تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

المفاضلة الجامعية 2026: توحيد إجراءات القبول لا يعني تكافؤ الفرص

الخط

شهدت المفاضلة الجامعية في سوريا لعام 2026 تغييرات إجرائية، أبرزها توحيد التسجيل الإلكتروني وإلغاء بعض مسارات القبول الاستثنائية المرتبطة بالخلفيات العسكرية والأمنية في عهد النظام السابق. لكن انتظام الإجراءات لا يعني بالضرورة تحقيق تكافؤ الفرص، في ظل استمرار قيود تحدد الاختصاصات المتاحة للطلاب وفق الجنس والإعاقة، إلى جانب تفاوت فرص القبول بين المناطق. وأصبح التقدم للمفاضلة يتطلب دفع 500 ليرة سورية جديدة، مع فرض الرسم نفسه عند تعديل الرغبات. وفي حين شملت المفاضلة طلاب محافظتي الحسكة وإدلب، استمرت الكوتا الجغرافية لأبناء دير الزور والحسكة والرقة، بهدف معالجة جانب من التفاوت في فرص الوصول إلى التعليم، وإن كانت كفايتها في مواجهة الفجوات التعليمية القائمة لا تزال موضع تساؤل. وحُصرت اختصاصات، بينها الهندسة البحرية وهندسة الطيران وبعض المعاهد التقنية والمهنية والإعلامية والكليات العسكرية والأمنية، بالذكور، فيما خُصصت اختصاصات أخرى، مثل القبالة ورياض الأطفال، للإناث. وترى المخرجة السينمائية زين خزام أن حرمان النساء من دراسة الإخراج الإذاعي والتلفزيوني يمثل «إقصاء وتهميشاً»، بينما تعتبر المحامية والناشطة رولا باش إمام أن هذه القيود تتعارض مع مبدأ المساواة في التعليم. ويواجه الطلاب من ذوي الإعاقة بدورهم قيوداً تحدد خياراتهم وفق نوع الإعاقة ودرجتها والمعايير الطبية المعتمدة. وتشمل بعض المسارات سقفاً لا يتجاوز خمسة مقاعد في الاختصاص الواحد ضمن التعليم المفتوح، إلى جانب تخفيضات في الرسوم تصل إلى 80% في هذا المسار. وتكشف حالة الطالب الكفيف المتفوق محمد عبد المنعم إبراهيم، الذي يرغب في دراسة البرمجة وهندسة الحاسوب رغم حصوله على شهادة أدبية، حدود هذه الخيارات. فبحسب طالب هندسة الاتصالات كميت إسماعيل، لا يتيح التطبيق له التسجيل في الاختصاص الذي يريده ضمن المسار المتاح له. وبين توحيد الإجراءات واستمرار القيود، يبقى السؤال: هل تُصمم شروط القبول لتقييم قدرات الطلاب، أم تحدد مسبقاً ما يمكنهم دراسته؟

منصة إرادة- مياس سلمان

من إغلاق بعض الاختصاصات أمام النساء إلى تقييد خيارات الطلاب ذوي الإعاقة، مروراً بالقيود الطبية والكوتا الجغرافية، تكشف شروط القبول الجامعي عن فجوة عميقة بين تنظيم إجراءات المفاضلة وضمان الحق الأساسي للطلاب في اختيار مسارهم التعليمي.

شهدت المفاضلة الجامعية في سوريا لعام 2026 تحولات لافتة في آليات التسجيل والقبول؛ إذ تم توحيد الإجراءات عبر منصة إلكترونية واحدة، وأُلغيت بعض الامتيازات الاستثنائية التي كانت سائدة في مراحل سابقة. غير أن هذه التحديثات الإدارية لم تحسم النقاش حول عدالة الوصول إلى التعليم العالي. فبينما يتنافس الطلاب وفق معدلاتهم، تفرض شروط أخرى حدوداً صارمة على خياراتهم: تُحرم النساء من التقدم لفروع معينة، ويواجه الطلاب من ذوي الإعاقة شبكة معقدة من التصنيفات والقيود الطبية، وتُستحدث رسوم مالية على التسجيل وتعديل الرغبات، إلى جانب إبقاء مسارات خاصة مثل الكوتا الجغرافية.

