الإرادة

قرارات، إغلاقات وتعليم متوقف: صراع المناهج على أبواب المدارس المغلقة

الخط

تشهد مناطق شمال وشرق سوريا ارتباكاً واسعاً في المشهد التعليمي بعد قرار الإدارة الذاتية بمنع تدريس المناهج الحكومية السورية في جميع المدارس الواقعة تحت سيطرتها، بما فيها المدارس المسيحية. القرار لم يُعلن رسمياً بل نُقل عبر اجتماعات داخلية، وأثار تساؤلات حول تناقضه مع اتفاق 10 آذار الذي نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في إطار الدولة السورية. منذ عام 2015 فرضت الإدارة الذاتية مناهجها الخاصة عبر ما عُرف بـ"نظام التربية للمجتمع الديمقراطي". ومع توسع سيطرتها بعد هزيمة تنظيم داعش عام 2019، شددت قبضتها على التعليم، فأغلقت المدارس الخاصة المؤقتة وصادرت أختام المدارس الحكومية، وصولاً إلى الحظر الشامل الأخير. النتيجة كانت إخراج آلاف الطلاب من المدارس وعدم وجود بديل سوى مناهج الإدارة التي لا تحظى باعتراف رسمي داخلي أو خارجي. المشكلة الأكبر أن هذه الشهادات غير معترف بها في الجامعات السورية أو الدولية، مما يعني حرمان الطلاب من متابعة تعليمهم الجامعي أو الحصول على فرص عمل. إضافة إلى ذلك، يُنظر إلى المناهج على أنها ذات طابع أيديولوجي يروج لفكر حزب العمال الكردستاني، الأمر الذي أثار احتجاجات شعبية سابقة في المنطقة. الأطفال والعائلات هم الحلقة الأضعف في هذه الأزمة. العائلات المقتدرة (لا تتجاوز 10%) قادرة على إيجاد بدائل، بينما غالبية الأسر الفقيرة فقدت خياراتها. قصص مثل الطفلة ميس من ذوي الإعاقة، التي اضطرت لترك المدرسة بسبب الاكتظاظ، تجسد المأساة. مدارس مسيحية حاولت الاستمرار لكنها أُغلقت هي الأخرى تحت ضغط القرار. في المقابل، تشهد مدن مثل دير الزور اكتظاظاً كبيراً نتيجة انتقال طلاب من مناطق الإدارة الذاتية والعائدين من دول الجوار، في وقت تعاني المدارس من الدمار وقلة الإمكانات. أزمة التعليم في شمال شرق سوريا اليوم ليست مجرد خلاف على المناهج، بل انعكاس لأزمة سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة، تهدد بترك جيل كامل خارج مقاعد الدراسة ومستقبل غامض ينتظر آلاف الأطفال.

منصة إرادة- شيماء شريف:

تشهد مناطق شمال وشرق سوريا فوضى جديدةً في المشهد التعليمي إثر قرار الإدارة الذاتية بمنع تدريس مناهج الحكومة السورية في جميع الأراضي التي تخضع لسلطتها، والتي تشمل محافظات الحسكة، والرقة، وريف دير الزور. القرار لم يتم الإعلان عنه بشكل رسمي، بل تم تبليغه خلال اجتماعات هيئة التربية والتعليم التابعة للإدارة الذاتية مع معلمي مديرية التربية التابعة لحكومة دمشق، بالإضافة إلى ممثلين عن المدارس الخاصة الدائمة، بما في ذلك المدارس المسيحية.

يهدف القرار ظاهرياً إلى توحيد النظام التعليمي في المنطقة، إلا أنه يتناقض بشكل صارخ مع اتفاق 10 آذار الذي وُقّع بين الأطراف الرئيسة بهدف دمج المؤسسات المدنية والعسكرية، مما طرح تساؤلات جدية حول النوايا الحقيقية للأطراف المتصارعة على النفوذ والإيديولوجيا، كما أثار حالة من الارتباك والغموض بسبب تداعياته المحتملة على مستقبل آلاف الطلاب.

جذور الأزمة: التعليم كساحة صراع

يأتي هذا القرار ليس كحدث منفصل، بل كفصل جديد في تاريخ طويل من الصراع على ملف التعليم في المنطقة. فمنذ تأسيس الإدارة الذاتية، مرّت العملية التعليمية بتغييرات عديدة، بدأت بتأسيس منهاج خاص بالإدارة الذاتية وتدريسه في المدارس الواقعة تحت سيطرتها، ليتوسع هذا المنهاج ويتم تطبيقه في جميع مناطق الإدارة الذّاتية وجميع المراحل التّعليمية. منهاج لم يعترف به النّظام السّابق، وواجه انتقادات واسعة من ناشطين مدنيين، وسكّان شمال شرقي سوريا.

بدأت الإدارة الذاتية مشروعها التعليمي عام 2015 بأسلوب حذر. فبدلاً من فرض منهاجها بالقوة، عملت على إنشاء نظام تعليمي موازٍ للمدارس الحكومية القائمة عبر إطلاق “نظام التربية للمجتمع الديمقراطي” الذي تضمن هيئات تربوية خاصة بالإدارة الذاتية.

بعد عام 2019، ومع سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على معظم مناطق شمال شرقي سوريا، باستثناء أحياء قليلة في مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي عرفت باسم (المربعات الأمنية) وسيطرتها على ريف دير الزّور (الجزيرة) بشكل كامل بعد هزيمة داعش على يد قسد مدعومة بقوّات التّحالف، بدأت الإدارة الذاتية بتوطيد سيطرتها على القطاع التعليمي بشكل أكثر حزماً.

داخل هذه المربعات الأمنية الضيقة، لم تستطع المدارس الحكوميّة التابعة لدمشق استيعاب الأعداد الكبيرة للطلاب القادمين من مناطق سيطرة قسد، والذين لا يريدون دراسة منهاج الإدارة الذاتية ويفضلون المنهاج الحكومي. كذلك فإن المدارس الخاصّة الدّائمة مثل (البر)، والمدارس التّابعة للطائفة المسيحية مثل (النهضة، الأمل، والموحدة) لم تكن قادرة على استيعاب آلاف الطّلاب الّذين اكتظت بهم المدارس الحكوميّة، لتقوم وزارة التّربية التابعة لحكومة دمشق السابقة، بترخيص ما بات يعرف باسم المدارس الخاصّة المؤقتة مثل (المستقبل)، (الغد) وغيرها في المربعات الأمنية.

هذا الارتباك عكس التجاذبات السياسية التي استمرت عقداً كاملاً بين الإدارة الذاتية والنظام السابق. صراع طالما دفع الطلاب ثمنه، وأصبح الآن أكثر تعقيداً بعد سقوط النظام في كانون الأول العام الماضي.

 من السيطرة الجزئية إلى الحظر الشامل

في منتصف العام الدراسي الماضي أصدرت الإدارة الّذاتية قراراً بإغلاق المدارس الخاصّة المؤقتة، التي كانت قد ظهرت لتلبية حاجة الطلاب الذين يريدون دراسة المنهاج الحكومي ولم يتمكنوا من الالتحاق بالمدارس الحكومية المكتظة. كما قامت الإدارة بمصادرة أختام المدارس الحكومية وتعيين مشرفين من طرفها على المدارس الحكومية في المربعين الأمنيين (سابقاً).

وجاء التعميم الأخير غير المعلن ليشمل الآن المدارس الحكومية في المناطق الواقعة تحت سيطرة النّظام السّابق “المربعات الأمنية” بالإضافة إلى المدارس الخاصة التابعة للطوائف المسيحية، التي لطالما حافظت على استقلالية في نظامها التعليمي، وحاولت التفاوض والوصول إلى اتّفاق يتيح لها فرصة بدء عام دراسي جديد بعيداً عن التداعيات الأخيرة بعد قرار منع تدريس المنهاج الحكومي، عندما أعلنت هذه المدارس التّابعة للكنيسة بتاريخ 29 أيلول عن بدء العام الدراسي، لتتعرض في اليوم نفسه للإغلاق وإخراج الطّلاب من المدرسة وتعليق عملها حتّى إشعار آخر.

وفي نهاية الأسبوع الماضي، دهمت القوى الأمنية التابعة لـ “الإدارة الذاتية”، المدارس المسيحية الخاصة في مدينتي الحسكة والقامشلي، وقامت بإغلاقها بالقوة.
وشملت عملية الإغلاق مدارس مار قرياقس، والسلام، وميسلون، وفارس الخوري، والاتحاد، في مدينة القامشلي، بالإضافة إلى مدرسة الأمل في مدينة الحسكة، بعد إن قاموا بطرد الإداريين والمعلمين منها.

وهكذا، انتقلت الإدارة الذاتية من مرحلة السيطرة الجزئية إلى مرحلة الحظر الشامل، ولم يعد هناك أي خيار أمام الطلاب سوى الانخراط في منهاج الإدارة الذاتية.

هذا القرار لا يفرض فقط السيطرة الكاملة على النظام التعليمي سواء بالمنهاج أو المؤسسات التعليمية نفسها، بل يناقض جولات المفاوضات الّتي انتهت بتوقيع اتفاق 10 آذار بين رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشّرع، وقائد قوّات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، الذي وصف بأنه خطوة أساسية نحو إعادة توحيد سوريا.

خلال السنوات السابقة لم يتم تحييد ملف التعليم، كما ينبغي، عن الصراعات العسكرية والسياسية، لكنه اليوم أصبح أيضاً أحد الجبهات في إدارة صراع النفوذ وفرض السيطرة.

 ردود الفعل والارتباك على الأرض

وزارة التربية في الحكومة المؤقتة لم تعلق رسمياً على قرار الإدارة الذاتية بمنع تدريس المنهاج التّابع للحكومة السّورية المؤقتة في مناطق شمال شرقي سوريا، مكتفية بالإعلان عن إقامة امتحان تعويضي لطلاب المرحلة الانتقاليّة الذين حالت الظروف دون تمكنهم من التّقدم للامتحان النّهائي خلال العام الدراسي الماضي 2024/2025.

المحاولة الخجولة لوزارة التربية بعدم تصعيد الموقف علناً، تحولت إلى غموض وارتباك ظهر على الأرض بشكل ملموس. فقد أعلنت مدرسة “الموحدة” التابعة للطائفة المسيحية في الحسكة عن تأجيل الامتحانات التعويضية للطلاب، بعد يوم واحد فقط من إعلانها، بناءً على توجيهات من مديرية تربية دمشق.

فيما الصراع السياسي الذي يبدو إدارياً قائمٌ على قدم وساق، فإن الخاسر الأكبر في هذه المواجهة هم الطلاب الذين تدمر سنواتهم التعليمية بالأوراق التفاوضية والخلافات السياسية.

 التداعيات على الطلاب والعائلات

تصف وجيهة الخالدي (ناشطة مدنيّة) من مدينة الرّقة هذا القرار بأنه جاء “ليدهس أصابع الأطفال المتشبثين بحافة الجبل ويرميهم نحو قعر الهاوية”. تضيف الخالدي: “الأطفال الذين لا يتمتعون بدعم أسري أو مجتمعي ويخوضون رحلة التّعليم فرادى هم الشّريحة الأكثر تضرراً من قرار منع تدريس المناهج الحكومية، وفرض منهاج الإدارة الذّاتية على جميع المدارس الواقعة تحت سيطرتها”.

منذ طرحه عام 2015، أثار منهاج الإدارة الذاتية جدلاً واسعاً بسبب محتواه الذي يُنظر إليه على أنه ذو طابع سياسي وإيديولوجي. ويرى العديد من السكان أن المنهاج يروج لـ”فكر القائد عبد الله أوجلان”، مما يجعله، في نظرهم، وسيلة لأدلجة الطلاب بدلاً من توفير تعليم محايد.

المشكلة الأبرز أن شهادات منهاج الإدارة الذاتية غير معترف بها سواء من الحكومة السورية أو حتى كثير من المؤسسات الأكاديمية الخارجية. فالشهادات الصادرة عن الإدارة الذاتية لا يتم تصديقها من قبل الجهات الرسمية في دمشق، مما يجعلها بلا قيمة قانونية للتقدم للقبول الجامعي. كما أن معظم الجامعات الدولية تشترط أن تكون الشهادات معترفاً بها من قبل جهات رسمية، وبما أن الإدارة الذاتية لا تعتبر كياناً معترفاً به دولياً، فإن شهاداتها لا يمكن أن تخضع لعمليات التقييم والتصديق هذه، مما يمنع الطلاب من مواصلة دراساتهم الجامعية أو الحصول على فرص عمل خارج المنطقة.

رفض شرائح واسعة من سكان المنطقة الشرقية للانضواء في نظام تعليم الإدارة الذاتية، لم يقتصر على الهمسات، بل تجلى في مظاهرات عام 2022 التي طالبت بحرية اختيار المناهج التعليمية وإعادة فتح المدارس الحكومية، ورفض منهاج “قسد” الذي يتعارض، حسب رأيهم، مع عادات وتقاليد المنطقة ومعتقداتها الدينية.

الخالدي أشارت أيضاً إلى الأبعاد الاقتصادية للقرار: “اليوم وبعد منع تدريس المنهاج الحكومي في المربعات الأمنية لم يعد هناك خيارات بالنسبة إلى الأطفال الّذين ينتمون إلى عائلات مفككة أو فقيرة، على عكس العائلات المقتدرة والّتي لا تمثّل أكثر من 10% من سكّان شمال شرقي سوريا، هذه العائلات يمكنها تعليم الأطفال في البيت أو بالسّفر بشكل كامل إلى محافظات أخرى، أمّا الحلقة الأضعف فهم الفتيات اللواتي لا تشجّع عائلاتهن تعليمهنّ في الأساس، ليكون هذا القرار وتداعياته جداراً في بيئة تعاني أساساً من انتشار الأميّة والقضايا المرتبطة بالنساء مثل زواج القاصرات، العنف المنزلي، وجرائم قتل النّساء”.

 ذوو الإعاقة والخروج القسري من التعليم

التّطورات الّتي شهدها قطاع التعليم منذ عام 2015 في مناطق شمال شرقي سوريا، كان عامل طرد للأطفال ذوي الإعاقة من المنظومة التعليمية بشكل كامل. “ميس” بطلة إحدى قصص منصة إرادة، كانت طفلة من ذوي الإعاقة فقدت حقّها في التّعليم نتيجة ازدحام المدارس القليلة في المربعات الأمنية في الحسكة، والتي كانت الملجأ الوحيد لآلاف الطلاب القادمين من مناطق الإدارة الذاتية. كان بقاء ميس في شعبة مكونة من تسعين طالباً في الطابق الثالث، أمراً مستحيلاً.

اليوم، ومنذ سقوط النظام، فقدت شقيقتاها أيضاً (تالا) في الصف الثاني، و(غزل) في الصّف الثّامن فرصتيهما في التعليم الحكومي بعد القرار الأخير. والدتهن قالت: “ابنتي غزل تمكنت من الالتحاق بمدرسة خاصة مسيحية (الموحدة الخاصّة)، لكن تالا لم تُقبل بسبب الاكتظاظ. المدارس الخاصّة ليست حلاً مناسباً لمعظم النّاس بسبب ارتفاع أقساطها، ولأنه من المتوقع أيضاً إغلاقها في أيّ لحظة،. أفكر بالانتقال نهائياً إلى إحدى المحافظات الداخلية لضمان تعليم بناتي”.

ميس محرومة من التعليم

 أزمة ممتدة تتجاوز التعليم

تتجاوز تداعيات القرار الجانب الاقتصادي لتطال النسيج الاجتماعي. فمع غياب نظام تعليمي مستقر ومعترف به، قررت بعض العائلات الرحيل إلى الداخل السوري أو إلى مدينة دير الزور، الأقرب جغرافياً وثقافياً.

مديرة إحدى المدارس الابتدائية في دير الزور، فريال الويس، قالت إن المدارس شهدت ضغطاً هائلاً مع بداية هذا العام بسبب الطلاب القادمين من شمال شرقي سوريا والعائدين من لبنان وتركيا. وأوضحت أن “عدد المدارس في المدينة قليل أصلاً بسبب الدمار الذي لحق بها خلال الحرب”.

يمكننا القول بأنّ جميع الحلول الّتي تحاول ابتكارها العائلات، من اللجوء إلى الدروس الخصوصية المرهقة اقتصادياً لعائلات لا يتجاوز دخل معظمها 100$ شهرياً، أو الانتقال إلى مدينة ثانية وما يترتب على هذا الخيار من عبء مادي ونفسي واجتماعي، أو محاولة الدراسة في المنزل، حلول ليست سوى إجراءات سطحيّة لا يمكنها حل مشكلة أجيال تفقد فرصة التعليم، وتغلق الأبواب أمام مستقبلها الأكاديمي والمهني.

إن أزمة التعليم في شمال شرقي سوريا لا تحدث في فراغ. فهي تتداخل مع أزمات إنسانية أخرى مركبة. العائلات الجالسة على حقائبها تحاول منذ أشهر التّكيف مع مشاكل لا تنتهي فقد انقطع التيار الكهربائي عن مناطق واسعة، منذ عدة أشهر، كما تعاني مناطق مثل الحسكة وريفها من انقطاع المياه منذ سنوات، وأخيراً شبكة الاتصالات منقطعة منذ خمسة أشهر في بعض المناطق. هذه الظروف المعيشية الصعبة تجعل من التعليم عملية شبه مستحيلة، يضاف إليها فرض منهاج دراسي مثير للجدل وخلق أزمة تعليمية عميقة تهدد بتدمير مستقبل جيل بأكمله.