في منطقة عيّاش على أطراف مدينة دير الزور، أُغلق معهد الرعاية الاجتماعية منذ سقوط نظام بشار الأسد، بعدما كان أحد المراكز القليلة التي تقدّم خدمات تعليمية وتأهيلية للأطفال ذوي الإعاقة، من الصمّ والبكم إلى أطفال التوحّد ومتلازمة داون. المبنى، الذي تحوّل إلى نقطة عسكرية تتبع للفرقة 66 في وزارة الدفاع، ترك 45 طفلاً كانوا يرتادونه بلا بديل، بعدما كان يوفر لهم التعليم، والدعم السلوكي، وخدمة النقل المجاني عبر باصين مع مرافقين. مصدر في إدارة المعهد يؤكد أنه لا توجد أي خطة رسمية لافتتاح مقر جديد أو لاستيعاب الأطفال في مؤسسات بديلة، بينما تمّ توجيه الكادر التدريسي إلى مبنى الشؤون الاجتماعية والعمل بشكل مؤقت. لاحقاً، تلقّى المعلمون قراراً من الرقابة والتفتيش في مديرية التربية يقضي بضرورة تقديم انفكاك من الشؤون الاجتماعية والالتحاق بمديرية التربية، مع إلزامهم بإعادة مبالغ “بدل طبيعة العمل” التي تقاضوها على مدى خمس سنوات، وهو قرار أثار استياءً كبيراً بينهم، خاصة أنه يشمل أيضاً معلمي معهد النور للمكفوفين. الأثر الأكبر ظهر لدى العائلات. فبالنسبة لأم محمد، والدة طفل من أطفال التوحّد، كان دوام معهد الرعاية جزءاً من العلاج السلوكي لابنها، وفقدان الروتين اليومي أدى إلى نوبات غضب وتشتت شديدين. وتقول إن خدمات المعهد لم تكن مثالية، لكنها كانت الأساس الوحيد الذي يساعدها في متابعة تعليم ابنها، وإن إغلاقه جعلها تواجه المهمة وحدها دون أي دعم متخصص. من جهة أخرى، عبّرت والدة شابة من الصمّ والبكم تبلغ 17 عاماً عن غضبها مما وصفته بالإهمال الممنهج تجاه هذه الفئة في دير الزور، معتبرة أن إغلاق المعهد يعمّق التهميش الذي يعاني منه أطفال الصمّ والبكم، الذين لا تتوفر لهم أصلاً خيارات تعليمية بديلة. يمثل إغلاق المعهد فراغاً مؤسسياً واضحاً في تقديم خدمات الإعاقة في دير الزور، ويترك عشرات الأسر دون دعم، ومعلمين دون استقرار، وأطفالاً تُركوا خارج أي منظومة تعليمية أو رعاية متخصصة.
منصة إرادة- شيماء شريف:
على أطراف مدينة دير الزور، وتحديداً في منطقة عيّاش، يقف معهد الرعاية الاجتماعية مغلقاً منذ سقوط نظام بشار الأسد، بعدما كان لسنوات أحد المراكز القليلة المخصّصة لتعليم ورعاية الأطفال ذوي الإعاقة. المبنى، الذي كان يستقبل أطفال الصمّ والبكم، والتوحّد، ومتلازمة داون، تحوّل اليوم إلى نقطة عسكرية للفرقة 66 التابعة لوزارة الدفاع، تاركاً خلفه عشرات الأطفال بلا خدمات، ومعلمين بلا استقرار وظيفي، وأهالٍ يواجهون وحدهم تداعيات فقدان المركز.
مؤسسة مغلقة دون بديل
مصدر في إدارة المعهد – فضّل عدم الكشف عن اسمه – يؤكد أن المعهد أُغلق بالكامل منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام، وإنه لا توجد حتى الآن أي خطة لنقل خدماته أو افتتاح مقرّ بديل.
حتى الشهر الثاني عشر من العام الماضي، كان المعهد يستقبل نحو 45 طفلاً، من بينهم 15 من ذوي الإعاقة السمعية والنطقية، و30 طفلاً من الإعاقات الذهنية، بما يشمل التخلّف العقلي البسيط، التوحّد، ومتلازمة داون.
المعهد، الذي كان يستقبل الأطفال حتى سن الرابعة عشرة، قدّم على مدى سنوات خدمة النقل المجاني عبر باصين مزوّدين بمرافقين، وهي خدمة أساسية لكثير من الأسر التي لا تملك القدرة على تأمين مواصلات خاصة.
أطفال في المنازل… وكادر موزّع بين مؤسسات مختلفة
مع إغلاق المعهد، عاد جميع الطلاب إلى منازلهم بلا تعليم بديل، بينما تمّ توجيه الكادر التدريسي مؤقتاً إلى مبنى الشؤون الاجتماعية والعمل. وبعد أشهر، تلقّى المعلمون قراراً من جهاز الرقابة والتفتيش في مديرية تربية دير الزور يقضي بضرورة تقديم انفكاك من الشؤون الاجتماعية والعمل والالتحاق بمديرية التربية.
لكن القرار لم يقف عند هذا الحد؛ فقد طُلب من المعلمين إعادة مبالغ “بدل طبيعة العمل” التي تقاضوها على مدى خمس سنوات. المبالغ التي صُرفت لهم كجزء من رواتبهم الشهرية تُطالبهم المديرية اليوم بتسديدها دفعة واحدة، وهو ما أثار استياءً واسعاً بين الكوادر، خاصة أن القرار يشمل أيضاً معلمي معهد النور للمكفوفين.
أسر تتحمل وحدها تبعات الانقطاع
تقول أم محمد، والدة طفل من أطفال التوحّد يبلغ العاشرة من عمره، إن المركز لم يكن مجرد مكان للتعليم، بل جزءاً من العلاج السلوكي لابنها الذي يحتاج إلى روتين مستقر.
وتوضح:
“فقدان الدوام فجأة سبّب لابني نوبات غضب وتشوش. المعلمة كانت تساعدني في التعامل معه، واليوم أنا وحدي. توقّعنا بعد سقوط النظام أن تتحسن أوضاع أطفالنا، لكن ما حصل هو العكس.”
ورغم بُعد موقع المعهد عن منزلها في حي القصور، ترى الأم أنّ الخدمات التي كان يقدمها – رغم بساطتها – لم تعُد قابلة للتعويض اليوم.
كادر يعمل تحت ضغط القرارات الإدارية
من جانبها، تقول ريم العيسى (اسم مستعار)، وهي معلمة سابقة في معهد الرعاية الاجتماعية، إن القرار بإعادة “بدل طبيعة العمل” شكّل صدمة للمعلمين الذين عملوا لسنوات في بيئة تتطلب جهداً مضاعفاً.
وتضيف:
“نُبلغ بأن المعهد صار نقطة عسكرية، ثم نُطلب للانتقال إلى التربية، ثم يطالبوننا بإعادة مبالغ تقاضيناها كرواتب. هذا يشبه العقاب، لا التقدير.”
وتشير إلى أن تدريس الأطفال ذوي الإعاقة يحتاج خبرة خاصة وبذلاً كبيراً في تكييف المناهج وتقديم الإرشاد والدعم للعائلات، وهي خبرة مهددة اليوم بالضياع.
الصمّ والبكم… الفئة الأكثر تهميشاً
خلال إعداد التقرير، التقت مراسلة “الإرادة” بوالدة فتاة من فئة الصمّ والبكم تبلغ 17 عاماً. الشابة كانت ممن حُرموا من خدمات المعهد منذ سنوات بسبب بلوغها سنّ 14، السنّ الأقصى المسموح للالتحاق.
رفضت الأم الحديث بشكل موسّع أو ذكر اسمها، وكانت في حالة غضب شديد مما وصفته بـ “الإهمال الممنهج” تجاه فئة الصمّ والبكم.
وقالت إنّ إغلاق المعهد يعكس “إنكاراً لوجود هذه الشريحة أصلاً”، معتبرة أن ظروفهم أسوأ من باقي الإعاقات في المحافظة.
فراغ مؤسسي… ومصير مجهول
يمثّل إغلاق معهد الرعاية الاجتماعية خسارة واضحة للبنية التعليمية الخاصة بذوي الإعاقة في دير الزور، خصوصاً مع غياب البدائل، وعدم وجود خطط رسمية لتعويض الخدمات التي كان يوفرها.
فالنتيجة اليوم:
أطفال بلا تعليم وبلا دعم سلوكي، أسر تتحمل العبء وحدها، ومعلمون مهددون بالمساءلة المالية بدلاً من الاستفادة من خبرتهم المتراكمة.
في ظل هذه الظروف، يبقى السؤال مفتوحاً حول مصير الأطفال الذين فقدوا مركزهم الوحيد، ودور الجهات المحلية في حماية حقهم في التعليم والرعاية.
