منذ ديسمبر 2024 وحتى نوفمبر 2025، شهدت سوريا واحدة من أوسع موجات العودة في تاريخها الحديث. أكثر من 1.26 مليون لاجئ عادوا من دول الجوار، إلى جانب 1.95 مليون نازح داخلي، أي ما يتجاوز 3.2 ملايين شخص خلال عام واحد فقط. هذه الأرقام، رغم ضخامتها، لا تعكس بالضرورة تحسناً فعلياً في شروط الحياة داخل البلاد، بقدر ما تشير إلى ضغوط اقتصادية وقانونية متزايدة في دول الجوار، خصوصاً في تركيا ولبنان. في قلب هذه الصورة، تقف دير الزور مثالاً صارخاً على الفجوة بين “العودة” و”الاستقرار”. نحو 90% من المدينة متضرّر، وأحياء كاملة بلا مواصلات، ولا إنارة، ولا مستوصفات. عاد آلاف السكان إلى بيوت مدمّرة، وأعادوا ترميمها على نفقتهم، فيما بقيت الخدمات الأساسية شبه غائبة. أحمد، طفل من ذوي الإعاقة في السابعة من عمره، عاد مع عائلته إلى حي مدمّر، ليجد نفسه في مدرسة غير آمنة، وبيئة مليئة بالعنف وصدمات الحرب. وهناء، ذات الخمسة عشر عاماً، تعيش عزلة خانقة في حي بلا حدائق ولا مساحات لعب، فيما تؤكد والدتها أن الطبيب نصحها بالخروج والحركة، لكن “لا مكان نذهب إليه”. أما روان، المعلّمة، فقد ابتلع راتبها تقريباً كلفة المواصلات بعد عودتها إلى منطقة مقطوعة عن المدينة. تأتي هذه القصص في سياق اقتصادي بالغ القسوة: 13 مليون سوري تحت خط الجوع، و16.5 مليون بحاجة إلى مساعدات إنسانية، فيما تُقدّر تكلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار. ومع دمار واسع في المدارس، والمشافي، وشبكات المياه والطرق، تتحول العودة الجماعية إلى ضغط إضافي على ما تبقى من بنية منهكة. في دير الزور، كما في مدن سورية كثيرة، لا تمثّل العودة نهاية للمنفى بقدر ما تعني انتقاله إلى الداخل. عودة بلا خدمات، وبلا ضمانات، وبلا أفق واضح لعيش كريم.
منصة إرادة- شيماء شريف:
في مدينة دير الزور التي يصفها أهلها بـ“المنسيّة”، يحاول العائدون إلى بيوتهم المبعثرة بين الأحياء المدمَّرة أن يعيشوا حياة يومية تشبه الحياة. الخدمات شبه غائبة، الطرق محفّرة، والمرافق الأساسية تُركت لسنوات طويلة بلا تأهيل، كأنّ المدينة التي دمّرتها الحرب بنسبة تقارب 90% لا تزال خارج الخريطة. باستثناء حيي الجورة والقصور اللذين نجيا نسبياً، وأجزاء صغيرة من الجبيلة والموظفين، تبدو بقية دير الزور ككتلة رمادية:
أحياء مدمّرة جزئياً مثل الحميدية والشيخ ياسين، وأخرى سقطت بالكامل مثل الرشدية والعرضي، لتقف المدينة إلى جانب حلب وريف دمشق وحمص ضمن قائمة المدن المنكوبة.
هناء… طفلة تعيش في فراغ المدينة
هناء، 15 عاماً، طفلة من ذوي الإعاقة، تعيش في حي العمّال المدمر مع عائلتها. انتقلت العائلة إليه، بعد سقوط النّظام، لأن إيجارات الأحياء الأقل دماراً، كالجورة والقصور، تفوق قدرتها. تقول والدتها:
“في البداية لم يكن هنالك غيرنا في الحي، أنا وزوجي وابني محمد (16) عام وبناتي هناء وغيداء (8) سنوات، محمد أيضاً من ذوي الإعاقة، ولكنّه يجلس أمام البيت، يتمشى أحياناً في الحي، أمّا هناء ولأنّها بنت، لا أسمح لها بالابتعاد أبداً من أمام البيت، أخاف عليها من أولاد الحرام”.
تحكي والدتها كيف أصبح سلوك هناء صعب وغريب مع تزايد شعورها بالوحدة، “هناء تجمع القمامة من أمام البيت وتدخلها، أو تغسل يديها ساعة كاملة. الطبيب قال إنها تحتاج للخروج واللعب… لكن لا يوجد مكان نذهب إليه. لا حديقة، لا شارع آمن، ولا حتى جيران يحتملون زيارتنا. الناس جميعها متعبة وبكل الأحوال، هناك أربع عائلات فقط في حارتنا”.