المسألة إذن تتجاوز حدود المعدلات ودرجات القبول، لتلامس المعايير الخفية التي تحدد من يحق له دراسة ما، وما إذا كانت تلك المعايير تستند إلى متطلبات أكاديمية دقيقة، أم تعيد إنتاج حواجز مسبقة مرتبطة بالجنس أو الإعاقة أو الجغرافيا.

تنظيم إلكتروني ورسوم جديدة على خطى التسجيل

جاءت مفاضلة عام 2026 بإجراءات إلكترونية موحدة، أتاحت للطلاب تقديم طلباتهم عبر منصة رقمية تشمل مسارات القبول في التعليم العام والموازي والافتراضي. كما أُلغيت بعض الامتيازات ومسارات القبول الاستثنائية المرتبطة بالخلفيات العسكرية والأمنية، مثل مفاضلة «أبناء الشهداء» فيما أبقت على المفاضلة الخاصة بأبناء أعضاء الهيئة التدريسية.

وفي حين قد تشير هذه التغييرات إلى الحد من تعدد المسارات الاستثنائية والبيروقراطية. لكنها لا تكفي لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية الذي تضمنه الدولة امواطنيها، إذ يتوقف ذلك أيضاً على طبيعة الشروط التي تحكم المنافسة، والاختصاصات المتاحة لكل فئة، وإمكانية مراجعة القرارات التي تحد من خيارات الطلاب.

ومن المفيد ذكر أن التقدم للمفاضلة لم يعد خدمة مجانية كما كان سابقاً. وأصبح على الطالب دفع 500 ليرة سورية عبر وسائل الدفع الإلكتروني مقابل كل طلب تسجيل أو تعديل للرغبات. ويبدو هذا الشرط مكلفاً أكثر في ظل إقرار وزارة التعليم العالي بنهائية النتائج وغياب مفاضلة عامة ثانية؛ مما يعني أن أي خطأ أو حاجة ملحة لإعادة ترتيب الرغبات ستكلف الطالب مادياً، وتضع عوائق إضافية أمام الأسر التي تعاني من ضغوط اقتصادية.

اختصاصات مغلقة أمام النساء: أين تنتهي الضرورات التنظيمية؟

أثار تخصيص عدد من الاختصاصات الجامعية للذكور حصراً، وحرمان النساء من التقدم إليها، نقاشاً مجتمعياً واسعاً.

وشملت الاختصاصات المحصورة بالذكور، الكليات العسكرية والأمنية الجديدة (كالجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية، والكلية الأمنية، وكلية الدفاع)، إضافة إلى معهد الخطوط الحديدية في حلب، ومعاهد النفط والغاز في حمص ودير الزور وبانياس وهذا الحظر كان موجودا في المفاضلات السابقة، إلى جانب معهد الإخراج الإذاعي والتلفزيوني في إدلب. وفي المقابل، حُصرت تخصصات أخرى بالإناث مثل رياض الأطفال والتمريض والقبالة.

وتطرح هذه القيود سؤالاً عن أساس التمييز بين الاختصاصات: هل تستند إلى متطلبات مهنية محددة يمكن تقييمها لدى كل متقدم على حدة، أم إلى تصورات مسبقة عن المجالات المناسبة للنساء والرجال؟ وهل تمثل امتداداً للوائح سابقة، أم تعكس توجهاً ايديولوجيا في حصر بعض المهن بالرجال؟ لكن يكفي تتبع الجدل الواسع في منصات التواصل الاجتماعي لمعرفة مدى حساسييتها.

