تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

مراد الديب… حين تتولى الصورة رواية ما يعجز الكلام عن قوله

الخط

يتناول المقال تجربة المخرج السوري مراد الديب من خلال ثلاثة من أفلامه الوثائقية والقصيرة، «استحبس» و«طوفان» و«جفاف»، التي عُرضت في ملتقى هارموني بحمص، متوقفاً عند اللغة السينمائية التي يعمل الديب على تطويرها، حيث تتراجع مركزية الحوار والسرد المباشر لمصلحة الصورة، والمشهدية، والمؤثرات الصوتية، وما تتيحه من مساحة للمشاهد كي يشارك في بناء المعنى. في «طوفان»، يلتقط الديب آثار الفيضانات التي ضربت سهل الآر في ألمانيا عام 2021، من دمار للبيوت والأشجار، ومن مشاعر الخوف والعجز التي يستعيدها السوري عبدو، القادم من حلب والمقيم في المنطقة. ويقرأ المقال هذا الطوفان بوصفه استدعاءً غير مباشر لذاكرة الدمار السوري، من دون اللجوء إلى صور الحرب أو الإشارة الصريحة إليها. ويرى أن الفيلم ينجح في بناء صلة بين كارثتين من خلال الصورة وحدها، وإن كان يمكن أن يضيف معلومة توثيقية تساعد المشاهد السوري على فهم خلفية الكارثة الألمانية. أما «جفاف»، فيبدو فيه الديب أكثر خبرة في بناء عالمه السينمائي. فعطل شاحنة تنقل جثة الأب يجمع ثلاثة أشقاء بعد سنوات من الانفصال، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن جفاف عميق في علاقاتهم الإنسانية. ومن خلال الصمت والبرود والحوارات المقتضبة، يقترب الفيلم من عالم العبث عند صموئيل بيكت، حيث العزلة والوحدة والسأم وغياب المعنى. ويخلص المقال إلى أن أفلام مراد الديب تقدم مقاربة مختلفة للسينما السورية عن الحرب والثورة؛ فلا بندقية ولا دبابة ولا صور مباشرة للدمار، لكن الألم حاضر، وكذلك الأمل. وفي حديثه بعد العرض، يؤكد الديب رغبته في تطوير أدواته السينمائية وتجريب أشكال مختلفة بين الوثائقي والروائي وسينما المؤلف، داعياً إلى العمل المؤسسي وإقامة المهرجانات وإعادة بناء جسد السينما السورية.

منصة إرادة- عبد الكريم عمرين

ببساطة، ومن خلال مشاهدتك لأفلامه الوثائقية الثلاثة، يمكنك أن تجزم أن المراد الديب مقتّر في الحوار، أو السرد السينمائي، مقابل غنى الصورة التي تنوب عن الكلام وتتنكب خيول المعنى. ففي فيلم «استحبس»، وفي الفيلمين القصيرين «طوفان» و«جفاف» اللذين عُرضا في ملتقى هارموني بحمص، تبدو المشهدية سيدة الجهد السينمائي. إنها تأخذك إلى عوالم مخيلة المراد، فالتقشف في السرد، والغنى الطاغي، والبذخ في زمن الصورة على الشاشة، يمنحك ذاك التحفز والتوفز، ويضعك في أتون العقدة التي يشترطها أرسطو في الفن الإبداعي والتراجيديا.

لا يبسط المراد الديب، ككاتب سيناريو وكمخرج، حكاية الفيلم، بل ينثر على الشاشة، ومنذ اللحظات الأولى للعرض، شذرات الترقب، ثم ينثر لك قنبزاً، كما ينثر للطيور، فتحلّق لتكمل الحكاية، بكمال الصورة/اللقطة ومؤثراتها الصوتية.

في فيلمه الوثائقي القصير «طوفان»، يقبض مراد على انطباعاته جراء ثوران الطبيعة في ريف مدينة كولن الألمانية، حيث يعيش، فيصوّر الدمار والبيوت المهدمة، والأشجار المحطمة. إنه، كسوري، يربط، وعبر الصورة، بين دمار سوريا كرد فعل للاستبداد الأسدي على ثورة 2011، والدمار الهائل في مقاطعة صغيرة من ريف كولن، ودون أي إشارة صريحة، ودون أي صورة أو لقطة من الدمار السوري.

فالطوفان حدث «في يوم 14/7/2021 بألمانيا بسهل الآر، وتسبب بوفاة أكثر من 130 شخصاً، وتحولت المدينة لمدينة أشباح. عبدو، القادم من سوريا من مدينة حلب، أحد سكان الآر فايلر، يشارك أهلها الحزن، ويسترجع مشاعر الخوف والعجز الذي سبق أن عاشها في أزمة ماضية من حياته».

إن كارثة سهل الآر بكولن، الطوفان، ذكّرت مراد بطوفان الكارثة السورية، وربما بممهدات طوفان البعث كما قدمه الراحل عمر أميرلاي في أحد أفلامه. لكن مراد، وهو يخطو أولى خطواته السينمائية في «الطوفان»، وكإنسان يسكن كولن، من المبرر ألّا يشير إلى الكارثة؛ فالمشاهد الألماني يعرف تفاصيلها، لكن المشاهد السوري لا يعلم. كان من الممكن إضافة مشهد في الفيلم، مشهد إعلان حدوث الطوفان في النشرة الإخبارية للتلفزيون الألماني، لتزيد من وثائقية الفيلم، ومن معلومة يقدمها مراد للمشاهد ليغتني بها.