في مدينة دير الزّور افتتحت عدّة منظمات غير حكوميّة مساحات صديقة للطفل، ومساحات آمنة للمرأة، توفر هذه المساحات برامج دعم نفسي، وخدمات إدارة الحالة، ولكنّ هذه المساحات متواجدة فقط في مركز المدينة. أما أطفال الأحياء المدمّرة، فهم خارج هذه الجغرافيا الخدمية تماماً.
ما تعيشه دير الزور اليوم لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع في سوريا. فخلال العام الأول من المرحلة الانتقالية، شهدت البلاد واحدة من أوسع موجات العودة في تاريخها الحديث. وبحسب التقديرات الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، عاد 1,260,240 لاجئاً سورياً من دول الجوار إلى الداخل السوري منذ 8 كانون الأول 2024 وحتى 27 تشرين الثاني 2025. بالتوازي مع ذلك، عاد 1,950,090 نازحاً داخلياً إلى مناطقهم الأصلية أو إلى وجهات اختاروها.
هذه الأرقام تعني أن أكثر من 3.2 ملايين شخص أضيفوا خلال عام واحد فقط إلى مناطق تعاني أصلاً من انهيار في الخدمات والبنية التحتية. هذا الحجم من العودة، وفق تقديرات الباحثين والمنظمات، مدفوع إلى حدّ كبير بـعوامل الدفع القسري في دول الجوار: الضغوط القانونية، الأزمة الاقتصادية الخانقة، سياسات التضييق في بعض البلدان، أكثر مما هو نتاج تحسن فعلي في شروط الحياة داخل سوريا.
راتب لا يكفي الطريق إلى العمل
روان جاسم، 30 عاماً، معلّمة عادت منذ تسعة أشهر مع والديها الطّاعنين في السّن إلى بيت العائلة في حي المطار القديم المدمّر. تقول روان بأنّ والديها كانا يريدان العودة إلى البيت منذ أكثر من عامين، بعد أن أرهقتهم البيوت المستأجرة، ولكنّها كانت تقاوم هذه الرّغبة لأنّ حيهم من الأحياء المدمرة تماماً.
تضيف: “أخرج إلى السوق فأشعر أن المدينة صارت قسمين: قسم صغير، مكتظ، نابض بالحياة، والقسم الأكبر مدمّر وبائس، بلا مواصلات عامّة، أو شبكة اتّصال، أو مستوصف قريب، حتّى سيّارات الأجرة تتجنب توصيلنا إلى مناطقنا بسبب الطّرق المظلمة، والمحفّرة… أنا أعيش في مكان لا أعرفه، ولا أريده، لكنني مجبرة”.
بعد إعادة الهيكلة التي أقرّتها مديرية تربية دير الزّور، تم نقل روان إلى مدرسة في قرية المريعيّة في ريف دير الزور، أصبحت فاتورة الطريق وحدها تكلفها ثلثي راتبها.
تأتي هذه القصص في سياق اقتصادي بالغ القسوة.
تشير البيانات إلى أن أكثر من نصف سكان سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأن نحو 13 مليون شخص تحت خط الجوع. وتقدّر الأمم المتحدة أن 16.5 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات إنسانية في عام 2025.
أما سوق العمل، فيعاني من تشوهات بنيوية عميقة. في لبنان ومصر والعراق، يعمل أكثر من 70–90% من السوريين في القطاع غير الرسمي. وعند عودتهم، يواجهون داخلاً يعجز عن توفير فرص عمل مستقرة أو حماية اجتماعية. وتبقى ذوو الإعاقة (28% من السكان) من أكثر الفئات تهميشاً في فرص التوظيف والحماية.
عندما تتحول العودة إلى عزلة
أحمد، 7 سنوات، (اسم مستعار)، مصاب باستسقاء دماغي. عادت عائلته إلى بيتها في حي الحميدية المدمّر. نسبة الدمار هناك متفاوتة من بناء لآخر، لكنها تتقاطع في حقيقة واحدة: كل شيء فقد جزءاً منه، جداراً كان أو ذاكرة.
تقول والدته:
“المدرسة كانت المتنفّس الوحيد لأحمد وأخيه… حتى المدرسة لم تعد آمنة”.
تتوقف للحظة قبل أن تروي ما حدث:
“عاد أحمد قبل أشهر وعلامات غريبة على جسده… كتابة ملونة على أعضائه التناسلية. صُعقت. ذهبنا إلى المدرسة، وهناك علمنا أنّ مجموعة من تلاميذ الصف الأول جرّدوه من ثيابه ورسموا على جسده”.
تعهّدت الإدارة بعدم تكرار الحادثة، لكن العائلة أصيبت بالصدمة. وقررت الأم تدريس طفلها في البيت، لكنها ما لبثت أن أعادته مرغمة بسبب تدهور حالته النفسية بسبب تعلقه بالمدرسة. تقول:
“أطفال الأحياء المدمرة يشبهون بعضها. معظم الأطفال في هذه المناطق لم يشاهدوا منذ ولادتهم سوى الأنقاض، والسّلاح، وبعضهم عاش تحت سلطة داعش، ولايزال يحتفظ بمشاهد الرؤوس المعلّقة في بعض شوارع المدينة، هذه التّجارب أثّرت في سلوك الأطفال وجعلته غير متوقع”. وتضيف “اضطررت إلى إعادة أحمد إلى المدرسة، شعرت بأنني أظلمه بمنعه من مغادرة البيت، في الحي ليس هناك جيران ليلعب مع أولادهم، لا يوجد حولنا أيّة مساحات مناسبة للأطفال ليذهبوا إليها، لا حدائق، ولا مساحات صديقة للطفل، والشّارع غير آمن، الأبنية من حولنا أغلبها مهجورة ومليئة بالأنقاض وربّما مخلفات الحرب.
هكذا تتحول العودة، التي يُفترض أن تعني الاستقرار، إلى عزلة نفسية واجتماعية مضاعفة.
ليل الأحياء المدمّرة… صمت الدولة
في ظل الحجم الهائل من الدمار، تصبح العودة الجماعية ضغطاً إضافياً على ما تبقى من الخدمات، فيما الأنقاض المنتشرة في مدن كاملة تجعل ما بقي من بيوت صامدة، أماكن غير صالحة فعلياً للعيش الكريم.
مع حلول المساء، تتحول أحياء دير الزور المدمّرة إلى مساحات موحشة. الأبنية المتصدّعة تُظلم فجأة، ولا صوت في الشوارع سوى صفير الريح ونباح كلاب شاردة.
رغم عودة آلاف العائلات، ما تزال هذه المناطق بلا كهرباء أو إنارة، بلا مواصلات، بلا مراكز صحية، وبلا حضور فعلي للدولة التي لا تبذل جهود لتخفيف معاناة النّاس الّذين قرروا البدء من جديد على الرّغم من حجم التّحدي في قرار العودة إلى منازلهم المدمّرة وترميمها تدريجياً وعلى نفقتهم الخاصّة.
الأطفال، النساء، كبار السن، وذوو الإعاقة هم الأكثر تضرراً. محاصرون في بيوت مدمرة تحيط فيها الأنقاض والركام، خارج خطط الإعمار، وخارج أولويات السياسات العامة.
هكذا، لا تبدو العودة في دير الزور — كما في كثير من المدن السورية — نهاية للمنفى، بل بداية منفى آخر، داخل الوطن ذاته.
منصة إرادة
تحليل معمق للبياناتالعودة إلى الركام
دير الزور نموذجاً لعودة اللاجئين: تحديات البنية التحتية واليأس
صدمة العودة المليونية
شهدت البلاد واحدة من أكبر موجات الهجرة العكسية في تاريخها الحديث. دير الزور، المدينة التي دمرتها الحرب بنسبة تقارب 90%، استقبلت عشرات الآلاف. هذه الأرقام تتحدث عن كارثة إنسانية تتشكل بصمت، مدفوعة بضغوط اليأس في دول الجوار أكثر مما هي نتاج تحسن فعلي في شروط الحياة الداخلية.
إجمالي العائدين (لاجئين ونازحين)
3,210,330
خلال عام واحد من المرحلة الانتقالية
بحاجة لمساعدات إنسانية (2025)
16,500,000
تقديرات الأمم المتحدة
تركيبة العائدين: بين اللجوء والنزوح
القسم الأكبر من العائدين هم نازحون داخليون يعودون إلى مناطقهم. هذا التسارع الكبير يضع البنية التحتية المتهالكة أمام تحدي الانهيار، خاصة وأن العودة غالباً ما تكون مدفوعة بعوامل طرد قسرية من دول الجوار (ضغوط قانونية واقتصادية).
المصدر: تقديرات UNHCR (البيانات الإحصائية لسنة 2025)
دير الزور: العودة إلى عزلة الأحياء المدمّرة
باستثناء حيين، تبدو بقية دير الزور ككتلة رمادية. أحياء دُمرت بالكامل مثل الرشدية والعرضي، وأخرى تعرضت لدمار جزئي واسع مثل الحميدية. العودة إلى هنا تعني العيش في مدينة بلا خدمات أساسية أو فرص عمل.
أحياء مدمرة كلياً
- الرشدية
- العرضي
- الحويقة
دمار جزئي واسع
- الحميدية
- الشيخ ياسين
- المطار القديم
سليمة نسبياً
- الجورة
- القصور
- أجزاء من الموظفين
تكلفة إعادة الحياة إلى مدن سورية المدمرة
يشمل الدمار الواسع كل قطاعات البنية التحتية، مما يجعل العودة الجماعية ضغطاً إضافياً على الخدمات المتبقية ويحوّل الأحياء المدمرة إلى أماكن غير صالحة للعيش الكريم.
161
منشأة صحية متضررة
892
مدرسة مهدمة
4,626
كم طرق مخربة
$216B
تكلفة الإعمار المقدرة
