في الذكرى الخامسة عشرة للثورة السورية، تعود الصور إلى الواجهة. صور المظاهرات الأولى، وصور القمع، وصور الوجوه التي غابت. قبل أن تكشف صور قيصر فظائع نظام سقط، كانت هناك صور أخرى تُنتج بهدوء. صور لا تفضح العنف بل تُخفي الأدلة، لا تكشف الجريمة بل تعيد ترتيب مسرحها. في تلك الصور، يظهر الجلاد في هيئة الراعي الرحيم، بينما يُختزل الضحية في دور العاجز. لم تكن صور جرايد، بل منظومة كاملة: كاميرا الوصاية. هذه الكاميرا لا تحتاج إلى تعذيب علني كي تعمل. يكفي أن تعيد تعريف المواطن كموضوع للرعاية، لا كصاحب حقوق. بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة، كانت هذه هي القاعدة قبل الثورة: حضور مشروط بالمنية، ووعود تعمل كديكورات، وجدران من العزلة لا تسمح لهم بأن يكونوا فاعلين في المجال العام. عندما اندلعت الانتفاضة السورية، بدا وكأن الجميع يتحدث اللغة نفسها: الكرامة، الحرية، العدالة، المساواة. بالنسبة لكثير من الأشخاص ذوي الإعاقة، لم تكن هذه كلمات جديدة، بل مطالب قديمة خرجت أخيرًا إلى العلن. لم يكونوا على هامش الثورة، بل داخلها، حتى لو لم تُرَ مشاركتهم بالوضوح نفسه. في إحدى المظاهرات في دمشق، أمسك بي عنصر أمن بينما كان يلاحق المتظاهرين، وصرخ: “لو كان فيكم خير، كنتوا ساعدتوا هالأعمى.” في تلك اللحظة، لم يكن ينكر حقي في التظاهر فحسب، بل كان ينكر قدرتي على أن أكون جزءًا من الفعل السياسي أصلًا. بالنسبة له، كما بالنسبة لكثيرين، لا يمكن لشخص كفيف أن يحتج أو يختار أو يعارض. الحرب لم تُنهِ هذه المفارقة، بل عمّقتها. دُمّرت المدن، وانهارت المجتمعات، وانضم عشرات الآلاف إلى فئة الأشخاص ذوي الإعاقة قسرًا. فجأة، لم يعد السؤال من هم، بل كم عددهم، وكم من هذا المجتمع أصبح يشبههم. ومع مرور السنوات، تحولت هذه الفئة إلى ما يمكن وصفه بـ"الأقلية الأكبر": شريحة واسعة لا يجمعها دين ولا منطقة ولا انتماء سياسي، بل ظرف إنساني يمكن أن يطال أي فرد في أي لحظة. ومع ذلك، بقيت الصورة كما هي: حضور إنساني يُحتفى بضعفه، وغياب فعلي عن القرار والتصميم والسياسات. بعد لحظة السقوط وما تبعها من احتفالات، امتلأت الشوارع بالجميع. للحظة، بدا أن الصورة اكتملت. لكن ما بعد الاحتفال يطرح السؤال الحقيقي: من سيُرى في سوريا القادمة؟ ومن سيُؤخذ في الحسبان حين يُعاد بناء الفضاء العام؟ إعادة الإعمار ليست مجرد عملية هندسية، بل اختبار سياسي وأخلاقي. هل سنعيد إنتاج نفس المدن التي تقصي، ونفس المؤسسات التي تهمّش، ونفس النظرة التي تختزل الإنسان في ضعفه؟ أم سنعيد تعريف المواطنة بحيث تشمل الجميع فعليًا؟ المسألة في جوهرها ليست في الظهور، بل فيمن يملك الكاميرا. من يحدد كيف نُرى، وبأي شروط. إذا كانت الثورة قد كسرت الخوف، فإن استكمالها يتطلب كسر كاميرا الوصاية أيضًا، تلك التي تجعل البعض مرئيين دائمًا كضحايا، ونادرًا كمواطنين.
استمع للمقال
منصة إرادة- وسيم كناكرية
قبل أن توثق كاميرا قيصر فظائع نظام سقط، وقبل أن يكتب شبان الحقيقة بدمائهم في مقاطع فيديو تحمل التواريخ والأسماء، كانت هناك كاميرا أخرى تعمل بصمت. لم تكن تفضح، بل تُخفي الأدلة. لم تكن تكشف الجريمة، بل تعيد ترتيبها مسرحها.
كاميرا تُظهر الجلادين مع ضحاياهم كالملائكة الرحيمة، يضعون أيديهم على أكتافهم في مشاهد مصممة لتعزز صورة الضعف والعجز للضحية، وصورة الإنسانية المفرطة للجلاد.. لكن ما لا يظهر في الصورة هو ما يجعلها ممكنة: منظومة كاملة من الوصاية، تُعيد تعريف الإنسان لا كمواطن صاحب حقوق، بل كموضوع رعاية، ومتلقي للمنة من الأيادي الملطخة بالأحمر.
هذه كانت كاميرا الوصاية. كاميرا لا تُسجّل العنف، بل تُطَبِّعه.
مفاهيم مشتركة ولكن قليل من يدري
قبل الثورة بسنوات، كان الأشخاص ذوو الإعاقة يحلمون بثورتهم الخاصة. ثورة على نظرة تختزلهم في الضعف، وعلى مجتمع يمنحهم الرعاية بدل الحقوق.
شعارات مثل الكرامة والحرية والمساواة لم تكن جديدة على الأشخاص ذوي الإعاقة، بل كانت توصيفًا دقيقًا لما حُرموا منه طويلًا. لم يكونوا خارج الحدث، بل جزءًا منه، يحملون عبئه مضاعفًا: قمع سياسي، وإقصاء اجتماعي يومي.
لم تكن المسألة أن الثورة “شملتهم”، بل أنهم كانوا أصلًا داخلها، حتى لو لم تُرَ مشاركتهم بالقدر نفسه.
فالأشخاص ذوو الإعاقة، جزء لا يتجزأ من الشعب السوري. يعانون ما يعانيه الجميع، لكنهم كانوا مواطنين من الدرجة الثانية، يتلقون الظلم مضاعفا: ظلم مؤسساتي رسمي، وظلم مجتمعي يومي. فجاءت الثورة السورية لتثبت أن الحقوق ليست حكرا على من اكتملت جوارحه، بل هي أساسية لكل إنسان. وكما ثار من في دمشق ودرعا وحمص وغيرهم من باقي المحافظات، ثار أشخاص من مختلف الإعاقات مطالبين المجتمع بأن يحترم حقوقهم، وأن يتقبلهم كجزء منه. وكان من رموز هذه الثورة الشيخ الكفيف أحمد الصياصنة في درعا، كدليل على أن الثائر لا يحتاج إلى بصر ليثور.
المتظاهر الأعمى، خفيف الدم
في بداية الثورة شاركت بمظاهرة في حي الميدان حيث أسكن، لم تمض ثوانٍ حتى هاجمنا الأمن. هرب الجميع وبقيت وحدي.
أمسك بي عنصر الأمن، وبينما كان يشتم المتظاهرين الهاربين، صرخ: “لو كان فيكم خير، كنتوا ساعدتوا هالأعمى.”
لم أدر يومها إن كنت محظوظا أم لا، لكنني أدركت أنه اعتقد بأني كنت مار من جانب المظاهرة صدفة، وأنني في نظره كنت أقل من أن أكون متظاهرا . شخص لا يمكن أن يحمل رأيًا، ولا أن يكون جزءًا من فعل سياسي.
وفي عام 2014، حين أُجبرنا على التصويت في الانتخابات الرئاسية، أخبرت الموظف عند الصندوق أنني أرغب بانتخاب المرشح الصوري الآخر. قوبلت بضحكة طويلة وعبارة: يا إلهي، ما أخف دمك. كان صادقا دون أن يدري. ففي نظره، كيف لكفيف مثلي أن يعارض. أن يختار. أن يرفض.
حين تغيّر كل شيء… وبقي شيء
مع قرار النظام أن يكون “العنف المطلق” رده الوحيد على المظاهرات، تحول الحراك السلمي إلى صراع مسلح، تغيّر وجه البلاد. دُمّرت المدن، وتهدمت المباني، وانهارت معها المساحات المحدودة التي كانت متاحة.
بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة، لم يكن العنف مجرد فصل جديد، بل مضاعفة للأسوأ. بيئة غير مهيأة أصبحت أكثر قسوة. وحياة صعبة أصبحت أكثر هشاشة.
وفي الوقت نفسه، انضم آلاف آخرون إلى هذه الفئة قسرًا.
الحرب تخلف القتلى والجرحى. تخلف قلوب وأعين نازفة، وأناس ينضمون قسرا إلى شريحة ذوي الإعاقة. ينتقلون من صفوف المحاربين أو من بين المدنيين العزل، ليجدوا أنفسهم تحت مظلة واحدة لا تميز أحد عن أحد. وبعد سنين الحرب الطويلة، باتوا يشكلون حسب المنظمات الدولية حوالي 28% من الشعب السوري، ليصبحوا الأقلية الأكبر، ثلث المجتمع تقريبا.
جرحى الحرب، المدنيون، المقاتلون… أجسادهم حملت آثار العنف، وأصبحوا فجأة جزءًا من تجربة كانوا قد لا يعرفونها من قبل.
لم يعد السؤال: من هم الأشخاص ذوو الإعاقة؟
بل: كم عددهم الآن، وكم من هذا المجتمع أصبح يشبههم؟
بعد السقوط: من يظهر في الصورة؟
عندما سقط النظام، نزلنا إلى الساحات نحتفل، الكل بلا استثناء. انتشرت فيديوهات لصم يحركون أيديهم بإشارات تستهزئ بالرئيس الهارب، ولمكفوفين يهتفون فرحا بالسقوط، وذوي الإعاقة الحركية على كراسيهم متوشحين بأعلام الثورة.
للحظة، بدا أن الصورة اكتملت. لكن بعد الاحتفال، عادت الأسئلة.
من سيُؤخذ في الحسبان؟ من سيُرى فعلًا في إعادة الإعمار، في السياسات، في الفضاء العام؟
جاءت حالة الانتظار. كل ينتظر ما يتمنى: التعافي المالي، العدالة الانتقالية، التمثيل السياسي، فرص العمل. والأشخاص ذوو الإعاقة ينتظرون كل ذلك، وفوقه ينتظرون شيئا آخر: أن تفهم الحكومة والمجتمع حقوقهم واحتياجاتهم. ينتظرون بيئة غير مؤهلة أصلا للجميع، أن تصبح مؤهلة لهم ولغيرهم.
وهنا يظهر انقسام صامت:
بين من عاشوا الإعاقة قبل الحرب، ومن وجدوا أنفسهم داخلها بعدها.
هؤلاء يعانون اليوم كما كانوا يعانون أثناء الثورة إما من وصمة مجتمعية بسبب انتمائهم، أو عزلة يفرضونها على أنفسهم أو تفرض عليهم بغطاء أنهم مختلفون عن باقي الأشخاص ذوي الإعاقة. وهذا الانقسام يؤذي الجميع، إذ يقلل الاختلاط والوعي بكيفية التعامل مع الإعاقة والتأقلم معها.
ما الذي تعنيه العدالة؟
الآن، ونحن نحتفل بالذكرى الخامسة عشر للثورة السورية ونتذكر قيم الثورة الأولى، يطفو على السطح سؤال مصيري: أي سوريا نريد؟ سوريا التي ستبنى على أنقاض هذه الحرب الطويلة بأيدي أبنائها وبناتها بغض النظر عن انتمائهم ودينهم وعرقهم وإعاقاتهم الظاهرة والمخفية. أم سورية التي على مواقع التواصل الاجتماعي والتي تبدو بصورة أكثر خراب من البنية التحتية على أرض الواقع.
إعادة الإعمار ليست مجرد إسمنت ومواد بناء. هي فرصة لإعادة تشكيل الفضاء العام ليكون في متناول الجميع.
العدالة الانتقالية ليست فقط محاكمات وإنصافا للضحايا، بل هي أيضا عدالة تعترف بأن ذوي الإعاقة كانوا ضحايا مزدوجين: ضحايا النظام الساقط، وضحايا مجتمع تنكر لهم.
السياسات الاجتماعية المقبلة يجب أن تنتقل بنا من مفهوم الرعاية والوصاية الذان يكرسان التبعية، إلى مفهوم التمكين الذي يطلق الطاقات.
حق الوصول إلى التعليم والعمل، والمساواة في الفرص، ليست خدمات إضافية أو منة تقدم لمن يستحق الشفقة. هي حقوق أساسية، هي جوهر المواطنة.
فالأشخاص ذوو الإعاقة، الذين يشكلون أكبر أقلية في سوريا، هم الأقلية الوحيدة التي لا تنتسب إلى دين أو عرق أو منطقة، بل إلى ظرف إنساني قد يلم بأي إنسان في أي لحظة. الشمولية ليست قضية قطاعية تخص منظمات الإعاقة وحدها.
هي مقياس لمدى عدالة المجتمع. المجتمع العادل لا يُقاس بازدهار أقويائه، بل بكيفية تعامله مع أضعف أعضائه. المجتمع العادل هو الذي يضمن أن يكون الفضاء العام مشاعا للجميع، ليس كمتفرجين أو متلقين للرعاية، بل كمواطنين فاعلين ومنتجين.
من يملك الكاميرا؟
في النهاية، المسألة ليست فقط في أن نُرى، بل في كيف نُرى، ومن يملك الصورة. إذا كانت الثورة قد بدأت بكسر الخوف، فإن استكمالها يتطلب كسر هذه الكاميرا أيضًا—كاميرا الوصاية التي تعيد إنتاج نفس العلاقات، ولو بلغة مختلفة.
السؤال اليوم ليس إن كانت سوريا ستتغير. بل كيف ستتغير، ولمن.
هل ستكون مكانًا يُرى فيه الجميع؟ أم مكانًا تُعاد فيه الصور القديمة بشكل جديد؟
هل يمكن أن تكون سوريا القادمة وطنًا يرى فيه الأشخاص ذوو الإعاقة أنفسهم مواطنين كاملين في الفضاء العام، لا موضوعًا للرعاية فقط؟
وهل يمكن أن نصل إلى لحظة تُلتقط فيها الصورة… دون أن يُقصى أحد منها؟
