الإرادة

الثمن المضاعف: ما زالوا يسمعون أصوات الموت

الخط

شهدت محافظة السويداء في الأحداث الأخيرة واحدة من أكثر اللحظات قسوة على الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين وجدوا أنفسهم ضحايا مرتين: مرة بإعاقتهم الجسدية أو الذهنية، ومرة ثانية في حرب لم يكونوا طرفًا فيها. فقد قُتل المسن جدعان السيّد مقعدًا على سريره داخل منزله المحترق، مع زوجته وابنته، فيما لقي وهيب أبو حمد، المصاب بقصور دماغي، مصرعه بطلق ناري داخل منزله في قرية رضيمة اللوا. قصص الناجين لا تقل ألمًا. حنين الشعراني (22 عامًا) المصابة بمتلازمة داون فقدت قدرتها على النطق لأيام وعادت خطوات كثيرة إلى الوراء، بعدما كانت قد بدأت تعيش استقلاليتها. أما المسن أبو محمود فقد عُثر عليه جثة متفحمة فوق كرسيه المتحرك، بعد أن عجز عن الهروب. وفي قرية ولغا، أصيبت نور خير الدين المصابة بالتوحّد بنوبة هلع شديدة عقب إطلاق النار الذي دمّر منزل عائلتها، وما تزال تبحث عن ألعابها وكتبها المفقودة. كذلك تعيش سالي، المصابة بالتوحّد، كابوسًا متجددًا مع أصوات الرصاص التي لا تفارق ذاكرتها. ترى اعتماد العقباني، مؤسسة نادي الفرح لمتلازمة الحب، أن هذه الأحداث خلّفت شروخًا عميقة في نفوس الأطفال ذوي الإعاقة ستحتاج سنوات طويلة لردمها. ووفق تقارير محلية، أسفرت عن مقتل مئات المدنيين، بينهم أشخاص من ذوي الإعاقة.

منصة إرادة- مادلين جليس:

لم أتمكّن من الوصول إلى عائلة جدعان السيّد، الرجل الثمانيني المقعد الذي وُجد محروقًا على سريره داخل منزله في السويداء، كما لم أستطع الاستماع إلى شهادات زوجته وابنته اللتين لاقتا المصير ذاته في غرفة مجاورة من بيتهم المتواضع. لكن دمعة وهيبة شقيقة “وهيب أبو حمد”، كانت كافية لتروي ما حدث لأخيها الذي وُجد مقتولًا بطلق ناري في منزله بقرية رضيمة اللوا في ريف السويداء، وهو الذي كان يعاني من قصور دماغي.

تصدع النفوس

الأحداث الأخيرة في السويداء لم تترك أثرها في الأبنية والجدران فحسب، بل تصدّعت معها النفوس، خاصة أولئك الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لدفع المعاناة مرتين: المرة الأولى حين وُلدوا بإعاقة جسدية أو عقلية، والمرة الثانية في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، لكنّها داست على قلوبهم بأحذية ثقيلة.

فقدت حنين الشعراني النطق عدة أيام، وعلى الرغم من عودته إليها، إلا أن الفتاة ذات الـ22 عامًا التي ولدت بمتلازمة داون، ما زالت حتى اللحظة تخاف من كل شيء حولها، وعلى الرغم من هرب عائلتها والتجائهم لمكان أكثر أماناً، لكنها مازالت تعيش وسط رعب ذلك اليوم، كما تروي والدتها “خزامى حنو”:

“كنا قد حققنا إنجازات كبيرة مؤخرًا، فقد بدأت حنين تنام لوحدها. لكن الأحداث المفزعة التي شهدتها منطقتنا في المساكن الخضر جعلت ابنتي تعود خطوات كثيرة إلى الوراء. باتت لا تفارقني لحظة، وتصرّ على النوم وجميع الأضواء مشتعلة، حتى إن الظلام بات يرعبها بعدما كانت لا تخافه كأي طفل عادي..”

لا خيار إلا الموت

تجربة الهروب من الموت، والبحث عن الأمان بعيداً عن المعارك، بالنسبة لذوي الإعاقة كانت محفوفة بالمخاطر بدرجة أكبر بكثير من غيرهم. كثير من المصابين بإعاقات جسدية فضّلوا البقاء في منازلهم والاستسلام لقدر مخيف بسبب عدم قدرتهم على الركض أو صعوبة التنقّل. أما بعضهم الآخر فلم يمتلك خيارًا من الأساس. لم تتح له رفاهية الهرب كما أنه لم يختر البقاء، بل سبقه الموت، ليصبح ضحية جديدة. هكذا رحل المسن أبو محمود، الذي لم يُعرف عن ملابسات قتله مع عائلته شيء سوى صورته إلى جانب جثمانه المتفحّم فوق كرسيه المتحرك.

أما أبو عاطف محسن هنيدي وهو رجل ثمانيني طريح الفراش ولا يستطيع التحرك، عاد ابنه عدنان قبل شهرين إلى السويداء من دولة عربية ليعيل والده. خلال الهجوم على القرى الغربية قتل عدنان في منزل العائلة بقرية المجدل، أما أبو عاطف فظهر في مقطع فيديو فيما المقاتلين يقومون بالإساءة له وحلق شاربه وهو طريح الفراش. بقي الرجل المسن 4 أيام وحيداً قبل أن يتوفى.

قصص النجاة أيضاً، تذكرنا بالجانب المخفي لمعاناة أهالي ذوي الإعاقة في الحروب، تروي لنا سهاد قصة نجاتها فتقول: كثيرون من ذهبوا إلى الأرياف البعيدة لكن ظرف والدي ووالدتي الصحي لم يكن يسمح بذلك وكذلك الظرف المادي وعدم وجود وسيلة نقل، فكان الخيار هو البقاء وانتظار قدرنا بل تمني الموت عله أقل رعباً من سيناريوهات القتل والتنكيل، وكما كان قدري عدم الزواج والبقاء في خدمتهما ٢٥ عاما شعرت أيضا أن قدري الموت أو العيش معهم، وفي يوم الثلاثاء ١٥ تموز الفائت في ساعات بعد الظهر اشتدت القذائف والصواريخ وكان الدمار والقصف في كل مكان وأخبار القتل والحرق تصلنا تباعاً، وضعت يدي بيد أمي الثمانينية منتظرة الموت، لكن على الضفة الأخرى رفض جيراننا أبو موفق وأبو يارا تركنا، فعرضوا عليّ النزول إلى الطابق السفلي للاحتماء من القذائف، وعندما رفضت بسبب وضع والديّ الصحي وعجزهم عن المشي، عاد جيراننا بعد قليل ليحملوا أبي وأمي على الكراسي وينزلوهم. في هذه اللحظة، كان طوق النجاة الذي أعاد لي تمسكي بالحياة والإيمان بالجانب الطيب لدى البشر .

ذكريات سُلبت عنوة

في قرية ولغا، أصيبت نور خير الدين، وهي على طيف التوحّد، بنوبة هلع شديدة حين اخترقت أصوات الرصاص أذنيها هي وعائلتها قبل أن يتمكّنوا من الهرب. احترق منزلهم بالكامل، ولم يبق منه شيء. لا تزال نور حتى اليوم تسأل عن بيتها، عن طاولة دراستها وكتبها وألعابها وزينة شعرها التي أحبتها، ولا تزال تفتقد أصدقاءها الذين فقدت الاتصال بهم بعد هرب كل واحد منهم في طريق.

الأمر ذاته عاشته سالي، الطفلة التي تعاني من التوحّد. تقول والدتها كندة بركة:

“حتى هذه اللحظة أعجز عن تخيل الأصوات المرعبة التي سمعتها ابنتي وما زالت تلاحقها”. كانت كندة في منطقة بعيدة حينها، وكان والد سالي إلى جانب ابنته، لكنه لم يتمكن من الخروج من منزله والهرب بابنته كما فعل جيرانه، فوضع الصبية الصغيرة لا يحتمل الخوف والهلع أكثر، كما أن حالتها الصحية لاتسمح لها بالإقامة في مركز للإيواء مع عشرات الغرباء الذين لاتعرفهم.

بقيت سالي مع والدها في منزلهم، وبقي صوت الرصاص يرن في أذنها حتى اليوم، لدرجة أنها تستيقظ ليلاً على أصوات إطلاق نار غير موجودة إلا في ذاكرتها الصغيرة.

شروخ عميقة وقاسية

تقول اعتماد العقباني، صاحبة نادي الفرح لمتلازمة الحب أن الأحداث الدامية التي مرت بالسويداء والحالة المرعبة التي عاشها ذوو الإعاقة، خاصة المصابون بمتلازمة داون وأطفال التوحّد، أحدثت شروخًا كبيرة في نفوسهم. ربما نحتاج سنوات طويلة لردمها ومحو آثارها القاسية من قلوبهم وذكرياتهم”.

تضيف العقباني أن الأطفال، عند عودتهم إلى النادي بعد تعرضه لقذيفة صاروخية دمّرت أجزاء كبيرة منه، انهالوا بالأسئلة حين رأوا بعض الزجاج لا يزال متناثرًا على الأرض، رغم ترميم المكان. “الخوف كان واضحًا على بعضهم، خاصة ممن شهدوا الأحداث بأعينهم وعاشوا تفاصيلها”.

أتت أحداث السويداء لتعيد فتح الجرح السوري الذي لن يلتئم دون عدالة للضحايا ومحاسية لجميع المنتهيكين. وبحسب تقارير منظمات محلية في السويداء، فإن الأحداث الأخيرة التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الماضية أودت بحياة مئات المدنيين، بينهم أشخاص من ذوي الإعاقة، فيما ما تزال آثارها النفسية والاجتماعية تضغط بقوة على العائلات الناجية.

وخلال الأربعة عشر عاماً السابقة كان الأشخاص ذوو الإعاقة وما زالوا من أكثر الفئات عرضةً للعنف وفقدان الحماية، في غياب أي توثيق حتى الآن لأعدادهم ونسبتهم بين الضحايا والجرحى.