الإرادة

محطات القطار تعود للحياة عبر الفن… معرض “طريق” يوحّد المدن السورية

الخط

في محطة بغداد التاريخية في حلب، التي شُيّدت عام 1912 ولم تمسها الحرب، يُقام معرض فني بعنوان “طريق” تنظمه جمعية مدد بالتعاون مع باي ديفلوت بمشاركة نحو مئة فنان من محافظات سورية مختلفة. يتوزع المعرض على محطات القطارات في دمشق، حمص، اللاذقية، إدلب وحلب، ويستمر من 27 أيلول حتى 10 تشرين الأول، حاملاً رسالة رمزية عن الفن كطريق يجمع السوريين ويعيد إحياء الذاكرة الجمعية. اختيار محطات السكك المهجورة جاء ليؤكد فكرة اللقاء والانتماء. يقول ميار بدوي، أحد المنظمين في حلب، إن “فعالية طريق ليست مجرد معرض، بل حركة ثقافية تهدف إلى تحويل المساحات المهمشة إلى منصات للإبداع والحوار”. تنوّعت الأعمال بين التركيبات الفنية والمنحوتات والفيديو واللوحات الجدارية، ومن أبرزها عمل الفنانة آلاء حبوس الذي يحاكي تجربة السجون البيضاء وتحويل الإنسان إلى رقم، ولوحة زين العابدين غريب عن صعوبة المسامحة، وعمل وفاء حجازية عن الأمل رغم القيود، إضافة إلى عمل مها قويضي الذي يجسد لحظة تصالح بين الماضي والحاضر. يُعد المعرض الأول من نوعه في محطة القطار منذ تأسيسها، وجاء في وقت يثير فيه الوسط الفني جدلاً حول تقييد حرية التعبير وتحطيم التماثيل في حلب. لذلك يُنظر إليه كـ فعل مقاومة جمالية وانتصار للفن على الحرب. الحضور الشبابي الكثيف أعاد الأمل بقدرة الفن على جمع المختلفين وإعادة بناء المعنى في بلد أنهكته الانقسامات. فـ “طريق” ليس معرضًا فقط، بل رحلة بحث عن وطن يتسع للجميع، حيث يصبح الفن لغةً للحياة.

منصة إرادة- مياس سلمان:

على أرض محطة بغداد التاريخية في حلب، التي كانت من المعالم الأثرية القليلة التي لم تمسها الحرب بأذى، تحتضن المدينة معرضًا فنيًا استثنائيًا بعنوان “طريق” تنظمه جمعية مدد بالتعاون مع باي ديفلوت، بمشاركة قرابة مئة فنان من مختلف المحافظات السورية.

يتوزع المعرض على أربع محافظات في الوقت نفسه: حلب، حمص، اللاذقية، وإدلب، ويهدف إلى إحياء الذاكرة الجمعية وتعزيز دور الفن في بناء الروابط المجتمعية. يستمر المعرض من 27 أيلول حتى 10 تشرين الأول.

الفن كجسر للذاكرة واللقاء

اختيار محطات السكك الحديدية المهجورة ليس عبثياً؛ بل رسالة رمزية إلى ضرورة استعادة “الطريق” تجمع السوريين مجدداً وتكون فيه تلك المحطات طريق للتلاقي والحوار.

ميار بدوي، أحد منظمي الفعالية في حلب من فريق باي ديفلوت تحدث عن دور الفن بتعزيز التماسك المجتمعي، وأضاف: ” أن فعالية طريق ليست مجرد معرض بل حركة ثقافية تهدف إلى تحويل المساحات المهمشة إلى منصات إبداعية حيث يلتقي الفنانون والجمهور في رحلة مشتركة لإعادة تخيل مفاهيم الهوية والانتماء.”

ويشارك في النسخة الحالية 78 فنانًا، توزعت أعمالهم على محطات القطارات في دمشق (محطة الحجاز)، حمص (حي المحطة)، حلب (محطة بغداد)، اللاذقية (دوار اليمن)، إضافة إلى مبنى مديرية الثقافة في إدلب.

أعمال فنية تحاكي الذاكرة والإنسان

على جانبي سكة القطار داخل المحطة تنتشر الكثير من الأعمال الفنية والمنحوتات بطريقة مرتبة ومنظمة تجعلك تشعر بأنها منحوتة منذ تأسيس المحطة وجزء من تاريخ المكان، كما أن المعرض مزود بإنارة جيدة متناسقة مع الأعمال الفنية مما يعطي قيمة إضافية للمعرض.