وتقول المخرجة السينمائية زين خزام، لمنصة إرادة، تعليقاً على حرمان النساء من دخول معهد الإخراج الإذاعي والتلفزيوني:

«برأيي الشخصي، هذا إقصاء وتهميش وغباء صراحة. في جميع دول العالم، يعملون على تعزيز دور المرأة في هذه الفروع، ويفسحون لها المجال للتعبير عن رأيها وترك بصمتها، بينما هنا، وبهكذا قرارات، يتم إغلاق الأبواب في وجهها ومنعها حتى من العلم، وهذا مخالف لحق من حقوق الإنسان، وهو حق التعليم. لا أحد يحق له تحديد ما المجالات المناسبة للمرأة والمناسبة للرجل، وخاصة بعد كل ما حصل في سوريا، وخاصة أن دور المرأة في سوريا كان كبيراً جداً في سنوات الحرب، عندما مرض الرجال وسُجنوا وماتوا أو هربوا».

وترى المحامية رولا باش إمام، الناشطة المجتمعية المناصرة للنساء، والتي اختيرت مؤخراً من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية ضمن لجنة مصغرة لإعداد مسودة قانون المنظمات غير الحكومية، أن هذه القيود تتعارض مع مبدأ المساواة في التعليم.

وتقول لمنصة إرادة: «إن حرمان النساء من بعض فروع الجامعة مخالف للإعلان الدستوري، فمن أهم قواعد المساواة التي نص عليها الإعلان الدستوري المساواة في التعليم، وحرمان النساء مخالف لمبدأ المساواة».

وتضيف أن حملة دعم ومناصرة يقودها بعض الناشطين والمنظمات تهدف إلى حث الجهات الحكومية على التراجع عن القرار، لكن هذه الجهود لم تسفر، حتى الآن، عن التراجع عنه.

ذوو الإعاقة.. حين تحدد اللجنة الطبية حدود الاختيار

لا تقتصر القيود على الجندر، بل تمتد لتواجه الطلاب من ذوي الإعاقة، ولا توجد مفاضلة مستقلة واحدة خاصة بهم، لكن لديهم مسار إضافي يبدأ بإجراء فحص طبي أمام لجنة مشكلة في المركز المحدد بكل محافظة، تتولى تحديد نوع الإعاقة ودرجتها ونسبتها وفق المعايير المعتمدة.

بعد ذلك، يراجع الطالب أحد مراكز الدعم التي حددتها الوزارة لاستكمال إجراءات التقدم، حيث يتولى الموظف المختص تحميل الوثائق المطلوبة إلكترونياً على التطبيق. ولا يُعفى الطلاب من ذوي الإعاقة من رسم التسجيل البالغ 500 ليرة سورية جديدة.

لكن المسألة الأهم تتعلق بالخيارات المتاحة أمامهم. ففي بعض المسارات، تقتصر الاختصاصات على فروع محددة، وفق نوع الإعاقة ودرجتها والفرع الدراسي الذي حصل الطالب على شهادته الثانوية فيه.

وتتضمن الشروط حدوداً طبية تختلف باختلاف البرامج؛ ففي بعض البرامج الاقتصادية والتجارية، يُشترط ألا تتجاوز نسبة الإعاقة السمعية 50% أو البصرية 30%، فيما تُفرض اشتراطات وظيفية محددة على بعض حالات الإعاقة الحركية. وتُستخدم هذه المعايير لتحديد أهلية الطالب للتقدم إلى الاختصاصات المعنية.

كما تضع برامج التعليم المفتوح سقفاً ضيقاً لا يتجاوز خمسة مقبولين من ذوي الإعاقة في الاختصاص الواحد. ومع أن بعض المسارات تقدم تخفيضات في الرسوم تصل إلى 80%، إلا أنها تبدو حلاً مالياً جزئياً لا يعالج جوهر الأزمة المتمثل في حرمان الطالب من اختيار اختصاصه بناءً على طاقته الاستيعابية وقدراته الأكاديمية لا تصنيف إعاقته.

تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في قصة الطالب الكفيف محمد عبد المنعم إبراهيم، أحد المتفوقين في الشهادة الثانوية العامة، والذي كُرم وطنياًّ وأعرب عن رغبته الصادقة في دراسة البرمجة وهندسة الحاسوب.

