد مع عائلات الضحايا، ومشاركتهم آلامهم، والإقرار العلني بحجم تضحيتهم، مسؤولية المجتمع ومؤسساته المدنية.
ومع مئات وربما آلاف الاحتفالات التي تعمّ اليوم ساحات المدن السورية، تبقى غصّة عالقة في الحناجر، وربما ستبقى لعقود قادمة، تذكرة بالثمن الرهيب الذي دُفع، ثمن لا يُقاس إلا بأرواح الذين صنعوا لهذا البلد جسرًا نحو الانعتاق.
يظل يوم التحرير بالنسبة للكثيرين ذكرى ممزوجة بالحزن. لم يكن نهاية، بل بداية مواجهة الحقيقة العارية.
الحداد ما زال مؤجّلًا، والعدالة ما تزال معلّقة، أمّا الذاكرة فبقيت حيّة، كمساحة مقاومة، كي لا تتحوّل البلاد إلى مقبرة بلا أسماء.
العام الأول بعد انتهاء الأبد
المفقودون: الوضع الراهن ومتطلبات الحقيقة والعدالة
يواجه المجتمع السوري تحدياً هائلاً في كشف مصير عشرات الآلاف من المفقودين والمغيبين قسراً. هذا التحليل البياني يرصد الأرقام الأساسية وآليات البحث الجارية في المرحلة الانتقالية.
إجمالي المفقودين (تقديري)
موثقون بالاسم منذ 2011
مراكز الاحتجاز الرئيسية
تشمل فروع الأمن والسجون المركزية
المقابر الجماعية المكتشفة
تم تأمينها وبدء عمل الطب الشرعي
سنوات البحث المتوقعة
بناءً على تجارب دول ما بعد النزاع
تصنيف الحالات الحالية
توزيع تقديري لحالة ملفات المفقودين بناءً على البيانات الأولية المستخرجة من الأرشيفات الأمنية وشهادات الناجين. النسبة الأكبر لا تزال مجهولة المصير.
آلية عمل الهيئة الوطنية للبحث عن المفقودين
المسار الإجرائي والقانوني المتبع حالياً للتعامل مع المقابر الجماعية والأرشيف
تجميد المواقع
حماية المقابر والأرشيف من العبث
رقمنة الأرشيف
مسح الوثائق ومقاطعة البيانات
مطابقة DNA
جمع عينات العائلات والجثامين
المسار القضائي
إصدار شهادات الوفاة ومحاسبة الجناة
جبر الضرر
الدعم النفسي والتعويضات المالية
أبرز تحديات المسار الحالي
أبرز العقبات التي تواجه فرق البحث الدولية والمحلية، حيث يشكل "تلف الأدلة" و"نقص التمويل" العوائق الأكبر أمام تسريع وتيرة العمل.