ومن أبرز الأعمال الفنية في المعرض عمل للفنانة (آلاء حبوس) مشهد من غرفة بيضاء صغيرة أشبه بزنزانة انفرادية مضاءة إضاءة شديدة تجعلك تنبهر من اللون الأبيض على الجدران صور صغيرة عليها أرقام مبعثرة يجعلك تعيش حالة أنك في سجن يتحول به أي سجين من اسم وكيان إلى مجرد رقم، عمل يحاكي أيضاً السجون البيضاء في روسيا التي يُعد فيها اللون الأبيض نوعًا من التعذيب النفسي.

ومن الأعمال أيضاً لوحة جبصين نافرة لأشخاص يتصافحون دون ملامح وجوه واضحة، تجسد هشاشة المسامحة وصعوبتها، للفنان (زين العابدين غريب) الذي يصف لوحته قائلاً إنهم يتصافحون لإنهاء كل شيء ويسامحون بعضهم البعض مع إخفاء متعمد لحقيقة الوجوه وكأنه يقول المسامحة الحقيقية ليست بهذه السهولة.

وهناك عمل فني للفنانة (وفاء حجازية) عبارة عن أيادٍ مقيدة تعكس مقاومة الإنسان رغم هشاشته الداخلية. تقول حجازية لمنصة إرادة عن عملها: “مهما كان الإنسان محاطًا بالقيود، وهش من الداخل لا يمكن أن يستسلم، بل يقاتل ليصبح إنسان قوي يصنع المستحيل لينهض من جديد ويتحرر”.

ومن أبر الأعمال أيضاً عمل فني للفنانة (مها قويضي) حيث يظهر العمل جسدين معلقين في الهواء في وضعية مواجهة في لحظة تصالح عميقة تجسد التناقض بين الماضي والحاضر الهشاشة والمرونة والانتقال من النهايات الى البدايات الجديدة وتشير الفنانة أن هدف اللوحة الفنية التركيز على أهمية المسامحة والتحرر من الماضي.

حدث فني استثنائي في قلب التناقضات

يُعد هذا المعرض الأول من نوعه في محطة بغداد منذ تأسيسها، وجاء في وقت حساس تشهده الساحة الفنية في حلب، بعد الجدل الذي أثير على وسائل التواصل الاجتماعي في حلب حول قيام مجهولين بتخريب وسرقة بعض التماثيل في كلية الفنون الجميلة في جامعة حلب لتصدر جامعة حلب بياناً توضح أنه لم يجر أي تخريب للتماثيل، بل ما جرى فعلاً هو التخلص من بعض المشاريع القديمة لطلاب من سنوات سابقة بعد أن أصبحت متهالكة. إضافة إلى استمرار النقاش حول قرار صادر عن كلية الفنون الجميلة بدمشق بمنع الموديلات العارية كمشاريع تخرج.

 

كما أن ما جرى من تحطيم لتمثال (الشهداء) في ساحة سعد الله الجابري أحد أبرز معالم حلب الذي بناه النحات الحلبي (عبد الرحمن المؤقت) عام 1986، ليخلد به شهداء الثورة السورية ضد الاستعمار الفرنسي وكيف جرى تحطيمه عند محاولة نقله بتهور من الساحة (كما قالت السلطات حينها)، كلها جعلت من إقامة معرض نحتي وفني بهذا الحجم فعل مقاومة جمالية في وجه العنف والرقابة، وصراعًا بين الفن والحرب في بلد بات فيه الجمال نفسه مهددًا.

الفن ينتصر للحياة

الحضور اللافت للشباب في المعرض يمنح الأمل بعودة الفن كمساحة للحوار، بعيدًا عن مشاحنات العالم الافتراضي، وبناء بصيص امل أن بناء وطن يضم أفكار متناقضة لا يزال ممكناً رغم تعمق خطاب الكراهية.

وربما وجود جمعية “مدد”، التي تحمل إرث الفنانة بثينة علي، يقدم رمزية إضافية: استمرار الأثر بعد الرحيل، وولادة جديدة من رحم الفقد، فالفن، كما يقول منظمو المعرض، ليس تماثيل ولوحات فحسب، بل قيمة إنسانية وروح خالدة تقاوم النسيان.