قدّم مسلسل “مطبخ المدينة” عالماً درامياً مشحوناً بالعنف والتفكك الاجتماعي، من خلال حكايات متشابكة تدور في فضاء رمزي كثيف: مدينة ملاهٍ مدمّرة تحوّلت إلى مركز للتسوّل المنظّم. في هذا المكان، تتقاطع مصائر أطفال ومراهقين ومهمّشين، في صورة تعكس آثار سنوات الحرب، لكن دون أن تنجح دائماً في تفسيرها بعمق. يركّز العمل على عائلة “الجمل” التي تعيش على وقع فقدان ابنتها المخطوفة، في خط درامي يتقاطع مع تحولات شخصيات أخرى تنزلق بين العنف والسعي للخلاص. غير أن إحدى أبرز إشكاليات المسلسل تكمن في بناء هذه الشخصيات، التي تظهر غالباً وهي تتنقل بين أقصى الشر وأقصى الخير دون مسارات مقنعة أو تطور نفسي واضح. تتحول شخصيات مثل “نورا” و”شجاع” من الانخراط في العنف والفساد إلى تبنّي مواقف أخلاقية مضادة بشكل مفاجئ، ما يضعف من صدقية التحولات ويجعلها أقرب إلى حلول درامية جاهزة. بالتوازي، يبالغ العمل في عرض العنف بصرياً، من خلال مشاهد مباشرة وقاسية تشمل القتل وتعذيب الأطفال، في خيار إخراجي يركّز على التأثير الحسي أكثر من التحليل. ومع ذلك، يغيب التفكيك البنيوي لهذا العنف، حيث لا يوضح المسلسل كيف تشكّلت هذه المنظومة أو دور السياق السياسي في إنتاجها، ليبدو العنف في كثير من الأحيان خياراً فردياً مرتبطاً بالمال، لا نتيجة ظروف مركبة. يظهر هذا التبسيط أيضاً في معالجة قضايا الإعاقة، حيث تُقدَّم شخصيات مثل “دياب” و”أبو بلال” بطريقة تتأرجح بين كسر النمطية والمبالغة، دون تقديم صورة واقعية لتجاربهم. في نهايته، يطرح المسلسل سؤال العدالة بعد الحرب، لكنه يقدّم إجابات ملتبسة تقوم على التسويات لا المحاسبة، حيث يصبح المال وسيلة للتكفير عن الماضي. وبين طموح واضح وطرح غير مكتمل، يبقى العمل عالقاً بين واقعية يدّعيها ودرامية تبالغ في تبسيطها.
استمع للمقال
منصة إرادة- مياس سلمان
قبل أيام، أُسدِل الستار على مسلسل “مطبخ المدينة”، العمل الدرامي الاجتماعي الذي كتبه علي وجيه وسيف رضا حامد، وأخرجته رشا شربتجي، بمشاركة نخبة من نجوم الصف الأول في الدراما السورية. حظي المسلسل بمتابعة واسعة، ونجح في إثارة نقاشات متعددة، ليس فقط حول قصته، بل حول ما يحاول قوله… وما يعجز عن قوله.
يختار العمل فضاءً بصرياً مكثفاً: مدينة ملاهٍ مدمّرة في دمشق، تتحول من مكان للعب إلى مركز للتسوّل المنظّم، حيث تتقاطع حيوات أطفال ومراهقين ومشرّدين، جميعهم جزء من شبكة استغلال تقودها شخصيات نافذة. في هذا العالم، لا تُقدَّم الطفولة بوصفها مرحلة، بل كحالة فقدان مبكر … فقدان للهوية، كما هو فقدان للأمان، ولإمكانية المستقبل. غير أن هذا التقديم، رغم قوته البصرية، يبقى في كثير من الأحيان أقرب إلى التشييء، حيث تُختزل هذه الفئات إلى خلفية درامية، أكثر من كونها ذواتاً كاملة.
المكان: مدينة ملاهٍ مدمّرة في دمشق، يسودها الخراب ولم تعد صالحة للعب. في هذا الفضاء، يجتمع أطفال ومراهقون ومشرّدون وكبار سن، يجمعهم خيط واحد هو التسوّل المنظّم الذي تديره جهات محددة.
بدلاً من أن تكون مدينة الملاهي مساحة للفرح ورفاهية الأطفال، تتحول إلى مقبرة لأحلامهم في اللعب والدراسة. فمعظمهم مشرّدون أو مخطوفون، لا يملكون ما يثبت هوياتهم، ويُصوَّرون غالباً من الأعلى، كأرقام أو أدوات لجمع المال، دون التوقف عندهم كأفراد يمتلكون كياناً وشخصيات مستقلة.
أما المراهقون الأكبر سناً، فيُقدَّمون ضمن صورة نمطية قاتمة: ألفاظ سوقية، انخراط في السرقة، سلوكيات منحرفة، وتعاطٍ لمواد ضارة، مع مظهر خارجي يعكس الإهمال والفقر. يحاول العمل تقديمهم كضحايا غير مباشرين للحرب السورية وتداعياتها، إلا أن هذا التقديم يبقى محكوماً بالتبسيط.
هذه المدينة نفسها كانت نقطة التحول في حياة عائلة مستثمري مطعم “مطبخ المدينة”، حين خُطفت ابنتهم الوحيدة قبل اثني عشر عاماً، أثناء لعبها يوم العيد، على يد العصابة التي تتخذ من مدينة الملاهي مقراً لها وتشغّل الأطفال في التسوّل.
منذ ذلك الحين، تعيش العائلة مأساة مستمرة، ويقضي الأب، طلحت الجمل، حياته في البحث عنها سراً، دون علم أبنائه، بعد أن أوهمهم بوفاتها عقب فترة وجيزة من اختفائها.
فضاء الخراب
تتشابك خيوط الحكاية حول عائلة “الجمل”، التي تدير مطعم “مطبخ المدينة”، وتعيش منذ سنوات على وقع فقدان ابنتها المخطوفة أثناء لعبها في الملاهي. هذا الحدث المؤسس لا يحرّك فقط خط البحث، بل يكشف أيضاً عن شبكة أوسع من التحولات التي طالت الشخصيات، في زمن يُفترض أنه عام 2024، بعد أكثر من عقد على الحرب.
لكن ما يبدو، للوهلة الأولى، محاولة لرصد أثر الحرب على الأفراد، سرعان ما يتحول إلى إشكالية أعمق: شخصيات تتنقل بين أقصى العنف وأقصى النقاء دون مسارات مقنعة. فـ”نورا”، التي تظهر في لحظات كشاهدة على تعذيب طفل ومتورطة في تخريب مطعم عائلتها بدافع المال، تعود في نهاية العمل لتؤسس مشروعاً خيرياً للأطفال. و”شجاع”، الذي انخرط في التعفيش، واستغل الأطفال، وتسبب بمقتل صديقه، يتحول فجأة إلى شخصية تسعى لإنقاذ الأطفال وتسليم نفسها إلى العدالة، حتى “الكف” يتخلى عن الأموال لشجاع ومن ثم يتخلى عن مدينة الملاهي لزوجته نورا. لا يوجد تفسير مقنع لكل هذا الاقتتال على حقيبة المال طوال الحلقات الثلاثين فيما يبدو التخلي عنها من قبل اللاهثين خلفها سهلاً في الحلقة الأخيرة. هذه التحولات لا تُبنى تدريجياً، بل تأتي كقفزات سردية (غالبا مدفوعة بحدث دراماتيكي كقتل ابن نورا أو عودة حبيبة شجاع)، لكن الشخصيات لا تبدو مركبة تتنازعها دوافع معقدة بل تصبح عاجزة عن تفسير هويتها وانعطافاتها خاصة التي تسمح لها بارتكاب جرائم كبيرة، مما يضعف من صدقية العالم الذي يحاول العمل بناؤه.
في هذا السياق، يبدو “عبد الكبير” الاستثناء النسبي، حيث تُقدَّم له خلفية نفسية مرتبطة بصدمة فقدان الطفلة، وعلاقته المشوهة مع أبيه، تمنح سلوكه بعض التفسير. أما بقية الشخصيات، فتتحرك غالباً وفق ضرورات الحبكة، لا وفق منطق داخلي متماسك.
تمثيل ملتبس لشخصيات الهامش
يظهر هذا الخلل أيضاً في طريقة مقاربة العمل لقضايا الإعاقة، التي كان يمكن أن تشكّل مدخلاً أكثر تعقيداً لفهم العنف والسلطة داخل هذا العالم. شخصية “دياب” (الكف)، الرجل المقعد الذي يدير شبكة التسوّل في مدينة الملاهي، تُقدَّم بوصفها كسرًا للنمطية التقليدية التي تربط الإعاقة بالضعف. فهو قائد صارم، عنيف، يتحكم بالجميع، ويستخدم أقصى درجات القسوة لفرض سلطته. غير أن هذا “الكسر” سرعان ما ينقلب إلى إشكالية أخرى: إذ تُستبدل صورة الضعف بصورة الهيمنة المطلقة، دون المرور بأي طبقات إنسانية وسيطة سوى حبه لزوجته نورا.
