رغم تخصيص كوتا بنسبة 3% من مقاعد مجلس الشعب للأشخاص ذوي الإعاقة، لم يُسجَّل حتى الآن أي تمثيل فعلي أو معلن لهم ضمن النتائج الأولية للانتخابات الأخيرة، وهو ما يثير تساؤلات جدّية حول مدى التزام الجهات المعنية بتطبيق هذه النسبة، ومدى جدواها في تحقيق مشاركة سياسية حقيقية. يُظهر الواقع أن مفهوم الكوتا ما يزال يُعامَل كـ"إجراء شكلي"، لا كأداة تمكين، إذ يغيب الأشخاص ذوو الإعاقة عن مواقع القرار وعن اللجان الانتخابية ذاتها. ويعكس هذا الغياب استمرار النظرة التقليدية إليهم بوصفهم "فئة بحاجة إلى رعاية" أكثر من كونهم مواطنين فاعلين يمتلكون الحق في المشاركة والتأثير وصنع القرار. ويشير المقال إلى أن المشكلة لا تقتصر على الجهات الرسمية فحسب، بل تمتد أيضًا إلى داخل المجتمع نفسه، حيث يعاني كثير من الأشخاص ذوي الإعاقة من ضعف الوعي السياسي ومن شعور بالعزلة عن الحياة العامة، نتيجة سنوات طويلة من الإقصاء والوصاية. كما أن المنظمات الحقوقية العاملة في هذا المجال نادرًا ما تبنّت برامج حقيقية لتأهيل كوادر قادرة على خوض العمل السياسي والمشاركة في الانتخابات بفعالية. ورغم الصورة القاتمة، يفتح التحليل باب الأمل، مشيرًا إلى أن التعيينات الرئاسية المنتظرة يمكن أن تسدّ الفجوة وتضمن حضورًا تمثيليًا رمزيًا على الأقل، شريطة أن يستند الاختيار إلى الكفاءة والمعرفة بقضايا الإعاقة لا إلى المجاملة أو التزيين السياسي. ويخلص المقال إلى أن تمثيل الأشخاص ذوي الإعاقة في البرلمان ليس ترفًا سياسيًا ولا مكرمة إنسانية، بل هو حق أساسي ومسؤولية وطنية، وخطوة ضرورية نحو بناء مجتمع سوري أكثر عدلاً وشمولًا، يضمن المساواة في الحقوق والمشاركة للجميع.
منصة إرادة- وسيم كناكرية:
تم الإعلان عن النتائج الأولية الانتخابات التي جرت في الخامس من تشرين الأول، وبالرغم من أن القانون خصص للأشخاص ذوي الإعاقة كوتا بنسبة 3% من مجموع المقاعد، أي ما يعادل ستة إلى سبعة مقاعد، فإن النتائج المعلنة حتى الآن لا تشير إلى تحقيق هذه النسبة، كما لم يُسجَّل وجود واضح لهم ضمن اللجان الفرعية أو لجان الإشراف على الانتخابات. هذا الغياب يثير أسئلة جدّية حول آليات تطبيق الكوتا، ومدى تحوّلها إلى أداة فعلية للتمكين والمشاركة السياسية، لا مجرد رقم يُدرج في اللوائح لتجميل المشهد العام.
رقم شكلي أم تمثيل حقيقي؟
جاءت الانتخابات بعد طول انتظار، عملية انتخابية تحمل في طياتها الكثير من الآمال والتساؤلات. آمال بأن نحظى، نحن الشعب السوري أولًا، والأشخاص من ذوي الإعاقة ثانيًا، بتمثيل صادق لقضايانا وأصواتنا التي طالما كانت مكتومة بفعل القمع، أو مسلوبة تحت غطاء “رعاية الضعفاء” و”خدمة الفئات الهشة” من المجتمع. وتساؤلات عن هوية هؤلاء الأشخاص الذين سيقومون بتمثيلنا لمدة عامين ونصف، وعن الكيفية الحقيقية لاختيارهم.
يأتي هذا المشهد في إطار الحديث الرسمي عن تعزيز دور الأشخاص ذوي الإعاقة في الحياة السياسية، والذي كان يجب أن تترجمه الكوتا المخصصة لهم في مجلس الشعب بنسبة (3%) والتي اعترض عليها الحراك السوري لذوي الإعاقة مطالباً برفع النسبة حتى 5% خاصة أن الحرب رفعت نسبة ذوي الإعاقة في سوريا لتصبح الأعلى في العالم بحدود واحد من كل خمسة أشخاص. لكن السؤال هل تحققت حصة الـ 3% ؟ فيما تردد أن “الرئيس أحمد الشرع سيعمل على تصويب الثغرات”، كون رئيس المرحلة الانتقالية يمتلك حقّ تسمية ثلث الأعضاء.
وفي الوقت الذي يُطرح فيه مبدأ الكوتا كخطوة تقدمية لضمان التمثيل الشامل والعدالة المجتمعية، يبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الكوتا إلى أداة حقيقية لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة وسماع أصواتهم، أم أنها ستكون مجرد أرقام تُملأ لاستكمال صورة شكلية لا تعبّر عن إرادة ناخبين حقيقيين ولا عن كفاءة مرشحين مؤثرين؟
منذ أكثر من شهر، شاركت في برنامج “صالون الجمهورية” الذي استضاف رئيس اللجنة العليا للانتخابات الدكتور محمد طه الأحمد. كان الحديث يدور حول آليات اختيار الأعضاء والكوتات الموضوعة بخصوص نسب تمثيل النساء والأشخاص ذوي الإعاقة وغيرهم. لكن ما شدّ انتباهي موقف أثار الريبة في نفسي، حين عرض الدكتور محمد على إحدى الحاضرات أن يرشّح اسمها لتكون في مجلس الشعب، قائلاً لها بما معناه “بالله تمدّي إيدك وتشاركينا، وبالله عليكي ما تخجلينا”. حينها سألت نفسي عدة أسئلة: هل مجرد طرح سؤال على رئيس اللجنة العليا كافٍ لترشيح شخص ما؟ وهل سيكون الأمر ذاته مع الأشخاص ذوي الإعاقة؟ تُملأ مقاعدهم بناءً على معرفة شخصية أو مجاملة؟
بين الكفاءة والاعتبارات
حُدِّدت العديد من المعايير للترشح لمجلس الشعب، أهمها الكفاءة العلمية والعملية، الإيجابية والمبادرة، الشجاعة، والفهم العميق للأمور السياسية، والأهم ألا تكون يد المرشح ملوثة بدماء السوريين لا بالقول ولا بالفعل.
هذه معايير نبيلة بلا شك، لكن يصعب قياس بعضها أو يستحيل. فكيف يمكنني كناخب عادي أن أقيس “شجاعة” مرشح ما؟ والسؤال الأعمق: هل هذه المعايير وحدها هي الفيصل؟ أم أن للاعتبارات الأخرى غير المعلنة دورًا أكبر في اختيار الممثلين؟
لا يخفى على أحد حجم الضرر الاجتماعي الذي سببه النظام السابق على مدى عقود، وهي آثار ما تزال تؤثر في مسار هذه العملية التي يُفترض أن تكون حجر الأساس لبناء مستقبل سوريا وغالبًا ما ينعكس هذا الإرث سلبًا وبشكل مضاعف على تمثيل الأشخاص من ذوي الإعاقة، الذين يقفون في أسفل الهرم الاجتماعي، ويُختار بعضهم على أساس شكلي لا على أساس كفاءتهم الحقيقية.
ماذا عن دورنا؟
من غير المنطقي أن نُلقي كامل اللوم على اللجان الانتخابية. فكما يقع على عاتقها تسهيل مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة ووضع الأسس القانونية لذلك، يقع على عاتقنا نحن، كأشخاص من ذوي الإعاقة، واجب المبادرة لانتزاع حقنا في التمثيل الحقيقي.
لكن بين الحق والواجب توجد فجوة واسعة. ضعف الوعي السياسي لدى كثيرين منا يشكّل حاجزًا لا يُستهان به. كم من مرة سألت أصدقاء من ذوي الإعاقة عن رغبتهم في التمثيل السياسي، فجاءت الإجابات صادمة: “شو دخلنا بالسياسة؟” أو “ليش نحنا؟ شو رح يطلع بإيدنا؟”.
ولكيلا نقع في جلد الذات، لا بد من الاعتراف بأن على المنظمات الحقوقية والجهات التي تخدم الأشخاص ذوي الإعاقة مسؤولية تنظيم جلسات توعية بالحق في التمثيل السياسي. لكن عندما توجهت إلى بعض هذه الجهات، اصطدمت بمحدودية دورها، خصوصًا في كل ما له علاقة بالسياسة.
كل ما سبق يعكس ضعف انتشار الوعي السياسي في أوساطنا، وهو وعي يحتاج إلى أعوام كي يتشكل بشكل راسخ بعد أكثر من خمسة عقود من الاستبداد.
في مجلس التصفيق
في الدورات السابقة، وُجد تمثيل شكلي للأشخاص ذوي الإعاقة عبر مقاعد مخصصة، لكن مشاركتهم لم تكن ذات قيمة تُذكر، تمامًا كما كان حال معظم الأعضاء الآخرين. وهذا هو “المضحك المبكي”، كما يُقال: نموذج لمساواة سلبية، حيث كان وجود الجميع، بمن فيهم ذوو الإعاقة، في المجلس بلا جدوى أو تأثير حقيقي. كان الجميع حاضرين جسدياً وغائبين فعلياً.
الفرصة ما زالت قائمة
بلغ عدد الفائزين في الجولة الأولى من انتخابات مجلس الشعب لعام 2025 بحسب القرار رقم (66) نحو 119 نائبًا من أصل 210 مقاعد، ويُفترض أن تستكمل حوالي 21 مقعداً في محافظات السويداء والرقة والحسكة التي لم تجر فيها انتخابات. أما السبعين مقعداً المتبقية فسيقوم الرئيس أحمد الشرع بتعيينها مباشرة
من بين هؤلاء الفائزين، لا تتجاوز نسبة النساء 4%، لكن فيما يتعلق بذوي الإعاقة، لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي يوضح عدد المرشحين منهم أو الفائزين الفعليين، إذ لم يُذكر أي اسم صراحة في قائمة النتائج. وهذا الغياب يثير التساؤلات حول مدى التزام الجهات المعنية بتطبيق كوتا الـ3% التي تعني نظريًا نحو أربعة مقاعد من المقاعد المنتخبة وحوالي 2 من المقاعد المعيّنة.
ومن المفترض أن يعوض رئيس الجمهورية، من خلال تعييناته، أي ثغرة تنتج عن الانتخابات. مما يعني أنه في حال عدم تمثيل الأشخاص ذوي الإعاقة بنسبة الـ 3% المخصصة لهم عبر العملية الانتخابية، يمكن لرئيس الجمهورية أن يعين أشخاصاً لملء هذه الفجوة. هذا الأمر يضع على عاتقنا، كأشخاص من ذوي الإعاقة، وعلى عاتق الجمعيات والجهات التي تمثلنا، مسؤولية التحرك الفوري لترشيح ممثلين ذوي كفاءة وحضور، يلمون بقضايا الإعاقة إلماماً حقيقياً، ثم طرح أسمائهم على الجهات المعنية لضمان عدم تحول تمثيلنا إلى مجرد رقم شكلي في سجل التعيينات.
الحقوق مسؤولية
يجب أن نعترف بأن هذه المرحلة حرجة وتشكل خطوة أساسية في بناء سوريا الجديدة التي نحلم بها. لذلك، أوجّه انتقاداتي بكل محبة واحترام لتسليط الضوء على قضايا في غاية الأهمية بالنسبة إلينا كأشخاص من ذوي الإعاقة.
فالعبء الذي نحمله اليوم ليس بقليل، وما كنا لنصل إلى لحظة نكتب فيها بحرية ونرفع فيها أصواتنا التي طالما كانت مكتومة خوفاً من أفرع الأمن والمخابرات، لولا تضحيات ملايين الشهداء والمعتقلين والمهجّرين.
ولهذا، فإن مسؤوليتنا أن نُصوّب الأخطاء، وننصح أصحاب القرار، ونرفع وعيهم بقضايانا.
نحن لسنا مجرّد متلقّين للرعاية، ولا نريد أن نكون ديكورًا في مشهد سياسي. نحن جزء أصيل من نسيج هذا المجتمع، وشركاء في طموحه وتطلعه نحو مستقبل عادل وزاهر.
ضمان تمثيلنا الحقيقي ليس منّةً من أحد، بل هو “حق ومسؤولية وواجب” في آن واحد.
