تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

من مقعد المتفرج إلى خشبة المسرح: «المحطة» تحاور جمهور حمص

الخط

قدّم عرض «المحطة» في دير الآباء اليسوعيين بمدينة حمص تجربةً في المسرح التفاعلي، أتاحت للجمهور المشاركة في الحكايات والصعود إلى الخشبة لتجسيد مواقف بديلة ومحاولة تغيير مسار الأحداث. وجاء العرض ضمن مشروع «ورشة تلاقٍ: مساحة للحوار من خلال الفنون»، الذي أعدّته الفنانتان ديمة أباظة ورفيف الساجر، بهدف الخوض في مشكلات مجتمعية وفتح مساحة للنقاش من خلال الفن. يناقش المقال مفهوم المسرح التفاعلي وأبرز تقنياته، موضحًا دوره في كسر الجدار الرابع، وتحويل المشاهد من متلقٍ إلى مشارك في بناء الحكاية واختبار الحلول الممكنة. كما يتناول ثلاث حكايات شكّلت محور العرض، وطرحت قضايا تمس الحياة اليومية للسوريين. تتناول الحكاية الأولى فتاة تدرس الطب وتواجه خلافًا مع والدها بعدما عجز عن الوفاء بوعده بشراء عيادة لها بسبب تداعيات الحرب السورية، ما يدفعها إلى التفكير في ترك الجامعة. أما الحكاية الثانية، فتطرح قضية العنف المدرسي من خلال معلم يضرب طالبًا لاختلافه معه في طريقة حل مسألة رياضية، وتكشف النقاشات التي أثارتها عن تباين المواقف بين من يبررون العقاب الجسدي ومن يرفضونه، فضلًا عن التساؤلات المتعلقة بالعلاقة بين التربية والتعليم. وتتناول الحكاية الثالثة امرأة تتعرض للتحرش والتشهير من مديرها في العمل، ثم تواجه اتهامات زوجها لها بالخيانة، لتسلّط الضوء على تعدد أشكال الظلم الذي تتعرض له النساء. ويرى المقال أن أهمية المسرح التفاعلي لا تكمن في إشراك الجمهور فحسب، بل في تمكينه من مساءلة مواقفه وأحكامه المسبقة، وفهم تعقيدات الشخصيات وصراعاتها الاجتماعية والسياسية والدينية والتربوية. ويخلص إلى أن عودة هذا النوع من المسرح تعكس استعدادًا للمشاركة في تغيير الواقع، وتحويل الحوار إلى تجربة جماعية حية تتجاوز تبادل الآراء إلى اختبار إمكانات الفعل والتغيير.

منصة إرادة- عبد الكريم عمرين

نجح عرض مسرحية «المحطة» في حمص، الذي قُدِّم في دير الآباء اليسوعيين، في إثارة نقاشات مطوّلة مع الجمهور أثناء العرض، حتى اندمج حوار الجمهور مع حكايات العرض، بل تشجّع بعض المشاهدين على الصعود إلى الخشبة وأخذ دور إحدى الشخصيات في الحكايات الثلاث، محاولين أن تكون الحكاية حكايتهم، وأن يساهموا، بوصفهم شخصيات في الحكايات، في التصرف بطريقة مغايرة أو إضافة موقف أو أسلوب أو حجة، لإقناع الطرف المقابل، أو الشخصية التي كانت موضع نزاع أو اختلاف، أو السبب في تجسيد دراما حاول المشاهد حلّها.

وبهذا، نجحت رفيف الساجر وديمة أباظة، المشرفتان على صياغة الحكايات الثلاث بالتعاون مع الممثلين خلال ورشة عمل خاصة، في كسر الجدار الرابع في المسرح، فأصبحت منصة العرض صالةً، وصالة المشاهدين منصةً.

ونجح نص «المحطة»، بتأليفه الجماعي وتجسيده، في تحريك الراكد والنمطي في تقديم عروض أقرب إلى الكلاسيكية، من حيث التأليف والإخراج والتمثيل وبداية الطقس المسرحي ونهايته في كل عرض على حدة، وأن يكون منتميًا حقًا إلى المسرح التفاعلي، كما أرادت رفيف وديمة.

قدّمت العرض الفنانة ديمة أباظة، وتحدثت عن مشروع العدالة الانتقالية الذي نفذته بالتعاون مع «دولتي» وبدعم من «اتجاهات». لكن، بعد نشاطات متعددة، تقول: «اكتشفنا أننا بحاجة إلى الخوض في مشكلات مجتمعية، لذلك أقمنا هذا العرض المسرحي في حمص، تحت عنوان “ورشة تلاقٍ: مساحة للحوار من خلال الفنون”، وأسميناه “المحطة”».

أما شريكة ديمة أباظة الإبداعية، رفيف الساجر، ابنة مجدد المسرح السوري الراحل فواز الساجر، والمدرّسة في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، فقد تولّت دور الميسّرة، وأدارت الحوار مع الجمهور بعد كل حكاية من حكايات العرض المسرحي التفاعلي.

حين يصعد الجمهور إلى خشبة المسرح

لكن ما الذي يميّز المسرح التفاعلي عن غيره من أنواع المسرح؟ ومتى ظهر هذا المسرح؟ وما قواعده الفنية ومعاييره وهويته؟

عن أصول المسرح التفاعلي، يقول البعض إن هذا المسرح تأسّس على أيدي مسرحيين عالميين، منهم أوغستو بوال، الذي يُعدّ المؤسس الفعلي للمسرح التفاعلي الحديث من خلال «مسرح المقهورين»، وبريشت، بأفكاره حول كسر الجدار الرابع وتحفيز وعي المتفرج وجعله ناقدًا للأحداث بدلًا من الاندماج العاطفي فيها، وإرفين بيسكاتور، الذي أسهم في تطوير المسرح السياسي والتحفيزي.

وحقيقة الأمر أن مسرح بريشت وبيسكاتور وبوال ينتمي إلى المسرح السياسي تحديدًا، وقد خاطب جمهوره ليفهم ويعي الحقائق السياسية الراهنة، باستثناء بريشت، الذي أسّس لرؤية ومنهج جديدين كليًا، عُرفا باسم المسرح الملحمي.

أما أهم تقنيات المسرح التفاعلي وأشكاله، فيمكن القول إنه مسرح يعرض مشهدًا يمثّل مشكلة اجتماعية أو حالة قهر، وينتهي بنهاية سيئة. بعد ذلك، يُعاد المشهد، ويُتاح للجمهور إيقاف العرض والصعود إلى الخشبة لأخذ مكان الممثل ومحاولة تغيير مجرى الأحداث لإيجاد حل إيجابي.

وثمة شخصية «الجوكر»، التي تعمل ميسّرًا بين الممثلين والجمهور. والجوكر لا ينحاز إلى أي رأي ولا يتبنّاه، بل يدير النقاش ويوجّه الأسئلة إلى المشاهدين لتحفيزهم على المشاركة.

ثلاث حكايات تختبر مواقف المجتمع

الحكاية الأولى: حكاية فتاة ستتخرج طبيبةً قريبًا جدًا، وتريد من أبيها أن يشتري لها عيادة لتعمل فيها فور تخرجها، وتبني مستقبلها سريعًا. كان والدها قد وعدها بشراء عيادة لها فور تخرجها، لكن الحرب السورية حطّمت والدها ماديًا، فلم يعد باستطاعته تنفيذ وعده لابنته، ما أدى إلى تفجّر المشكلة، وانتهى الأمر بأن قررت الابنة ترك الجامعة.

عند مناقشة هذه الحكاية، دار نقاش واسع مع الجمهور، انتهى إلى أن آراء الجمهور انتصرت لموقف الوالد وأدانت موقف الفتاة.

الحكاية الثانية: حكاية الأستاذ الذي يلجأ إلى ضرب طالبه أثناء الدرس، لأن الطالب مجتهد ويتدخل لحل مسألة رياضية بطريقة مختلفة عن طريقة الأستاذ، فيضربه بالمسطرة على يديه، ما يستدعي تدخل أهل الطالب.

هذه الحكاية تحديدًا فتحت باب نقاش واسع مع الجمهور، وانقسم الجمهور إلى فئتين. الأولى تدعم بعض العنف في التعليم، انطلاقًا من أن المعلم، عندما يلجأ إلى ضرب الطالب، يفعل ذلك لمصلحته. واستشهدت هذه الفئة بتربيتها الكلاسيكية التي احتوت العنف، سواء في البيت أو المدرسة، ورأت أنه، رغم هذا العنف، كانت العلاقات أكثر انضباطًا واحترامًا وأخلاقيةً من العلاقات اليوم.

أما الفئة الثانية، فقد وقفت ضد العنف، انطلاقًا من أن الطالب يجب أن يُحترم، وأن على المعلم أن يصبر ويتعب مع الطالب ليصل إلى مرحلة الفهم وتحصيل العلوم بتفوق.

وجرى نقاش واسع حول مسألة ربط التربية بالتعليم أو فصلهما، وحول النظام التعليمي والتربوي الفاسد في القطاع التعليمي الحكومي، ونجاح هذا النظام في مدارس القطاع الخاص، ولماذا نجح القطاع الخاص في أن يكون طليعيًا في طرائق تدريسه، وجادًا في حرصه على تفوق طلابه وزرع المثل والقيم العليا في وجدانهم.

الحكاية الثالثة: حكاية امرأة محبة لزوجها وبيتها، لكن الغلاء يكاد يسرق عيشها الهانئ مع زوجها، فتطلب منه أن تعمل خارج البيت لتساعده في تحمّل تكاليف الحياة. وبعد جدل، وعلى مضض، يوافق الزوج على أن تعمل زوجته خارج المنزل محاسبةً مالية.

في العمل، تتعرض لضغوط وتحرش من قبل مديرها، وأمام رفضها، يلجأ مديرها إلى فضحها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بسبب خطأ ارتكبته. وهنا يثور الزوج ويخوّنها، وتأتي والدة الزوج لتزيد سعير جحيمها. فماذا تفعل؟ وماذا يفعل الزوج بعد أن وبّخها وكاد أن يفترق عنها؟

أيضًا، جرى نقاش واسع حول تفاصيل الحكاية ومواقف شخصياتها، وخلاصته أن هذه المرأة ظُلمت مرتين: الأولى بسبب تحرش مديرها ولجوئه إلى فعلين غير أخلاقيين؛ أولهما التحرش، وثانيهما التشهير بها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. أما الظلم الثاني، فقد نالته الزوجة من زوجها، الذي أرغى وأزبد واتهمها بخيانته لمجرد أنها لم تخبره بما فعله المدير.

الجمهور كجزء من الحكاية

إن أهم ما يجب ألا يغيب عن منتجي المسرح التفاعلي ومنفذيه هو السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا في أذهانهم: «لماذا يُمارَس هذا النوع من المسرح؟». والأهم هو التركيز على الوسائل الفنية والتقنية لإشراك الجمهور؛ فتفاعل الجمهور يهدف إلى إيصال رسالة إلى كل فرد منه مفادها: «انظر إلى القوة التي تمتلكها، وانظر إلى القدرة الإبداعية التي يمكنك أن تكون عليها، والآن انطلق إلى العالم وانخرط في هذا الشعور بالتمكين الذاتي والإبداع».

ورغم تفاعل الجمهور مع عرض مسرحية «المحطة» الجميل، والنقاش الغني والآراء التي تشابهت وأصابت حينًا أو تناقضت حينًا آخر، فإن هذه الآراء نسيت، أو تناست، أن طباع الشخصيات ومواقفها وثقافتها وصراعاتها تحمل طابعها الاجتماعي والسياسي والديني والتربوي، الذي لم نعتد بعد على تشريحه ومناقشته تاريخيًا وراهنًا. وما زلنا نقيم العقائد والشخصيات ونحاكمها كما يفعل القاضي وقاطع الطريق بروكست في الأسطورة اليونانية، ونطلق حكمًا واحدًا بتهور، فإما أن نقول: هذا مقدّس أو مدنّس.

أعتقد أن العودة إلى المسرح التفاعلي مؤشر قوي على استعداد الناس لتغيير عالمهم وصنعه، وأن العروض المسرحية، بوصفها المكان الأمثل لذلك، تُعدّ علامة بارزة على التطور المجتمعي. فقد قرّبتنا التكنولوجيا من بعضنا بعضًا من خلال توسيع الوعي وإتاحة المعلومات، وأوجدت رغبةً في أن يُترجم ذلك إلى تجربة مشتركة مع الجسد في مكان مادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *