في فيلمها الوثائقي "أبوكاليبس في المناطق الاستوائية"، تفتح المخرجة البرازيلية بيترا كوستا نافذة على وجوه الناس البسطاء الذين ضاعت أصواتهم وسط صخب السياسة والدين. من خلال لقطاتٍ طويلة لشوارع مزدحمة وكنائس مكتظّة، تُظهر كوستا كيف تحوّل الإيمان إلى ملجأ للفقراء في بلدٍ يزداد انقساماً بين من يملكون ومن ينتظرون المعجزة. لكنّ المعجزة، كما يوحي الفيلم، لم تأتِ؛ بل جاء بدلها زعيم يعدهم بالخلاص باسم الله، فيحوّل خوفهم إلى وقود لمعركة “الخير والشر”. الفيلم لا يقدّم السياسة كأرقام وانتخابات، بل كحكايات بشرية صغيرة: أمّ تبكي على ابنها الذي فقده الوباء، قسّ يبرّر الصمت، ونساء يرددن الترانيم بحثاً عن الأمل. خلف هذه الأصوات، تضع كوستا صورتها الخاصة، كامرأةٍ تحب بلادها وتخاف عليها من نبوءة الدمار. إنه فيلم عن هشاشة الإنسان أمام الخطاب الديني حين يصبح سلاحاً. عن الفقر الذي يجعل الناس يرون في الزعيم مخلّصاً. وعن ضرورة أن نستعيد الإيمان كقوة حبّ لا كوسيلة سلطة. "أبوكاليبس في المناطق الاستوائية" عملٌ بصري مؤلم يذكّر بأن الديمقراطية تبدأ من رحمةٍ صغيرة، لا من خطابٍ كبير.
منصة إرادة- خليل سرحيل:
في فلم “أبوكاليبس في المناطق الاستوائية”، تروي المخرجة البرازيلية بيترا كوستا كيف استُخدم الإيمان في البرازيل لتبرير السلطة باسم الخلاص. الكاميرا تسير بين الناس في الشوارع والكنائس… وجوهٌ فقيرة تبحث عن الخبز، وأصواتٌ تهتف ضدّ عدوّ غامض اسمه “الشر”.
عندما شاهدت هذا الفلم، لم أرَ البرازيل فحسب، بل رأيت بلداننا أيضاً.. كلّ مكانٍ يتحوّل فيه الدين إلى سلاح، والخوف إلى نظام حكم، والفقرٍ إلى طاعة، والأمل إلى مادةٍ في خطابٍ سياسي.
كوستا لا تقدّم درساً سياسياً بل لحظة تأمل في إنسانٍ تائه بين الخوف والإيمان.
بين نبوءة يوحنا في سفر الرؤيا التي توحي باقتراب نهاية العالم ومعركة الرب، وبين سقوط الديمقراطيات تحت وطأة الشعبوية المتطرفة، يبرز فيلم “أبوكاليبس في المناطق الاستوائية” (Apocalypse in the Tropics) للمخرجة البرازيلية بيترا كوستا كشهادة وثائقية مرعبة على تحوّل الدين إلى أداة استبداد سياسي.
الفيلم، الصادر على منصة نتفليكس عام 2025، يستكشف تأثير الكنيسة الإنجيلية على السياسة البرازيلية من خلال رصد العلاقة الوثيقة بين الرئيس السابق جاير بولسونارو وزعماء إنجيليين مثل إدير ماسيدو، مؤسس “الكنيسة العالمية للإيمان”، وسيلواس مالافايا، القسّ والمؤثر الديني.
تعتمد كوستا أسلوباً بصرياً مذهلاً يمزج بين الأرشيف التاريخي للخطب الدينية الملحمية، والمقابلات الحصرية مع القساوسة، ولقطات درامية مستوحاة من لوحات سفر الرؤيا في العصور الوسطى. تلتقط الكاميرا وجوه الناس في الشوارع، محمّلة بالأمل الممزوج باليأس، لتصوّر كيف حوّل بولسونارو الانتخابات إلى معركة أخلاقية بين “الخير والشر” من دون أيّ حسّ بالواقع الإنساني للفقراء والمهمّشين.
انتهت هذه المعركة باقتحام أنصاره للكونغرس والمحكمة العليا في برازيليا في يناير 2023، في مشاهد تشبه مشهد نهاية العالم أكثر مما تشبه حدثاً سياسياً. يحذّر الفيلم من خطر التحالف بين الدين الشعبوي والقومية المتطرفة، تحالفٍ لا يسعى إلى نهضة الإنسان، بل إلى إخضاعه باسم الخلاص. هذا الخطر لا يهدد البرازيل وحدها، بل فكرة الديمقراطية ذاتها، إذ يستغلّ الفقر والخوف ليعيد تشكيل المجتمع وفق قيم محافظة متشددة، غير مكترثة بالانقسامات الاجتماعية والعنف الذي تزرعه.
جذور الخطر: تاريخ البرازيل بين الديمقراطية والتطرّف
يعود الفيلم إلى تاريخ البرازيل منذ استقلالها عن البرتغال عام 1822، مروراً بالفترات المضطربة من الحكم العسكري (1964-1985) وصولاً إلى عودة الديمقراطية عام 1985 بدستورٍ ضَمِن الحريات لكنه ظل هشاً أمام الفساد واللامساواة.
يسرد الفيلم هذا التاريخ عبر مقارنات دقيقة بين فترات النهوض والانهيار، ويظهر كيف أثار نجاح الرئيس السابق لولا دا سيلفا (2003-2010) في خفض الفقر غضب النخب المحافظة، فمهّد ذلك الطريق أمام بولسونارو ليستغلّ الغضب الشعبي في انتخابات 2018، مدعوماً من الكنائس الإنجيلية التي وعدها بحماية “الأسرة التقليدية”.
يرصد الفيلم فشل بولسونارو في مواجهة جائحة كوفيد-19 التي أودت بحياة أكثر من سبعمئة ألف برازيلي، وكيف تحوّل هذا الفشل إلى لحظة فاصلة أطاحت به في انتخابات 2022، لكنّ الفكرة التي زرعها بقيت حيّة، تواصل تغذية خطاب الكراهية والخلاص الزائف.
الراوية الشجاعة في قلب الخراب
تضع بيترا كوستا، ابنة الـ42 عاماً المولودة في ساو باولو، نفسها داخل الحكاية كراوية شاهدة على انهيار بلدها. عاشت كوستا جروحاً شخصية وسياسية أثّرت في نظرتها للعالم بعد اعتقال والدها في قضايا فساد.
عرفها الجمهور بفيلمها السابق “حافة الديمقراطية” (2019)، الذي رُشّح للأوسكار ووثّق سقوط الرئيسة ديلما روسيف وصعود بولسونارو، لتصبح بعدها هدفاً لليمين المتطرف الذي هددها بالقتل.
في “أبوكاليبس في المناطق الاستوائية”، تمزج كوستا بين الأرشيف والمقابلات واللقطات الرمزية للكنائس المزدحمة بالفقراء الباحثين عن الخبز والخلاص، وللأمازون المحترقة كرمزٍ للنهاية البيئية. صوتها الداخلي، المفعم بحبٍ موجوع للبرازيل، يحوّل الفيلم إلى تأملٍ في معنى الوطن حين يتحوّل إلى مسرحٍ للخوف.
ترى كوستا في عملها واجباً أخلاقياً لكشف كيف يُستغل الإيمان لتثبيت سلطة لا تؤمن إلا بذاتها. ولعلّ أكثر لحظة رمزية هي الإشارة إلى حكم بولسونارو بالسجن 27 عاماً في سبتمبر 2025 بتهمة محاولة الانقلاب، نهاية رجلٍ أراد تحويل النبوءة إلى نظام حكم.
اليمين المتطرف: وباء يزحف عبر العالم
ينتقل الفيلم من البرازيل إلى العالم، محذراً من الوباء العالمي لليمين المتطرف في عشرينيات القرن الحادي والعشرين. في أوروبا، تصعد أحزاب مثل “البديل من أجل ألمانيا” و“التجمّع الوطني” الفرنسي بخطابٍ معادٍ للمهاجرين والعولمة.
في الولايات المتحدة، يعود دونالد ترامب عام 2024 محاطاً بقاعدة إنجيلية تروّج لـ”فاشية نهاية العالم”. وفي الهند، يتقدّم الخطاب القومي المتشدّد على حساب التعددية.
تحلّل كوستا هذه الظاهرة كـ“وباء اجتماعي” ينتقل عبر شبكات معرفية تربط المتطرفين عبر وسائل التواصل، وتتغذّى من عدم المساواة والخوف، حيث يتحوّل الغضب الشعبي إلى كراهية سياسية منظّمة تهدّد الديمقراطيات من داخلها.
مرآة سوريّة: دروس من الاستوائيين في زمن النبوءات
قوة الفيلم أنه يثير أسئلة تتجاوز حدود البرازيل. في بلدٍ مثل سوريا، بعد سقوط دكتاتورية الأسد وصعود الرئيس الانتقالي أحمد الشرع من جذور متشددة، يبقى الجرح مشابهاً: فقرٌ متفشٍ، توترات طائفية، وشبابٌ يعيش بين الخوف والحلم، مناخ سياسي متوتر وغير واضح.
الفيلم لا يقارن بين بلدين، لكنه يلتقي مع التجربة السورية في سؤالٍ إنساني واحد: كيف يمكن للدين أن يوحّد ثم يفرّق؟ وكيف نبني من الرماد دون أن نكرّر الأخطاء نفسها؟
تجاوز الفلم للتجربة البرازيلية هو ما يمنحه بعده الإنساني العميق، ويجعله أكثر من عملٍ وثائقي. هو تذكير أن الديمقراطية ليست نظرية سياسية بل قصص يومية لرواة مختلفين.
“أبوكاليبس في المناطق الاستوائية” ليس مجرد فيلمٍ عن البرازيل، بل نداءٌ للتفكير في العالم بأسره.
كوستا تذكّرنا بأن السياسة لا تبدأ في القصور الرئاسية، بل في العيون التي تنظر نحو السماء طلباً للرحمة، وبأن تطبيق الديمقراطية يتطلّب صبراً وانتباهًا للإنسان خلف الايديولوجيا، لأن الخلاص لا يُمنح من الأعلى، بل يُبنى في التفاصيل اليومية لبشر يريدون الشعور بالكرامة والأمن والحرية.
