الإرادة

معضمية الشام… الفجر الذي تحول إلى موت

الخط

ملخص المحتوى:

في ٢١ آب ٢٠١٣ استيقظت معضمية الشام على واحدة من أبشع المجازر في سوريا، حين سقطت صواريخ محمّلة بغاز السارين على أحيائها فحصدت أرواح عشرات الشهداء (بين ٨٠ و١٣٠) وأصابت المئات بحالات اختناق، ضمن هجوم أوسع على الغوطتين أسفر عن مقتل أكثر من ١٤٠٠ مدني. رغم تقارير الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي أكدت أن النظام السوري هو من نفّذ الهجوم بشكل مخطّط ومنظم، ظلّ النظام ينكر مسؤوليته ويصف المجزرة بأنها “فبركة”. أما المجتمع الدولي، فشل في محاسبة الجناة بسبب تضارب المصالح واستخدام روسيا والصين الفيتو في مجلس الأمن. وبعد ١٢ عامًا، تبقى العدالة غائبة، فيما يعيش الأهالي بين ذاكرة الصرخات والخذلان، منتظرين يومًا يُحاسَب فيه مرتكبو مجازر الكيماوي بحق المدنيين.

ماريا قيومجيان

في الحادي والعشرين من آب 2013، لم يأتِ الفجر على معضمية الشام بضياء جديد، بل حمل معه صمتًا قاتلاً ورائحة خانقة خيمت على الأحياء. استيقظ الأهالي على الموت يتسرب إلى بيوتهم بلا دماء، بلا أصوات رصاص، وإنما عبر غاز السارين الذي خطف الأرواح بصمت مرعب.

ورغم مرور اثني عشر عاماً، ما زال الألم حيّاً في قلوب الناجين وأهالي الضحايا. صرخات المختنقين ما زالت تتردد في ذاكرة المدينة، حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، شاهدة على جريمة لم تُمحَ من الذاكرة ولم يُحاسب مرتكبوها.

مجزرة الكيماوي… جريمة لإخضاع مدينة محاصرة

مع طلوع الفجر، سقطت الصواريخ المحملة بغاز السارين على أحياء معضمية الشام. تقارير الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أوضحت أن الهجوم وقع في ساعات الصباح الأولى، حين يكون الهواء ساكناً ودرجات الحرارة منخفضة، مما جعل الغازات القاتلة تبقى قريبة من الأرض وتضاعف أثرها المميت.

وفقًا للمنظمات الحقوقية، ارتقى ما بين 80 و130 شهيداً في معضمية الشام وحدها، وأصيب المئات بحالات اختناق. لكن المأساة لم تتوقف هنا؛ فقد كان الهجوم جزءاً من حملة أوسع على الغوطة الشرقية، حيث قُتل أكثر من 1400 مدني في اليوم ذاته.

لم يكن الهدف القتل فقط، بل كسر إرادة مدينة محاصرة منذ عام 2012، وإجبار سكانها على الاستسلام. كانت رسالة واضحة من النظام: لا خطوط حمراء، حتى لو كان السلاح المستخدم محرّماً دولياً.

إنكار الجريمة وتزييف الحقيقة

على الرغم من الأدلة التي جمعتها لجان التحقيق الدولية، ومن بينها عينات ميدانية وتحاليل علمية، أصرّ النظام السوري على إنكار مسؤوليته عن المجزرة. وصفها بشار الأسد وحكومته بأنها “فبركة” أو “مسرحية” دبّرتها المعارضة لتشويه صورته أمام العالم.

لكن تقارير الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن الهجوم كان مخططاً ومنظماً، وأن غاز السارين هو السلاح المستخدم، وأن مصدره قوات النظام. ومع ذلك، بقي النظام متمسكاً برواية الإنكار، متذرعًا بما أسماه “الدفاع عن النفس ضد الإرهاب”.

غياب العدالة… بين الفيتو والسياسة

يبقى السؤال المؤلم: لماذا لم يُحاسب الجناة حتى اليوم؟
الإجابة تكمن في تشابك المصالح الدولية. فبينما أثار الهجوم غضباً عالمياً، عجز مجلس الأمن عن اتخاذ موقف حاسم بسبب استخدام روسيا والصين حق النقض (الفيتو) لمنع أي إدانة أو عقوبات فعلية. هكذا، حُجب ميزان العدالة، وبقي المجرمون أحراراً، فيما تستمر معاناة الضحايا وذويهم.

الحقيقة لا تُخنق

اثنا عشر عاماً مرّت، والعدالة ما زالت غائبة. بين الاستنكار الدولي والإنكار الرسمي، تاهت الحقوق وضاعت المحاسبة. لكن الحقيقة لا يمكن أن تُخنق خلف ضباب السياسة. فصرخات الضحايا ما زالت حيّة، والأمل لا يزال قائمًا بأن يأتي يوم تُفتح فيه دفاتر الجرائم، ويُحاسب كل من ارتكب بحق السوريين أبشع انتهاكات الإنسانية.