تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

بين الخوف وكلفة الطريق… لماذا تؤجّل نساء سوريات فحص سرطان الثدي؟

الخط

يسلّط التقرير الضوء على الأسباب التي تدفع نساء سوريات إلى تأجيل الكشف المبكر عن سرطان الثدي، من الخوف من معرفة النتيجة وغياب الأعراض، إلى الأعباء الاقتصادية وصعوبات المواصلات والوصول إلى المراكز الصحية. ومن خلال شهادات نساء التقت بهن «إرادة»، ورأي الطبيبة النسائية إيسال الحسن، يناقش التقرير أهمية الكشف المبكر، ويؤكد أن تشجيع النساء على الفحص لا يقتصر على التوعية، بل يتطلب أيضًا إزالة العوائق النفسية والمادية وضمان وصولهن إلى خدمات صحية ميسّرة.

الخوف من اكتشاف المرض، وغياب الأعراض، وتكاليف المواصلات، وصعوبة الوصول إلى المراكز الصحية… أسباب مختلفة تجعل الكشف المبكر عن سرطان الثدي خطوة مؤجّلة لدى كثير من النساء في سوريا، رغم أهميته في تحسين فرص العلاج.

في شوارع سوريا، يبدو السؤال بسيطاً: هل سبق أن أجريتِ فحصًا للكشف المبكر عن سرطان الثدي؟ لكن الإجابات التي رصدتها كاميرا «إرادة» تكشف أن المسألة أكثر تعقيداً من مجرد قرار بالذهاب إلى الطبيب.

بعض النساء اعتدن إجراء الفحوص، وأخريات لم يسبق لهن الخضوع لها. وتتداخل في الإجابات المخاوف الشخصية مع مفاهيم غير دقيقة حول ضرورة الفحص، فيما تُضاف إليها تحديات الحياة اليومية التي تجعل الاهتمام بالصحة يتراجع أمام احتياجات أكثر إلحاحاً.

فلماذا تؤجّل نساء سوريات إجراء فحص الماموغرام؟ وهل يعود ذلك إلى نقص الوعي وحده، أم أن الظروف المعيشية والخدمات الصحية المتاحة تلعب دوراً لا يقل أهمية؟

 الخوف من النتيجة… حين يصبح الاطمئنان مصدر قلق

تكشف اللقاءات التي أجرتها «إرادة» مع عدد من السيدات أن الخوف يشكّل أحد الجوانب التي تستحق التوقف عندها عند الحديث عن الكشف المبكر.

فبالنسبة إلى بعض النساء، قد يرتبط الفحص باحتمال سماع خبر يغيّر حياتهن، وما قد يتبعه من علاج طويل وأعباء نفسية ومادية تقع عليهن وعلى أسرهن.

وقد يدفع هذا القلق المرأة إلى تأجيل الفحص، حتى عندما تدرك أهميته. وفي المقابل، قد يمنح غياب الألم أو أي تغيّر ملحوظ في الثدي شعوراً بالاطمئنان، فتعتقد أنها ليست بحاجة إلى مراجعة الطبيب.

لكن غياب الأعراض لا يعني بالضرورة غياب المرض، فالكشف المبكر يهدف إلى اكتشاف تغيرات قد تكون صغيرة جداً بحيث لا تشعر بها المرأة.

 هل المشكلة في الوعي أم في القدرة على الوصول؟

لا يمكن فصل سلوك النساء الصحي عن الواقع الاقتصادي الذي تعيشه الأسر السورية، بعد سنوات من الأزمات التي أثّرت في الدخل والخدمات الصحية ووسائل النقل.

فحتى عندما تكون تكلفة الفحص مغطاة، قد تبقى أجور المواصلات والمسافات الطويلة والحاجة إلى التغيب عن العمل أو ترتيب رعاية الأطفال عقبات حقيقية.

وتزداد هذه الصعوبات بالنسبة إلى النساء في المناطق الريفية والبعيدة عن المراكز الطبية، ولدى بعض النساء ذوات الإعاقة اللواتي يحتجن إلى وسائل نقل مهيأة أو تسهيلات إضافية للوصول إلى الخدمات.

وليست هذه العوائق مجرد افتراضات، إذ أشار تقرير نشرته وكالة «سانا» في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026 إلى أن بُعد المراكز الصحية وتكاليف التنقل ونقص التوعية تحدّ من وصول النساء إلى خدمات الكشف المبكر في محافظة حلب، على الرغم من توفر خدمات مجانية.

وهذا يعني أن توفير أجهزة الماموغرام وحده لا يكفي. فنجاح برامج الكشف المبكر يتطلب أن تعرف النساء أماكن المراكز، وأن يتمكنّ من الوصول إليها، وأن تتوفر لهن المعلومات والمتابعة الطبية اللازمة.

 مفاهيم قد تؤخّر اتخاذ القرار

إلى جانب الظروف المعيشية، تؤثر بعض الأفكار الشائعة في موقف النساء من الفحص، مثل الاعتقاد بأن الماموغرام ضروري فقط عند ظهور كتلة أو ألم، أو أن الفحص نفسه مؤلم إلى درجة تستدعي تجنّبه.

والماموغرام هو تصوير شعاعي للثدي يساعد في اكتشاف تغيرات قد لا تظهر بالفحص اليدوي. وقد يسبب ضغط الثدي أثناء التصوير انزعاجاً أو ألماً مؤقتاً لدى بعض النساء، لكنه يستغرق وقتاً قصيراً.

كما أن ملاحظة الثدي والتعرف إلى أي تغيّرات غير معتادة فيه أمر مهم، لكنها لا تُغني عن الفحوص الطبية المناسبة بحسب العمر وعوامل الخطورة وتوصية الطبيب.

 الطبيبة إيسال الحسن: الانتباه المبكر جزء أساسي من مواجهة المرض

في الجزء الطبي من فيديو «إرادة»، تؤكد الطبيبة النسائية إيسال الحسن أهمية الفحص الدوري والانتباه المبكر إلى التغيرات التي قد تصيب الثدي.

وتتحدث الحسن عن عوامل ترتبط بارتفاع احتمال الإصابة بسرطان الثدي، من بينها التقدم في العمر والتاريخ العائلي، مشيرة إلى أهمية الانتباه إلى الكتل الصغيرة والتغيرات الأولية التي يمكن اكتشافها في مراحل مبكرة.

وتبرز أهمية ما توضحه الطبيبة في أن الكشف المبكر لا يقتصر على البحث عن مرض ظهرت أعراضه بالفعل، وإنما يهدف إلى اكتشاف تغيرات قبل تطورها أو وصولها إلى مراحل أكثر تقدماً.

فالتشخيص المبكر يساعد على توسيع الخيارات العلاجية، ويزيد فرص نجاح العلاج، لكنه لا يعني أن كل نتيجة غير طبيعية في الفحص تشير بالضرورة إلى الإصابة بالسرطان، إذ قد تتطلب بعض النتائج فحوصاً إضافية لتحديد طبيعتها.

الفحص المجاني خطوة مهمة… لكنها ليست كافية وحدها

خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلنت وزارة الصحة السورية توفير فحوص الماموغرام مجاناً في أكثر من 30 مركزاً ومشفى تابعاً لها، دون الحاجة إلى حجز مسبق، مع الإعلان عن استمرار الخدمة طوال العام.

وتوفر هذه الخطوة فرصة لتجاوز أحد العوائق المتعلقة بكلفة الفحص، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً عن مدى قدرة النساء، ولا سيما في الأرياف والمناطق البعيدة، على الاستفادة الفعلية من هذه الخدمات.

فالتوعية لا تكتمل بمجرد دعوة النساء إلى الكشف، بل تحتاج أيضًا إلى نشر عناوين المراكز وساعات عملها، وتوضيح الخدمات المتاحة، وآليات الإحالة والمتابعة في حال ظهور نتائج تستدعي استكمال الفحوص.

كما أن تشجيع النساء على الكشف ينبغي أن يراعي المخاوف النفسية والاجتماعية، وأن يوفر مساحة لطرح الأسئلة والحصول على معلومات واضحة تحترم خصوصيتهن وحقهن في اتخاذ قرارات صحية مبنية على المعرفة.

 حين لا يكون التأجيل خياراً حراً

تكشف شهادات النساء التي نقلتها «إرادة» أن الحديث عن الكشف المبكر يتجاوز المسؤولية الفردية. فقرار إجراء الفحص يتأثر بالمعرفة والخوف والقدرة المالية وسهولة الوصول إلى الخدمات.

وبين امرأة تخشى معرفة النتيجة، وأخرى لا ترى ضرورة للفحص ما دامت لا تشعر بأعراض، وثالثة قد تجد صعوبة في الوصول إلى مركز صحي، تتعدد أسباب التأجيل، لكن الحاجة إلى التوعية والخدمات الصحية الميسّرة تبقى مشتركة.

لذلك، فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على: لماذا لا تذهب النساء لإجراء الماموغرام؟

بل يجب أن يمتد إلى سؤال آخر: ما الذي نحتاج إلى تغييره حتى يصبح الكشف المبكر متاحاُ ومفهوماً وممكناً لكل امرأة في سوريا؟

فالكشف المبكر لا يبدأ عند جهاز الماموغرام وحده، بل يبدأ أيضاً بإزالة الخوف، وتصحيح المعلومات، وتذليل العوائق التي تحول بين النساء وحقهن في الرعاية الصحية.

السؤال لا ينبغي أن يقتصر على: لماذا لا تذهب النساء لإجراء الماموغرام؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال آخر: ما الذي نحتاج إلى تغييره حتى يصبح الكشف المبكر متاحاُ ومفهوماً وممكناً لكل امرأة في سوريا؟ فالكشف المبكر لا يبدأ عند جهاز الماموغرام وحده، بل يبدأ أيضاً بإزالة الخوف، وتصحيح المعلومات، وتذليل العوائق التي تحول بين النساء وحقهن في الرعاية الصحية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *