الإرادة

اليوم الأعنف في المأساة السورية: موت صامت دون دماء

الخط

أحيا السوريون، اليوم الخميس، الذكرى الثانية عشرة لمجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية، التي تُعدّ من أبشع فصول المأساة السورية. ففي فجر 21 آب/أغسطس 2013، استُهدف سكان بلدات زملكا وعين ترما وجوبر ومعضمية الشام بأكثر من عشرة صواريخ محمّلة بغاز السارين، ما أدى إلى مقتل نحو 1144 مدنياً، بينهم 99 طفلاً و194 سيدة، وإصابة ما يقارب 6000 آخرين بأعراض اختناق، وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان. اتسمت المجزرة بطابعها الصادم: ضحايا بلا دماء ولا جروح، أطفال ونساء ورجال قضوا بصمت في أقبية المنازل التي لجؤوا إليها هرباً من القصف. وبفعل ثقل الغاز، كان الأطفال الأكثر عرضة للموت. كثير من العائلات مُحيت بالكامل، فيما دُفن الضحايا على عجل في مقابر جماعية. شهادات الناجين، مثل أم قاسم من دوما، توثق تفاصيل مرعبة: أقارب دُفنوا أحياء بعد أن ظُن أنهم فارقوا الحياة، وأعراض تنفسية ولاحقة أودت بحياة كثير من الناجين. تقول أم قاسم: "في ذلك اليوم متنا جميعاً. كل ما بتذكره بتذكر ريحة الكيماوي وريحة الجثث". الفعاليات هذا العام شملت مواكب رمزية في دمشق وريفها، زيارات لمقابر الضحايا، عرض أسمائهم على شاشات عامة، وتوقيع عرائض تطالب بمحاسبة الجناة. ويؤكد ذوو الضحايا أن غياب العدالة يضاعف من وطأة الذكرى، فيما يصرّون على حقهم في معرفة الحقيقة وإنصاف الضحايا. بعد اثني عشر عاماً، ما تزال آثار المجزرة ماثلة في أجساد وذاكرة الناجين، بينما يبقى مطلب المحاسبة والتعويض قائماً كجزء من معركة السوريين ضد الإفلات من العقاب.

منصة إرادة-

وسيم كناكرية

بينما يجتاز الموكب الجنائزي شوارع دمشق، يشيّع السوريون، ولأول مرة بشكل علني ورمزي، شهداءهم الذين دُفنوا على عجل في مقبرة جماعية قبل اثني عشر عاماً.

تتساءل أم قاسم: أي سيارة تحمل ابن عمها أبا عمر؟ وأي سيارة تحمل أبناء جارتها محمد وعبد الكريم وإيمان؟ وماذا عن منيرة وزوجها رشيد وطفلها الذي ما زال يختبئ في رحمها؟

“نحتاج إلى 1140 سيارة لدفن الموتى”، تقول أم قاسم، في إشارة إلى الرقم الرسمي للضحايا، قبل أن تضيف: “لكن العدد أكبر بكثير. في ذلك اليوم متنا جميعاً، لم يبقَ أحياء”.

انطلقت اليوم الخميس فعاليات إحياء ذكرى مجزرة الكيماوي، اليوم الأكثر مأساوية في تاريخ السوريين، حيث سقط أكبر عدد من الضحايا بلا دماء، بلا صراخ أو جروح، فقط موت صامت ووجع بلا حدود. منذ ساعات الفجر الأولى علت التكبيرات في مساجد دمشق وريفها، تلاها تمثيل رمزي للحظات القصف. كما خرجت مواكب شعبية من “مقبرة شهداء الكيماوي” في زملكا مروراً بساحات العاصمة وصولاً إلى “صرح الجندي المجهول”. وتخلل البرنامج زيارات لمقابر الضحايا، وعرض لأسمائهم على شاشات عامة، إضافة إلى التوقيع على عريضة تطالب بمحاسبة المسؤولين عن المجزرة.

أنفاس مختنقة حتى الآن

“كاد أن يُدفن حيّاً”… بهذه الكلمات بدأت أم قاسم حديثها عن مجزرة زملكا وعربين.

تروي: “نودي في المساجد على الأهالي للتعرف على الجثث كي يأخذ ذوو الضحايا شهداءهم. ذهب والدي، فتح الأكفان حتى وصل إلى جسد تبيّن أنه لابن عمي. حمله ليودّعه أهله، لكنه شعر بأنفاسه البطيئة. هرعوا به إلى ما كان يُسمى مشفى، فأخبروهم أنه لا مكان له: الأسرّة ملأى والأرض مغطاة بالجثث. قال لهم الطبيب: أعيدوه إلى البيت واسكبوا عليه الماء علّه يفيق”.

هناك رأيته. كان لونه أزرق وأصفر معاً، صدره منتفخاً بشكل غير طبيعي. بدؤوا يسكبون عليه الماء حتى تقيأ. حينها شعرت بضيق في التنفس وأنا أساعد والدي. في البداية اعتقدت أنه مجرد رهبة أمام إنسان يحتضر، لكن الشعور ازداد وتحوّل إلى سعال. لم أكن وحدي، الجميع سعل. لا أدري ما التفسير العلمي: هل كان الكفن مشبعاً بالمواد الكيميائية فتسرب الغاز عند سكب الماء؟ أم أنها مفرزات ابن عمي؟ كل ما أعرفه أننا أصبنا بالهلع ذلك اليوم، هلع ممزوج بسعال كثيف.

ابن عمي عاد من موته القريب، لكنه عاش بعدها بسعال وألم مزمن في الرئة حتى توفي. وكل مرة كنت أنظر فيها إلى وجهه كنت أسأل نفسي: كم شخص دُفن حياً؟ كم إنسان اختنق مرتين؛ مرة بالكيماوي ومرة بالقبر؟ في كل ذكرى تمر، تختنق أنفاسي مجدداً.

ذاكرتنا وذاكرتهم

في فجر 21 آب 2013، كنا نحن بقية السوريين نائمين. وعلى بعد بضعة الكيلومترات من قلب العاصمة، اختنق عشرات الآلاف بغاز السارين وهم نيام. استُشهد أكثر من 1100 مدني، وأصيب ستة آلاف آخرون بأعراض التسمم الكيميائي، وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

أتذكر تلك الأيام جيداً، كما يتذكرها كل السوريين: أطفال بوجوه بيضاء يبدون كملائكة نيام، طفلة تقول: “أنا عايشة يا بابا”، جثث مصطفة ملفوفة بأكياس بيضاء. أتذكر شروحات القنوات عن أنواع الأسلحة الكيميائية، والفارق بين السارين والكلور، وحقنة الأتروبين التي سمعت بها للمرة الأولى. كما أتذكر منشوراً لصديق كتب فيه بسخرية مرة: “الله على هالريحة… والله شي بيفتح الصدر”. وأغنية سمعتها: “اجرَح لي قلبي ولا تداوي… رشّ عليي كيماوي”.

لكن ذكريات أم قاسم كانت مختلفة. فقد عاشت حصار الغوطة، واعتادت القصف اليومي، واستُشهد زوجها أولاً، وبعد أربعين يوماً استُشهد ابنها. ورغم كل ذلك عايشت مجزرتين كيماويتين. تقول: “من سمع ليس كمن رأى، ومن رأى ليس كمن قُتل”. 

تحكي عن عائلات مُحيت كأنها لم تكن يوماً. ضحكات وأحلام ويوميات وقصص حب ومشاريع للمستقبل ماتت معهم. الأستاذ رشاد، مثلاً، كان يدرّس في مدارس زملكا، ويخيط أعلام الثورة. كان أباً لثلاثة أولاد، ينتظر طفله الرابع، ويحلم بالانتقال لشقة أكبر. لكنه وزوجته الحامل وأطفاله الثلاثة اختنقوا وهم نائمون.

تقول أم قاسم إنها حتى الان تتحاشى رؤية هذه الصور التي نعرفها جميعاً. تخشى أن تعرف وجه أحد جيرانها. أن ترى طفلة سبق أن حملتها وداعبتها، تخاف أن تتعرف على أحد تكون قد تشاجرت معه مرة، على مراهق وبخته على ركضه في الشارع. “صديقتي جنى ماتت مع أطفالها الثلاثة وحماتها وكنتها وأطفال كنتها. كانوا تسعة من نفس العائلة. زرت قبوهم قبل يوم واحد فقط، وحاولوا إقناعي بالانتقال إليهم لأنه أوسع من قبو بيتنا، لكني فضلت البقاء مع عائلتي الكبيرة. في ذلك القبو مات ستون شخصاً”.

كان القصف الجوي المستمر على الغوطة قد دفع الأهالي إلى النوم في الأقبية. النساء والأطفال في الطوابق السفلية، والرجال في الطابق الأول. لكن هذه المرة لم يأت الموت من السماء، بل نزل الغاز بفعل الجاذبية إلى الأقبية فكان الأطفال أكبر الضحايا. ومن نجا، رأى
ما لا تحتمله الكلمات. من بين هؤلاء أخت زوجي التي كادت أن تموت لولا أن استطاعت أن تستجمع قواها وتمضي زاحفة إلى الخارج فوق جثث أحبائها وأقاربها وجيرانها، تلك الجثث التي دفنت بصمت وعلى عجل بمقابر جماعية دون أسماء، نزورها للمرة الأولى اليوم، نزور قبور لا نعرف من يسكنها.

هيروشيما الغوطة

وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تفاصيل الهجوم. ففي الساعة الثالثة إلا الربع من فجر 21 آب 2013 شنت قوات النظام أربع هجمات كيميائية متزامنة على عين ترما وزملكا وجوبر ومعضمية الشام، مستخدمةً ما لا يقل عن عشرة صواريخ محمّلة بغاز السارين بكمية تقارب 200 لتر. الظروف الجوية أبقت الغاز قريباً من الأرض، فحصد أرواح النائمين.

سجّلت الشبكة مقتل 1144 شخصاً اختناقاً، بينهم 99 طفلاً و194 سيدة، إضافة إلى نحو 5935 مصاباً بحالات اختناق.

آثار الكيماوي لم تترك أهالي الغوطة حتى بعد أعوام. توفي كثير ممن أسعفوا المصابين، ومن لم يجدوا من يسعفهم ماتوا في أماكنهم. كانوا ينزفون أنفاسهم وأرواحهم بصمت، نزيفاً لا دم فيه. في ذلك اليوم نزف أيضاً الضمير السوري وضمير الإنسانية.  لم يقتصر الأثر على الألم الجسدي، فحصار الغوطة والمجازر تركت في قلب أم قاسم وروحها جروح وآلام من الصعب أن تشفى. تقول أم قاسم: كل ما بتذكر هداك اليوم بتذكر ريحة الكيماوي، ريحة الموت والجثث، بتذكر الشمس الي طلعت والي ما كانت متل قبل. ما في شي ممكن يرجع متل قبل.

بانتظار العدالة

اليوم تسكن أم قاسم في بيتها بدوما، البيت الذي كان يجمعها بزوجها وأولادها الستة، لكنه لم يعد كما كان. في كل زاوية منه ذكرى مؤلمة تحاول جاهدة إسكاتها. وحين تخرج، تحاول أن لا تسترجع الصور التي لازمتها في كوابيسها.

“الله قوي، والله رح يحاسب كل من فظع فينا. هذا أملنا. فإن أفلتوا من عدالة الأرض فلن يفلتوا من عدالة السماء”. هكذا تجيب حين تُسأل عن محاسبة الجناة.

اليوم، وفيما يحيي أهالي الغوطة والسوريون عموماً ذكرى مجزرة الكيماوي، يبدو أن الجريمة لم تنته بعد. فغياب العدالة يضاعف وطأة الذكرى مع كل عام جديد. لكن حالة الإفلات من العقاب يقابلها إصرار عائلات الضحايا ومنظمات المجتمع المدني السوري على المطالبة بالمحاسبة وتعويض الضحايا والتأكيد على حق السوريين في معرفة الحقيقة والتعامل مع آثار المجزرة المستمرة.

اكتفى المجتمع الدولي بقرار مجلس الأمن الدولي رقم /2118/، الذي يقضي بانضمام سوريا لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية، وسحب وتفكيك ترسانتها من الأسلحة الكيميائية, القرار الذي تم تنفيذه جزئياَ، وإهمال الفقرة /15/ منه، والتي تنص على “ضرورة محاسبة الأفراد المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا”.

قرار مجلس الأمن، ونتائج التحقيقات التي قامت بها خمس لجان تحقيق دولية أثبتت استخدام القوات الحكومية المتكرر للسلاح الكيماوي. قدمت هذه اللجان تقاريرها إلى هيئات الأمم المتحدة المعنية، وإلى مجلس الدول الأعضاء في منظمة “حظر الأسلحة الكيماوية”، ولم تكفِ جميع هذه التقارير لوضع ملف استخدام الكيماوي في سوريا على أي مسار للعدالة، ومحاسبة المسؤولين عن مجزرة الغوطة والهجمات التي نفذتها القوات الحكومية السورية بالسلاح الكيماوي على امتداد السنوات الماضية في كل من ريف حماة وإدلب وحلب، وحمص وريف دمشق واللاذقية.

حالة الإفلات من العقاب يجب أن تنتهي بتفعيل مسار العدالة الانتقالية مع سقوط نظام الأسد، وعدم السماح بتمييع قضية الكيميائي أو ضياعها في متاهات سياسية، وبدء تقديم المتهمين وملاحقتهم حتى لو هربوا خارج سوريا.