لكن تطبيق المفاضلة الإلكتروني أغلق الباب أمامه تماماً؛ فبمجرد إدخال بيانات شهادته الثانوية وتقرير إعاقته، ستقتصر الخيارات المتاحة أمامه على تخصصات ضيقة محددة مسبقاً للفرع الأدبي لذوي الإعاقة، ودون أي اعتبار لطموحه الشخصي أو استعداده الفعلي. ومثل هذه الحالات تضع الطلاب أمام طريق مسدود لا يمنحهم سوى خوض معارك بيروقراطية استثنائية للحصول على استثناءات فردية غير مضمونة.

الكوتا الجغرافية: معالجة أم ترقيع للفجوات؟

أبقت مفاضلة 2026 على كوتا جغرافية لأبناء محافظات دير الزور والحسكة والرقة، بهدف تعويض التفاوت الكبير في البنى التحتية التعليمية وظروف الحرب التي عانت منها تلك المناطق. تمنح هذه الكوتا حدوداً دنيا مخفضة للقبول، تيسيراً لدخول أبناء تلك المناطق إلى الجامعات وتأهيلهم لخدمة مجتمعاتهم.

مع ذلك، تبقى هذه التدابير جزئية ولا تعالج جذور المشكلة؛ فالعدالة التعليمية لا تقف عند حدود القبول الجامعي، بل تبدأ من جودة المدارس، وتوافر المعلمين، والاستقرار المعيشي على مدار سنوات الدراسة المدرسية. ومن هنا، تبدو الكوتا خطوة تخفيفية وليست حلاً شاملاً لفجوة حقيقية تتطلب سياسات تنموية وتعليمية بعيدة المدى.

بين الاستمرارية والتغيير..

تضع مفاضلة عام 2026 الجهات المعنية أمام أسئلة تتجاوز التنظيم الإداري. فإلغاء بعض الامتيازات الاستثنائية وتوحيد إجراءات التسجيل يمثلان تغييراً في طريقة إدارة القبول، لكن استمرار بعض القيود يثير تساؤلات عن مدى تغير المعايير التي تحكم الوصول إلى الاختصاصات الجامعية.

فهل تعكس القيود المفروضة على بعض الفروع توجهاً اجتماعياً محافظاً يعيد توزيع المجالات المهنية وفق تصورات تقليدية عن أدوار النساء والرجال؟ أم أنها استمرار للوائح إدارية سابقة، ترتبط بمتطلبات مهنية أو تشغيلية؟ أم أن القرارات تجمع بين اعتبارات مختلفة، تتفاوت من اختصاص إلى آخر؟

وصحيح أن حرمان النساء من بعض الاختصاصات استحوذ على جانب كبير من النقاش العام، بينما لم تحظَ القيود المفروضة على الطلاب ذوي الإعاقة والكوتا الجغرافية بالاهتمام نفسه. لكن اختلاف حجم التغطية لا يعني أن أثر هذه القيود أقل أهمية بالنسبة إلى الطلاب المتأثرين بها.

وتلتقي هذه القضايا عند نقطة واحدة: من يضع شروط الوصول إلى التعليم الجامعي، وعلى أي أساس؟ وهل تُصمم هذه الشروط لتقييم استعداد الطلاب وقدراتهم، أم تتحول إلى حواجز تحدد مسبقاً ما يمكن لفئات منهم أن تطمح إليه؟

لا يعني تحقيق العدالة في القبول إلغاء جميع الشروط أو تجاهل المتطلبات الأكاديمية والمهنية لكل اختصاص. لكنه يقتضي أن تكون الشروط واضحة ومعلنة ومبررة، وأن تتناسب مع متطلبات الدراسة، وألا تقوم على استبعاد جماعي حين يكون التقييم الفردي ممكناً. كما يقتضي توفير آليات للاعتراض والمراجعة، وضمان الترتيبات التيسيرية اللازمة للطلاب ذوي الإعاقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *