في شمال شرق سوريا، ولا سيما في محافظتي دير الزور والحسكة، تبدو معركة النساء مع سرطان الثدي أكثر قسوة من أي مكان آخر. فبين نقص الكوادر الطبية وانقطاع الطرق والمعابر، تصبح رحلة العلاج طويلة ومكلفة، وغالبًا بلا نهاية سعيدة. يُعدّ سرطان الثدي أكثر أنواع السرطان شيوعًا بين النساء في سوريا، ويمثّل نحو 24.4% من الحالات المسجّلة في مشفى البيروني، المركز المرجعي الوحيد تقريبًا في البلاد. إلا أنّ 92% من المريضات يُشخّصن في مراحل متقدمة أو نقيليّة، ما يقلّل فرص الشفاء ويرفع كلفة العلاج إلى مستويات تفوق قدرة معظم العائلات. يروي التقرير قصص نساء مثل أمل سلمان من الحسكة، التي كانت تعمل في جلسات توعية حول الكشف المبكر، قبل أن تجد نفسها مصابة بالمرض ذاته. تقول إنها عاشت أسوأ أيامها حين أبلغها الطبيب بأنها قد تكون مصابة بسرطان البنكرياس، قبل أن يتبيّن لاحقًا أن التشخيص خاطئ. وعلى الرغم من صعوبات العلاج النفسية والمادية، تابعت أمل رحلتها بفضل دعم أسرتها، وأسّست لاحقًا مبادرة للتوعية بين النساء. وفي ريف دير الزور، حيث تندر الخدمات الطبية، تؤكد الممرضة علا الموسى أن معظم المريضات يصلن المستشفى في مراحل متأخرة، وغالبًا بعد فوات فرصة العلاج، بسبب الأعراف الاجتماعية التي تمنع النساء من مراجعة الأطباء دون إذن الزوج أو العائلة. كما تنقل الكاتبة شهادة ليلى هنداوي التي فقدت ثديها وخطيبها معًا بعد تشخيص المرض، لكنها تقول: “نجوت، والجرح في صدري صار شاهدًا على قوتي”. ورغم افتتاح مركز أورام تابع لمنظمة سامز في دير الزور، ما زالت الإمكانات محدودة، والأدوية المناعية غير متوفّرة، ولا يوجد جهاز ماموغرام عامل. في منطقة يسكنها مئات آلاف النساء، يختصر التقرير معاناتهن بعبارة واحدة: “نعيش بالأمل، لأن الخوف لا يشفي شيئًا.”
منصة إرادة- وشيماء شريف:
في شمال شرق سوريا، وتحديدًا في محافظتي دير الزور والحسكة، تبدو رحلة النساء مع سرطان الثدي أكثر قسوة من المرض نفسه. فهناك، حيث تغيب المراكز المتخصّصة ويُغلق طريق العلاج بين الحواجز والمعابر، تكتشف النساء إصابتهنّ متأخرات، بعد أن ينهك الجسد وتغيب الإمكانات.
وتشير تقديرات مشفى البيروني إلى أن 40% من مريضات السرطان في سوريا ينحدرن من دير الزور، في منطقة لا تملك حتى جهاز ماموغرام عامل.
ويصنف سرطان الثدي كأكثر الأورام شيوعاً بين النساء في سوريا، بمتوسط معدل حدوث يبلغ 28.7 لكل 100,000 نسمة، ويُعدّ المشكلة الصحية النسائية الأكثر إلحاحاً. وتظهر سجلات مشفى البيروني أن سرطان الثدي يمثل حوالي ربع حالات السرطان المسجلة في المشفى.
خلف الأرقام الباردة لإحصاءات السرطان في سوريا، هناك قصص إنسانية تحاول النجاة وسط فوضى النظام الصحي والوصمة الاجتماعية والعوز. في بلدٍ تتآكل فيه منظومة الرعاية الصحية، وتختلط فيه الحرب بالمرض، تصبح النجاة من السرطان رحلة مضاعفة، رحلة في مواجهة الجسد والواقع معًا.
مشهد في عيادة الطبيب
قال لها الطبيب: (روحي اشبعي من ولادك، في هذه المرحلة من المرض لن يفيدك العلاج الكيميائي، وكذلك الجراحة لن تكون مفيدة).
تستذكر أمل سلمان حسن هذا المشهد فيما كانت تنتظر دورها في العيادة وهي تحمل بيدها نتائج التحاليل الخاصة بها، وتضيف “كانت سيّدة قادمة مع زوجها. انهار الرجل أولاً ثمّ بدأ الاثنان في موجة بكاء، نظرات الطبيب كانت باردة، ووجهه رخامي. غادر الزوجان ولا تزال صورتهما محفورة في ذهني، تساءلت يومها: هل ينام هذا الطبيب ليلاً بشكل عادي؟ هل يتناول الغداء بشهيّة مفتوحة؟ لمَ أخبرها بالحقيقة دفعة واحدة وبمنتهى القسوة؟ شعرت أن الطبيب عدوّي، لكن بعد أشهر قليلة، اكتشفت العدو الحقيقي الذي كان ينمو بداخلي والذي كان عليّ محاربته. عرفت أن المصير ذاته كان ينتظرني لو أنني لم أكتشف المرض في بدايته”.
رحلة أمل مع المرض
مشهد تعلّق في ذهن أمل سلمان حسن، خلال رحلة العلاج من مرض سرطان الثّدي الّتي عاشتها السيّدة الأربعينيّة من مدينة الحسكة، وأم لبنتين في بداية المرحلة الجامعية، وولدين لا يزالان على مقاعد الدّراسة.
اكتشفت أمل إصابتها بسرطان الثّدي قبل ستة أشهر بينما كان في مراحله الأولى، عندما لاحظت وجود كتلة صغيرة على الثّدي الأيمن. تقول أمل:
(كنت خائفة من مراجعة الطبيب والتأكد من إصابتي بالمرض، شهر ونصف يحاول زوجي إقناعي بالفحص، لجأ في النّهاية لشكايتي إلى شقيقتي سلمى التي شجّعتني على الكشف، ولم أجد مهرباً. وعلى الرّغم من عملي لفترة في جلسات توعيّة حول هذا المرض، إلّا أنني وجدت نفسي خائفة من مواجهته. اليوم أتذكّر كل تلك التّفاصيل بسلام. قمت بإجراء التّحاليل، الصّور الشّعاعية والتّنظير، أجريت العمل الجّراحي واستأصلت الثّدي المصاب، ولكنّ هذه الخطوات خلال فترة العلاج كانت صعبة خصوصاً من الجّانب النّفسي والمادي. لم أكن لأتمكّن من متابعة العلاج، لولا شقيقتي سلمى وزوجي اللّذان رافقاني منذ البداية وإلى اليوم).
تتابع أمل: (الأطباء وضعوني في لحظات كدت أموت فيها من القلق، عندما قاموا بطلب تحليل لكتلة عندي على البنكرياس للتأكد من نوعها، قال لي الطبيب بأنّها بنسبة 95% سرطانيّة، وبأنّه ينتظر فقط نتيجة التّحاليل للتأكد. عشت أسوأ ثلاثة أيّام في حياتي لأنني قرأت بأنّ سرطان البنكرياس لا شفاء منه غالباً. فكّرت في أولادي الّذين لن أفرح بتخّرجهم وزواجهم، فكّرت في سلمى وزوجي الّذين لن أكمل حياتي معهم. كانت نتيجة التّحليل بأنّ الكتلة سليمة، وكلّ القلق والأسى الّذي عشته كان مجاني. عدت إلى الطّبيب كي أعاتبه على تسرّعه بالتّشخيص ووجدته يخبر تلك المسكينة بمرضها بهذه الطّريقة المجرّدة من الإنسانيّة).
تحديات العلاج في شمال شرق سوريا
في شمال شرق سوريا، يقع العلاج على عاتق المريض وعائلته. وبعد سقوط نظام بشّار الأسد وتوتّر العلاقات بين الحكومة المؤقتة في دمشق والإدارة الذّاتية لشمال شرق سوريا وما تبع هذا التّوتر من تطورات أمنيّة وإغلاق متكرر لجميع المعابر بين دمشق والمناطق الواقعة تحت سيطرة الإدارة الذّاتية، يضطر مرضى السّرطان إلى سلك طرق أطول للوصول إلى دمشق وتلقي العلاج.
يعيش سكّان شمال شرق سوريا في ظل أزمات مركبة تشمل انقطاعاً كاملاً للمياه في معظم المناطق، وانقطاعاً تاماً للكهرباء المنزلية منذ أكثر من ثمانية أشهر، وانقطاعاً لشبكة الاتصالات الخليوية المحليّة، ومؤخراً توقف التّعليم الحكومي المدرسي والجّامعي. هذه الأزمات تجعل من رحلة العلاج اختباراً آخر للصبر والحياة.
شهادات من الريف
في ريف دير الزّور، مريضات سرطان الثّدي يعانين أكثر. تقول ممرضة تعمل في مستشفى الكسرى في ريف دير الزّور الغربي:
(إنّ معظم مريضات سرطان الثّدي يكتشفن المرض بمراحله المتأخرة. في هذه المناطق الريفيّة لا تعتبر صحّة المرأة أولويّة لدى العائلة، وبعض النّساء لا يمكنهنّ الوصول إلى المستشفى دون موافقة الزوج أو العائلة إلّا في حالات الإسعاف، وعندما يكون المرض قد وصل إلى مرحلة متقدمة. شهدتُ عدّة حالات لم تتمكن فيها المريضة من الحصول على العلاج على الرّغم من أنه مجاني في دمشق، نظراً لارتفاع تكاليف السّفر أو بسبب غياب الدّعم الأُسري للمريضة، بالإضافة إلى المفاهيم المغلوطة حول المرض. في مستشفى الكسرى، وعلى الرّغم من كونه الأكبر على مستوى محافظة دير الزّور، إلّا أنّه لا توجد فحوصات كشف مبكر، والحالات هنا يتم استئصال الكتلة أو الثّدي بكامله وتحويلها لمتابعة العلاج في دمشق، بسبب انتشار نقائل المرض في أجزاء أخرى من البطن، مثل الكبد والبنكرياس. كان يمكن إنقاذ عشرات الحالات فقط من خلال التثقيف الصّحي).
أرقام تكشف حجم الأزمة
تكشف الدراسات التي أجريت على مريضات في مشفى البيروني (المركز المرجعي الرئيسي) عن نسب صادمة للتشخيص المتأخر:
هيمنة المراحل المتقدمة: 73% من المريضات يُشخصن في مراحل متقدمة (المرحلتين II وIII)، و19% يُشخصن بسرطان نقيلي (المرحلة IV)، وهي المرحلة الأكثر تطوراً وغير القابلة للشفاء عادةً. هذا يعني أن 92% من الحالات تُكتشف في مرحلة تتطلب علاجات معقدة ومكلفة، وتكون فرص البقاء على قيد الحياة فيها أقل بكثير.
فشل الكشف المبكر: نسبة ضئيلة جداً، تقل عن 5% من الحالات المُشخصة بين عامي 2019 و2022، اكتشفت عبر التصوير الشعاعي للكشف المبكر (الماموغرام).
محاولات محدودة لتحسين الواقع
في مدينة دير الزّور، كان افتتاح مركز للأورام من قبل منظمة “سامز” بالتعاون مع وزارة الصّحة بارقة أمل لمرضى سرطان الثّدي. وبحسب لبنى زرزور، المسؤول الإعلامي لمنظمة سامز، في تصريح خاص لمنصة “الإرادة”:
(يقوم مركز الدم والأورام بدير الزور بتقديم خدماته الصحية الخاصة بمرضى الأورام، ويغطي العلاج الدوائي ثمان أورام فقط: الثدي – الرحم – المبيض – المعدة – القولون – المثانة – لمفوما هودجكن – لمفوما لا هودجكن. ولا تشمل الخدمات الدوائية للأورام المنتشرة والأدوية المناعية والبيولوجية. تشمل خدماتنا الاستشارات الطبية، وخدمة تسريب الجرعات الخارجية للأمراض غير المدعومة دوائياً بشكل مجاني. بالنسبة للكشف المبكر، حالياً في دير الزور لا يوجد جهاز ماموغرام، ولكن سامز تتكفل بإصلاح الجهاز المعطل الموجود بمديرية صحة دير الزور. إضافةً إلى ذلك، لدى سامز خطة متكاملة لزيادة التوعية عند الناس وتدريب الفريق التقني).
وجوه أخرى للمرض
ليلى هنداوي (38 عاماً) من مدينة دير الزّور، اكتشفت إصابتها بالمرض منذ سنتين بعد شعورها بثقل في الصّدر ووجود كتلة في الثدي الأيمن. تقول ليلى:
(لم يخطر في بالي أبداً بأنني يمكن أن أصاب بالسرطان. كنت أعتقد بأن المرض يصيب النساء بعد الخمسين. أخي يمتلك سنّاً في منتصف فكّه العلوي، ويوجد زائدة لحميّة في باطن خد أختي، وقلت يبدو أنّ جميع أفراد عائلتنا يحظون بزيادات خلقية ليس فيها ضرر. قمت بمراجعة الطّبيب عندما بدأ شعور الثّقل بالازدياد، وبعد الخزعة أخبرني بأنني مصابة بسرطان الثّدي. كنت مخطوبة منذ عام وبعد العلاج الكيميائي واستئصال الثّدي، انفصل عني خطيبي المقيم في السويد. في البداية تمّ استئصال الكتلة فقط، الطبيب قال لي بما أنّك لا تزالين شابّة وغير متزوجة سنحاول العلاج دون استئصال الثّدي، ولكن بعد استئصال الكتلة، أخبرني بأنّ تحاليلي تستوجب إزالة الثّدي. شعرت بأنّ جسدي ملك لزوجي في المستقبل وليس ملكي أنا. كنت أفكّر: هل النساء المتقدمات في السّن جميعهنّ لا يحتجن إلى أثدائهنّ من وجهة نظر هذا الطبيب؟ بعد العمليّة بدأت بالعلاج الكيميائي، فقدت شعر حاجبيّ ورأسي، وإلى اليوم لاأزال أخضع إلى فحوصات دوريّة وصور رنين لاكتشاف وجود أيّ علامة على انتقال المرض. أصعب ما في المرض هو الصّدمة. الأقارب والجيران تناقلوا الخبر بسرعة، وكنت مضّطرة للإجابة على أسئلتهم في أصعب الأوقات. كنت أدافع عن المرض دون أن أشعر، في محاولة للدفاع عن نفسي وإظهار القوّة مقابل نظرات الشّفقة. فترة العلاج استنزفت عائلتي مادياً، ولكنني نجوت في النّهاية مع جرح كبير وسط صدري)
أرقام تتحدث عن جغرافيا الألم
ليلى واحدة من مئات مرضى السّرطان من محافظة دير الزّور، حيث تظهر تقارير مشفى البيروني بدمشق أن 40% من مرضى السّرطان في سوريا ينحدرون من دير الزور. الأرقام ليست أفضل كثيراً في بقيّة مناطق شمال شرق سوريا، فبحسب مديرة صحة القامشلي لازكين محمد:
(إن معدّل الإصابة بمرض السّرطان ارتفع إلى 8% بعد أن كان 3% قبل عام 2011، نتيجة للتلوث البيئي الناتج عن حرّاقات تصفية البترول والموّلدات المنتشرة في جميع أحياء المنطقة منذ سنوات).
وعلى الرّغم من انتشار المرض، تتابع الحكومة المؤقتة سياسة تجاهل مرضى السّرطان في شرق وشمال شرق البلاد، في ظل غياب برامج وطنية للكشف المبكر والدعم النفسي والمادي للناجين والناجيات.
بين تشخيص متأخر، وغياب للخدمات، وتلوث متفاقم في الهواء والماء، تخوض نساء الشرق السوري معركةً غير متكافئة ضد السرطان.
رحلة تبدأ بكتلة صغيرة وتنتهي في دهاليز الإدارات المنقسمة والمراكز المنهكة.
في مواجهة هذا الصمت الرسمي، لا يبقى لهن سوى ما قالته ليلى:
“نعيش بالأمل، لأن الخوف لا يشفي شيئاً.”
