إعداد: ضياء الصفدي
خلف جدرانٍ حملت وجع السنوات ودفء القلوب، تقف دار الرعاية الاجتماعية في السويداء — المعروفة باسم “بيت اليتيم” — شاهدة على مسيرة طويلة من العطاء والإنسانية، تمتد لأكثر من سبعين عاماً.
بداية الحكاية
تأسست الدار عام 1948 بمبادرة من المغتربين السوريين وبقيادة المحافظ آنذاك عارف النكدي، لتكون مأوىً للأيتام ومأمنًا لمن فقدوا ذويهم.
وفي عام 1959 أُضيف إليها مركز حماية الأحداث، ثم في 1960 تأسست جمعية المكفوفين، قبل أن تندمج جميعها رسميًا عام 1971 تحت اسم جمعية الرعاية الاجتماعية في السويداء.
منذ ذلك الحين، ظلّ “بيت اليتيم” عنواناً لرحمةٍ لا تعرف الانقطاع، وذاكرةً حيّةً تسرد حكاياتٍ من الألم والرجاء في آنٍ واحد.
مظلّة إنسانية لكل محتاج
تفتح الدار أبوابها أمام:
الأطفال الأيتام والمشردين والأحداث حتى عمر 14 عامًا.
المسنين فوق الستين عامًا القادرين على خدمة أنفسهم.
النساء المعنّفات، والأشخاص ذوي الإعاقة ممن لا يملكون مأوى أو عائلة.
ويبلغ عدد المقيمين حاليًا نحو 76 نزيلًا من مختلف الفئات، يتلقون الرعاية اليومية من فريق مختص في التعليم والإرشاد النفسي والاجتماعي.
برامج ورعاية متكاملة
لا تقتصر رسالة الدار على الإيواء، بل تمتد لتشمل منظومة دعم شاملة:
الرعاية الصحية والنفسية
التعليم الداخلي، بما في ذلك دروس اللغة الإنكليزية، ومكتبة تضم مئات الكتب.
أنشطة ثقافية وفنية ورياضية ومسابقات ومهرجانات.
ورش حرفية ومهنية لتعليم النزلاء مهارات يدوية ومعيشية.
كما أُسست مؤخرًا فرقة مسرحية للأطفال لتأهيلهم فنيًا ومساعدتهم على التعبير عن ذواتهم من خلال الفن، إلى جانب مشغل مهني يعلّم النزلاء الأعمال اليدوية، حيث شاركوا بمنتجاتهم في مهرجان السويداء الخيري.
شراكات داعمة
تحرص الجمعية على التعاون مع مؤسسات المجتمع المحلي، من أبرزها:
جمعية براعم الطفولة – لتقديم جلسات دعم نفسي للأطفال.
جمعية تنظيم الأسرة – لتأمين الأدوية والمعاينات المجانية، والإشراف على قسم العجزة طبيًا ونفسيًا.
جمعية تنمية المجتمع المحلي – لتدريب النزيلات على صناعة المنتجات اليدوية وتعزيز مهاراتهن الاقتصادية.
تحديات لا تنتهي
رغم رسالتها الإنسانية، تواجه الدار ضائقة اقتصادية حادة بسبب ارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات، ما يفرض على الجمعية أعباء مالية كبيرة لتأمين الاحتياجات اليومية للنزلاء دون أي دعم رسمي، إذ تعتمد على تبرعات الأهالي والمغتربين.
كما تُضطر أحيانًا لاستقبال أطفال خارج المعايير الرسمية بسبب غياب مراكز بديلة في المحافظة، ما يزيد من حجم مسؤولياتها الإدارية والاجتماعية.
تطور مستمر رغم الصعاب
خلال السنوات الأخيرة، شهدت الجمعية تحسينات نوعية شملت تحديث أقسام الأطفال والنساء والمسنين والعجزة، وتجهيز روضة أطفال ومكتبة حديثة، لتظل الدار مكانًا يمنح ساكنيه ما هو أعمق من المأوى: إحساسًا بالانتماء والحياة.
من قلب السويداء… رسالة أمل
من بين تلك الجدران القديمة، يخرج النشيد ذاته كل صباح:
“لسنا مجرد نزلاء في دار، نحن عائلة واحدة، نتعلم كيف نبدأ من جديد.”
“بيت اليتيم” ليس مجرد مؤسسة للرعاية…
إنه بيتٌ للحياة، للكرامة، ولإرادة لا تنكسر.