الأهم أن العمل يتجاهل بالكامل تقريباً الشروط الواقعية للإعاقة. البيئة المدمّرة التي تدور فيها الأحداث تبدو، على نحو غير منطقي، مهيّأة لحركة الكرسي المتحرك، حيث يتنقل دياب بسهولة بين الأزقة والمطاعم، دون أي عوائق تُذكر. كما لا يتوقف السرد عند التحديات اليومية التي يواجهها، بل يجعل إعاقته تفصيلاً ثانوياً، فيما يحتل العنف موقعه المركزي. حتى على المستوى العاطفي، تُقدَّم حياته الأسرية بوصفها مستقرة نسبياً، بحيث لا تكون الإعاقة مصدراً للتوتر، بل سلوكياته العدوانية فقط التي لم تتغير بعد حادثة بتر رجليه.
ولا يختلف الأمر كثيراً في شخصية “أبو بلال”، الرجل الأخرس الذي يظهر كمرافق دائم لدياب. يُصوَّر كشخص قادر على التواصل الكامل مع محيطه دون أي صعوبات، في مبالغة واضحة تلغي التعقيد الفعلي لتجربة فقدان القدرة على الكلام. كلا النموذجين، رغم اختلافهما، يكشفان عن مقاربة تبسيطية: إما تضخيم القدرة إلى حد غير واقعي، أو تهميش الإعاقة بالكامل.
الزمان والشخصيات: يرصد العمل تداعيات أربعة عشر عاماً من الحرب وأثرها على شخصياته. يطغى حضور العنف والقتل والجريمة، بوصفها وسائل للبقاء، كما يكشف نمط علاقات مشبوهة بين العصابات وبعض المتنفذين. ويعتمد السرد على الانتقال بين الحاضر والماضي، لكشف خلفيات الشخصيات والمسارات التي قادتها إلى ما آلت إليه.
من أبرز هذه الشخصيات “شجاع” (مكسيم خليل)، الذي يبدأ شاباً ينضم إلى الدفاع الوطني بدافع حماية الوطن، قبل أن يجد نفسه تدريجياً متورطاً في أعمال السرقة والتعفيش، ليتحول لاحقاً إلى سارق سيارات محترف، ويزداد انغماساً في عالم الجريمة. يحاول الهروب من البلاد والتخلّص من ماضيه، لكن محاولاته تبوء بالفشل.
أما شقيقه “عبد الكبير” (عبد المنعم عمايري)، فيظهر كشخصية مهزوزة نفسياً، عانت من عدم إيمان والده بقدراته كشيف، ومن تحميله مسؤولية ضياع أخته “ريما” التي كانت برفقته. يدفعه ذلك إلى السعي وراء المال كوسيلة للاستقلال والتخلّص من سلطة الأب، فيبدأ بالانخراط في أعمال غير أخلاقية، بدءاً من الشهادة الزور مقابل المال، مروراً بانتحال صفة أمنية، وصولاً إلى التورط في جرائم قتل للتخلّص ممن يهددون بكشفه.
وربما تُعد شخصية “دياب” الملقب بـ“الكف” (فادي صبيح) الأبرز في العمل، إذ يقدّم نموذجاً لكسر نمطية النظر إلى الأشخاص ذوي الإعاقة. فرغم اعتماده على كرسي متحرك، نتيجة سقوط سقف المنزل وبتر ساقيه قبل سنوات، يظهر دياب بوصفه الشخصية القائدة في مدينة الملاهي.
يُقدَّم كشخص قاسٍ وصارم، يفرض سلطته على الجميع، وتتميّز شخصيته بالعنف والسيطرة، دون أي مظاهر للرحمة. ويتجلى ذلك في ممارساته، مثل معاقبة الأطفال الذين يخالفون أوامره بكيّهم بالنار، إضافة إلى تورّطه في القتل عبر آخرين للتخلّص من شريكه والحصول على المال.
عنف بلا سياق ولا بنية
بالتوازي مع ذلك، يذهب المسلسل بعيداً في عرض العنف بشكل مباشر وصادم ودموي. القتل، التعذيب، وحتى موت الأطفال، تُقدَّم كمشاهد بصرية مكثفة، في خيار إخراجي يراهن على التأثير الحسي. غير أن هذا العنف، رغم حضوره الكثيف، لا يُفكَّك في سياقه الأوسع. لا نرى كيف تُنتج البنى السياسية والاجتماعية هذا العنف، ولا كيف يصبح جزءاً من آليات البقاء والسيطرة. بدلاً من ذلك، يبدو في كثير من الأحيان كخيار فردي تحكمه الرغبة في المال، فيما تبقى الحرب خلفية باهتة، لا قوة مفسِّرة. كما يبقى صادماً هذا التجاهل لمؤسسات الدولة في إنتاج العنف والتطبيع معه. نرى عبد الكبير ينتحل صفة رجل الأمن ليرتكب سلسلة من الجرائم، في حين لا نرى رجل الأمن الحقيقي مثلاً… حتى المسؤول الكبير القادم من حزب البعث، الضابط الجنائي الفاسد، وزعيم حاجز الدفاع المدني، لا يظهرون بوصفهم جزءاً من ماكينة السلطة، ولا يؤثرون بخيارات الناس الواقعين تحت سلطتهم بل يبدو العكس. النتيجة الدرامية صادمة: العنف فردي ينتجه أناس عاديون بعضهم مسحوقون، بل أن بعضهم طيبون، هو خيار فردي يقوده الطمع بالمال والجشع، وبعض الانتكاسات العاطفية. فيما السلطة بأجهزتها ومؤسساتها وقوانينها وإعلامها، مختزلة وغائبة.
هذا الغياب للتفكيك البنيوي ينعكس مباشرة على النهاية، حيث يتحول مفهوم العدالة إلى سلسلة من التسويات. لا تواجه الشخصيات ماضيها بقدر ما تعيد ترتيب مواقعها: مشاريع خيرية، تبنّي أطفال، عمليات زرع قلب ناجحة، وبدايات جديدة. المال، الذي كان محركاً للفساد، يصبح أداة للتكفير عنه. وكأن الخلاص ممكن عبر إعادة توزيع الموارد، لا عبر مساءلة حقيقية.
هل يتغير كل شيء… أم يعاد ترتيبه؟
هنا يبرز السؤال الذي يلوح في خلفية العمل: هل العدالة ممكنة بعد كل هذا الخراب؟
الإجابة التي يقدمها المسلسل تبدو ملتبسة، بل تميل إلى استبدال العدالة بنماذج مخففة منها—عدالة مشروطة، قابلة للتفاوض، تُصاغ وفق توازنات جديدة أكثر مما تُبنى على محاسبة واضحة. وأحياناً عدالة مبنية على الكذبة المريحة لا على الحقيقة، مثل استبدال حقيقة وفاة الأخت والمطالبة بالقصاص لها، باتفاق الجميع على الكذب على الأب وإحضار “ابنة” بديلة، في خيار درامي مرعب برمزيته بعد انتهاء الحرب السورية. هل سنقدم لأهالي المفقودين بدائل لطيفة عن مصير أبنائهم، كي لا يواجهوا حقيقة ما حدث، أو كي لا يختل الواقع الجديد؟ فالسعادة بسقوط النظام القديم بدت مشوهة بغياب الابنة واستقامت باختراع الكذبة لتصبح نهاية سعيدة تليق بمسلسلات ما بعد سقوط النظام الأسدي.
وتزداد هذه المفارقة حين يُقرأ العمل في سياقه الأوسع، حيث يبدو أن فكرة “التسوية” لا تخص الشخصيات وحدها، بل تمتد إلى الخطاب الذي يقدمه العمل نفسه: إمكانية طيّ الماضي، لا مواجهته.
أما إذا أردنا توسيع العدسة خارج الحلقات، فلا يمكن تجاهل أن أحد منتجيه، محمد حمشو، يُعد من أبرز وجوه الفساد في الحقبة السابقة، وقد ارتبط اسمه بشبكات اقتصادية وسياسية معقدة، قبل أن يجري تسويات مالية بعد سقوط النظام. في هذه الزاوية تحديداً، يبدو المسلسل وكأنه يعيد إنتاج الفكرة ذاتها التي يُفترض أن يناقشها: إمكانية محو الأفعال الكبرى عبر تسويات لاحقة.
في المحصلة، ينجح “مطبخ المدينة” في خلق عالم بصري مشحون، وشخصيات قادرة على جذب الانتباه، لكنه يتعثر في تفسير هذا العالم ومنحه عمقه الكامل. يقدّم العنف كمشهد، لا كبنية، ويمنح شخصياته خلاصاً دون أن يمنحها مساراً يقود إليه. وبين واقعية يدّعيها، ومبالغة يكرّسها، يبقى العمل معلقاً بين ما يريد قوله… وما ينتهي فعلياً إلى تكريسه.