في فيلم «جفاف»، يبدو مراد أكثر خبرة ودراية ككاتب سيناريو وكمخرج. فالأحداث تجري في شارع منعزل، وثمة شاحنة معطلة، فيها جثة الأب، وثلاثة أولاد يقومون بنقل الجسد الميت لوالدهم، لكن عطل السيارة يكشف عن عوالم الأسرة وأفرادها: عالم من العزلة والانعزال، عالم يفتقد إلى دفء الأسرة، وإلى عدم التواصل، بل عالم يفتقد للإنسانية.

يسأل الأخ أخته، بعد أن يتأملها ببرود وصمت: كيف زوجك؟

صمت طويل، والأخت تتأمل أخاها ببرود، تجيبه: لقد طلقنا.

صمت طويل، يحدق فيها ببرود.

تتابع الأخت: طلقنا منذ عشر سنوات.

صمت بارد.

تتابع الأخت: أنا التي طلقته.

صمت طويل.

يسألها أخوها: والأولاد؟

تتابع الأخت: أخذت الأولاد، وبصقت في وجهه ورحلت.

هذا المشهد المتخم بعبثية صموئيل بيكت، عالم بارد، شخوصه تعيش العزلة الداخلية، تتنفس الوحدة والسأم والضجر والضياع، وتنتظر اللاشيء. لا ترتكز حيواتها إلى المعاني، كمعنى الأسرة، والحب، والربيع، والقتل، والدين، والله، والجحيم. هي أقرب إلى المومياءات الحية التي تنتظر يوم بعثها من المجهول.

باختصار، أحداث فيلم «جفاف» تجري في إطار درامي خلال فترة الحرب؛ حيث يتوفى الأب وتجتمع العائلة مجدداً. ويجد ثلاثة أشقاء أنفسهم مجبرين على مواجهة علاقاتهم المتصدعة والتعامل مع فاجعة رحيل والدهم بعد سنوات طويلة من الانفصال والتشتت.

أخيراً، إن الأفلام الثلاثة التي شاهدها جمهور حمص هي من تأليف وإخراج مراد الديب، وهذه الأفلام مطبوعة بطابعه الإبداعي، وانتهج فيها نهجاً سينمائياً مميزاً، وبشكل مغاير عن الأفلام التي أُنتجت عن الثورة السورية والمجتمع السوري خلال الحرب. ما يميز مراد أنه لا يذكر كلمة حرب، وليس في أفلامه بندقية ولا دبابة، وليس ثمة جرح، لكن هناك ذات الألم، وذات الأمل.

في رده على تساؤلات إرادة بعد العرض، يقول مراد:

«عندما نتكلم عن السينما السورية، وعن السينما التجريبية للسينما الوثائقية، أول اسم يجب أن نذكره هو المخرج السينمائي عمر أميرلاي، ومن المؤلم أنه توفي في الخامس من شباط عام 2011 قبل أن تبدأ الثورة السورية، ولم يشهد انتصارها، وهو مبدع السينما الوثائقية السورية. أكثر الأفلام الوثائقية التي لا تغادرني هو فيلم «العودة إلى حمص»، من تصوير أسامة الهبالي وقحطان حسون «أبو عدنان». وهناك فيلم «ماء الفضة»، وهو أيضاً عن مدينة حمص من تصوير أسامة محمد، وهناك أسماء كثيرة تشكل الجسد للسينما السورية، لكن هذا الجسد لم يكبر ولم يستمر بسبب الظروف القاسية التي مرت فيها سوريا، وتمر بها اليوم إنتاجياً. فالسينما، بحاجة لاستمراريتها وتوسعها ولخلق جسد سينمائي حقيقي، تحتاج لعمل مؤسسات، لكني لا أنكر أن بعض الأسماء عملت إبداعياً على إنجاز بعض الأفلام الناجحة وبمجهود فردي، لكننا الآن بحاجة أن نتلاقى ونعمل معاً، بحاجة لإقامة مهرجانات سينمائية لنلتقي ونفكر بمبادرات لإحياء جسد السينما السورية.

أعتقد أنني كنت أحاول في الفترة الماضية أن أطور من أدواتي السينمائية وأتحكم بها أكثر وأجربها، فلهذا السبب كنت أتجه للسينما التجريبية – سينما المؤلف، وأتنقل بين الوثائقي والروائي، وأحاول أن أجرب لأجد أسلوبي الخاص، وأن أتفاعل مع الظرف والمكان الذي أكون فيه. فعندما أكون في ألمانيا وأعمل على فيلم عن سوريا، سأكون أنا مختلفاً عن الفيلم الذي أعمل على إنجازه وأنا في سوريا وأعيش أيامي فيها. كما أنني حينما أعمل فيلماً من كتابتي وإخراجي، سيكون مختلفاً بالتأكيد عن عملي في فيلم فيه عمل جماعي أكبر، وفيه كاتب آخر للسيناريو، نتناقش معاً لنتوصل إلى حلول كتابية وإخراجية متفق عليها إبداعياً، بشكل تضامني ومتكافل، ومع جروب الفيلم كلهم. المهم الآن بالنسبة لي تطوير أدواتي السينمائية».

المخرج

مراد الديب، ولد عام 1991 ونشأ في حمص. يدرس حالياً الإخراج السينمائي في أكاديمية كولون للفنون في ألمانيا. يسعى إلى إيجاد لغة سينمائية تمزج التعبير الشعري والتأملي مع السرد التجريبي، ويركز في أفلامه على سرديات الذاكرة، متأثراً برحلته الشخصية خلال الثورة، والسجن، والمنفى، والاغتراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *