حتى وقت قريب، كان مرضى السرطان في دير الزور يواجهون عزلة صحية قاتلة؛ فلا مستشفيات أو مراكز متخصصة، ولا أجهزة متقدمة سوى جهاز تصوير طبقي محوري واحد في المشفى الوطني، فيما تغيب تقنيات أساسية مثل الـPET-CT وMRI. هذا النقص جعل نحو 70% من الحالات تُشخّص في مراحل متأخرة، وغالباً بعد أن يكون المرض قد تفاقم. اضطر المرضى للسفر إلى دمشق أو محافظات أخرى لتلقي العلاج، ما حمّلهم تكاليف باهظة تصل إلى 60 مليون ليرة سورية للحالة الواحدة، تشمل النقل والإقامة وتأمين الأدوية من السوق السوداء. كما أن جلسات العلاج الإشعاعي كانت تتطلب انتظاراً قد يمتد لأشهر، ما يعرّض المرضى ذوي الحالات المتقدمة لمخاطر أكبر. في التاسع من الشهر الجاري، افتتحت الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز) بالتعاون مع وزارة الصحة أول مركز متخصص بالأورام في دير الزور ليخدم أيضاً الحسكة والرقة. يوفر المركز استشارات طبية وفحوصات وعلاجاً كيماوياً بإشراف كادر مختص، ويغطي أنواعاً عدة من السرطان أبرزها الثدي، المبيض، الكولون، المعدة، المثانة، والأورام اللمفاوية. ورغم هذه الخطوة، ما يزال المركز يفتقر لمخبر تشريح مرضي، فيما تبقى الأدوية المناعية غير متوفرة لارتفاع أسعارها، ما يجبر المرضى على تحمل نفقاتها الخاصة. إلى جانب ضعف البنية الصحية، تشير تقارير إلى أن التلوث الناتج عن الحراقات النفطية ساهم في ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان في المنطقة الشرقية. ومع ذلك، يمثل افتتاح مركز الأورام بارقة أمل للفئات الأكثر هشاشة، ويختصر عليهم رحلة شاقة إلى دمشق، بانتظار خطوات أوسع لتعميم هذه الخدمات.
منصة إرادة- شيماء شريف
حتى وقت قريب، لم يكن أمام مرضى السرطان في محافظة دير الزور أي خيار محلي للعلاج. فالمحافظة، التي تعاني من هشاشة خدماتها الصحية، تفتقر إلى مستشفيات أو مراكز متخصصة في الأورام. لا يتوفر سوى جهاز تصوير طبقي محوري (CT) وحيد في المشفى الوطني، بينما تغيب تماماً الأجهزة الأحدث مثل الـPET-CT أو الـMRI.
هذا النقص انعكس مباشرة على مسار التشخيص؛ إذ تشير تقديرات طبية إلى أن نحو 70% من الحالات تُكتشف في مراحل متأخرة بسبب غياب برامج الكشف المبكر وضعف أدوات التشخيص.
كان مرضى المنطقة الشرقية يضطرون للسفر إلى دمشق أو المحافظات الأخرى لتلقي العلاج، ما يثقل كاهل العائلات بتكاليف تصل إلى 60 مليون ليرة سورية للحالة الواحدة، تشمل تكاليف النقل والإقامة وشراء الأدوية من السوق السوداء. كما أن الحصول على جلسة للعلاج الإشعاعي كان يتطلب الانتظار عدة أشهر قد تصل إلى خمسة، وهو ما يعرض المرضى ذوي الحالات المتقدمة لخطر فقدان فرص النجاة.
افتتاح مركز أورام جديد
في التاسع من الشهر الجاري، افتتحت الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز) بالتعاون مع وزارة الصحة أول مركز متخصص بالأورام في دير الزور، ليخدم مرضى المحافظة وجارتيها الحسكة والرقة.
يقول خالد خطاط، مدير المركز، إن الخدمات المقدمة تشمل الاستشارات الطبية والفحوصات الخاصة بمرض السرطان، إضافة إلى توفير الأدوية وتسريب الجرعات الكيماوية تحت إشراف كادر طبي وتمريضي مختص. ويغطي المركز حالياً حالات متعددة بينها سرطان الثدي، المبيض، المعدة، الكولون، الخصية، المثانة، إضافة إلى الأورام الدموية واللمفاوية (هودجكن وغير هودجكن).
قصة مزنة العلي.. صورة من الذاكرة
وراء الأرقام والإحصاءات، تبقى قصص المرضى شاهداً على حجم المأساة. مزنة العلي، امرأة خمسينية من ريف الحسكة، رحلت قبل عامين بعد صراع مع السرطان لم يُتح لها خلاله الحصول على جرعة علاج واحدة.
عجز عائلتها عن تحمل تكاليف السفر إلى دمشق جعلها تستسلم لقدرها على فراش بسيط في منزلها، لتتحول قصتها إلى رمز لخذلان الدولة والعائلة معاً. هذه الصورة بقيت عالقة في ذاكرة من عايشوها، وتستعاد اليوم مع افتتاح مركز الأورام في دير الزور، كأملٍ جديد لمرضى آخرين قد يختصر عليهم مشقة السفر وكلفة العلاج.
ثغرات قائمة
ورغم هذه الخطوة المهمة، لا يزال المركز يفتقر إلى مخبر للتشريح المرضي، ما يضطره إلى استقبال المرضى الذين جرى تشخيصهم في أماكن أخرى. وتعمل “سامز” على تجهيز المخبر قريباً لتقديم خدمات متكاملة.
لكن المشكلة الأبرز تبقى في نقص الأدوية المناعية التي تُستخدم عادة بعد الجرعات الكيماوية، إذ لا تتوفر حالياً بسبب ارتفاع أسعارها الباهظ، ما يضطر المرضى إلى شرائها على نفقتهم الخاصة إن استطاعوا.
التلوث النفطي وازدياد الإصابات
إلى جانب غياب البنية التحتية الصحية، تشير تقارير إلى أن التلوث المزمن الناتج عن مخلفات وانبعاثات النفط يُعد من أبرز أسباب ارتفاع الإصابات بالسرطان في المنطقة الشرقية. فغياب أنظمة السلامة منذ انسحاب الشركات الأجنبية عام 2011 أدى إلى انتشار عمليات تكرير بدائية للنفط بلا أي ضوابط بيئية، ما انعكس على الهواء والمياه الجوفية وأثر مباشرة على الصحة العامة.
افتتاح المركز الجديد يمثل بارقة أمل لمرضى السرطان في المنطقة الشرقية، لكنه ليس كافياً لتغيير المشهد جذرياً. فالمطلوب هو توسيع شبكة المراكز وتزويدها بالمخابر والأدوية المناعية، إلى جانب مواجهة جذور الأزمة المتمثلة في التلوث البيئي، حتى لا تبقى قصص مثل قصة مزنة العلي تتكرر بصمت.
